دُرَّة الغوّاص وأبعادها المثيولوجيَّة

كتب بواسطة محمد سلام جميعان

يكثر دوران حكاية الدُّرّة في الشِّعر العربي قبل الإسلام، وفيها تتمظهر حكاية البحث عن الخلود ممثلاً في المرأة المثالية في عالمها المليء بالقدسيَّة والمهابة. فالدُّرّة في الموروث الأسطوري ترتبط بعالم البحار والجنّ، وتستمد رمزيتها من اعتقاد الإنسانيّة وإيمانها بقدسية الأحجار الكريمة

يكثر دوران حكاية الدُّرّة في الشِّعر العربي قبل الإسلام، وفيها تتمظهر حكاية البحث عن الخلود ممثلاً في المرأة المثالية في عالمها المليء بالقدسيَّة والمهابة. فالدُّرّة في الموروث الأسطوري ترتبط بعالم البحار والجنّ، وتستمد رمزيتها من اعتقاد الإنسانيّة وإيمانها بقدسية الأحجار الكريمة، وقدرتها على جلب الحظوظ الخيِّرة لمن يمتلكها ويقتنيها، وما تنطوي عليه من أسرار لها فاعلية تغيير المصير الإنسانيّ وإطالة أمد حياة الإنسان والحيلولة دون افتراس الموت له.
وكون الدُّرّة مرتبطة بعالم البحار والجنّ، فهذا يقتضي الإشارة إلى هيمنة فكرة بداية الخلق والتكوين على الوعي الإنسانيّ، فتكوين العالم مرتبط بالسرمدية والظلمة القابعة في أعماق البحار. وحين يورد الشّعراء حكاية الدُّرّة فإنهم بهذا ينزعون إلى الاتصال بينابيع الخلق الأول، فذكرهم للدُّرة يقترن عندهم بالليل وما ينتابهم فيه من قلق وهمّ وانجرار خلف أسئلة الوجود الكبرى، وترتبط الدُّرّة وتقترن كذلك بأسطورة الجنّ.
والعرب قبل الإسلام يخلعون على الجنّ قدراً ملحوظاً من القدسيَّة والمهابة. والجنّ محلٌّ لاعتقاد العرب بها، ناهيك عن عبادتها وتقديسها، فكل خارق خارج على المألوف منسوب لها حتى جعلوا من الجنّ مصدرا للشِّعر. وفي قصيدة للأعشى نرى أنه وصف الدُّرة بـ (المارد) بكل ما فيه من غلظة وتوحش، ليعطي للدُّرة قيمة أعلى، بحكم الحماية الاستثنائية الَّتي يوفِّرها لها المارد، حتى ليبدو الوصول إليها في أعماق البحار ضرباً من المستحيل، وكأنه يقول إن طلب البقاء والخلود يتطلَّب تسخير الجنّ.
وتسخير الجنّ فكرة ترتبط في القصص القديم وفي القصص القرآني بسيدنا سليمان عليه السلام. وتحضرنا هنا أبيات النابغة الذبياني:
إلاّ سليمانَ إذْ قالَ الإلهُ لهُ
قُمْ في البَرِيَّةِ فَاحْدُدْها عنِ الفَنَدِ
وَخَيِّسِ الجنّ إِنِّي قد أَذِنْتُ لهمْ
يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفّاحِ والعَمَدِ
ومَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً
تَنْهَى الظَّلومِ ولا تَقْعُدْ على ضَمَدِ
وتحضر حكاية الدُّرّة بإطارها الكلي العام عند الشعراء بوصفها رمزاً للحياة والخلود، ورسم صورة الصراع الإنسانيّ مع قوى الطبيعة ( الجنّ / البحر / الظلام) يقول المخبِّل السعدي :
وتُريكَ وجهاً كالصَّحيفةِ لا
ظمآنُ مُخْتلَجٌ ولا جَهْمُ
كعقيلةِ الدُّرِ استضاءَ بها
مِحرابَ عَرْشِ عزيزِها العُجْمُ
أغلى بها ثمناً وجاء بها
شَخْتُ العِظامِ كأنَّه سَهْمُ
بِلَبانِه زَيْتٌ وأخْرَجَها
مِن ذي غَوارِبَ وَسْطَهُ اللُّخْمُ ( المفضَّل الضبّي ،المفضليات، ص115)
فهو يشبه وجهها بالصحيفة لملاسته ولينه؛ إذ إنه ليس ضامراً قليل اللحم ولا كثيره يستدعي البشاعة. فهي من خيار الدُّرِّ وأفضله، يستضيئ بصدر مجلسها لنفاستها العجمُ، يشتريها العزيزُ بثمنٍ كثير، وقد أحضرها من قلب الأمواج الممتلئ بأسماك القرش، غائصٌ دقيق العظم كأنه السهم في سرعته ومضائه، وقد جعل الزيت على صدر سهمه تفادياً لجفوفة ماء البحر وملوحته.
ويقول أبو ذؤيب الهذلي:
كَأَنَّ ابنَةَ السَهمِيِّ دُرَّةُ قامِسٍ
لَها بَعدَ تَقطيعُ النُبوحِ وَهيجُ
بِكَفَّي رَقاحِيٍّ يُحِبُّ نَماءَها
فَيُبرِزُها لِلبَيعِ فَهِيَ فَريجُ
أَجازَ إِلَيها لُجَّةً بَعدَ لُجَّةٍ
أَزَلُّ كَغُرنوقِ الضُحولِ عَموجُ
فَجاءَ بها ما شئتَ لطَمِيَّةٍ
تَدومُ البحارُ فَوقَها وَيَموجُ
فَجاءَ بِها بَعدَ الكَلالِ كَأَنَّهُ
مِنَ الأَينِ مِحراسُ أَقَذُّ سَحيجُ
(ديوان الهذليين، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة / 1965، ص 56، 57).
ومن الأمثلة الأخرى الدّالَّة على وحدة الفكر والشُّعور في القصيدة الجاهليّة، تلك القصائد الَّتي جاءت على ذكر المرأة؛ إذ تكاد لا تخلو قصيدة جاهليَّة من ذكر المرأة على نحو من الأنحاء. فالمرأة في القصيدة الجاهليّة هي مصدر الخصوبة والأمومة والتَّناسل، وقد قرن الشّاعر الجاهليّ بينها وبين الماء بوصفه رمزاً للحياة.
فقد رمز المسيّب بن علس للمرأة الَّتي شبَّب بها بالدُّرّة البيضاء شديدة النَّقاء، وقال إنَّ على مَنْ يريد نوالَها والاستحواذ عليها أنْ يخوض في سبيلها البحار المُهلِكة، حتّى إذا أدركها ووصل إليها في لُجَّة البحر العميقة خرَّ لها ساجداً، وهو ما يحيلنا إلى مشاهد عبادة المرأة في مرحلة من مراحل التّاريخ البشريِّ البعيد. يقول المسيّب بن علس:‏
نَظَرَت إِلَيكَ بِعَينِ جازِئَةٍ
في ظِلِّ بارِدَةٍ مِنَ السِدرِ
كَجُمانَةِ البَحرِيِّ جاءَ بِها
غَوّاصُها مِن لُجَّةِ البَحرِ
صُلبُ الفُؤادِ رَئيسَ أَربَعَةٍ
مُتَخالِفي الأَلوانِ وَالنَجرِ
فَتَنازَعوا حَتّى إِذا اِجتَمَعوا
أَلقَوا إِلَيهِ مَقالِدَ الأَمرِ
وَغَلَت بِهِم سَجحاءُ جارِيَةٌ
تَهوي بِهِم في لَجَّةِ البَحرِ
حَتّى إِذا ما ساءَ ظَنُّهُمُ
وَمَضى بِهِم شَهرٌ إِلى شَهرِ
أَلقى مَراسِيَهُ بِتَهلُكَةٍ
ثَبَتَت مَراسيها فَما تَجري
فَاِنصَبَّ أَسقَفُ رَأسُهُ لَبِدٌ
نُزِعَت رَباعيتاهُ لِلصَبرِ
أَشفى يَمُجُّ الزَيتَ مُلتَمِسٌ
ظَمآنُ مُلتَهِبٌ مِنَ الفَقرِ
قَتَلَت أَباهُ فَقالَ أَتبَعُهُ
أَو أَستَفيدُ رَغيبَةَ الدَهرِ
نَصَفَ النَهارُ الماءُ غامِرُهُ
وَرَفيقُهُ بِالغَيبِ لا يَدري
فَأَصابَ مُنيَتَهُ فَجاءَ بِها
صَدَفِيَّةً كَمُضيئَةِ الجَمرِ
يُعطى بِها ثَمَناً وَيَمنَعُها
وَيَقولُ صاحِبُهُ أَلا تَشري
وَتَرى الصَراري يَسجُدونَ
لَها وَيَضُمُّها بِيَدَيهِ لِلنَحرِ

إنها رحلة يتجلى فيها العناد والتَّحدّي والمغامرة. فالغواص يخرج مع أربعة شركاء مختلفي الألوان والصفات، تجمعهم المِلاحة والفقر، يتنازعون المِلاحة فيما بينهم حول قيادة السفينة؛ وينتهي بهم الأمر إلى تسليم مقاليد أمرهم لغواص ماهر، ومغامر وعنيد، همُّه الوحيد اصطياد الجمانة ولو كلّفه هذا الأمر منيّته.
وتبدو المعاناة حين تغدو السفينة في أعالي البحر وهم يصارعون لججه، وقد طالت رحلتهم شهراً بعد شهر، حتى كاد يغشاهم اليأس من بلوغ مطلبهم، غير أن البحار العنيد يلقي بمراسيه وبنفسه في منطقة عميقة وخطيرة يطلب الجمانة الَّتي قتلت والده بعزيمة لا تفتر، باحثاً عنها في لجج الماء، دون أن يعلم أصحابه ما يجري له تحت الماء، حتى يظهر أخيراً بعد نصف يوم حاملاً صدفة مضيئة كالجمر. وعلى الشاطئ يغريه المشترون بثمن غالٍ، لكنه يستمسك بها ويضمها إلى نحره، فيما سجد الملاحون إعجاباً بالجمانة/ الدُّرة، وتقديراً لعناد الغوّاص.
وللأعشى قصيدة تحمل الرَّمز نفسه، وبينها وبين معاني قصيدة المسيّب نسبٌ وثيق في وحدة الفكر والشعور، فمعشوقته كذلك يحرسها مارد من الجنّ في لجَّة البحر العميق، وقد عرّض نفسه في سبيل الحصول عليها للهلاك والغرق، وظل يطلبها ويسعى إليها سنواتٍ طوالاً حتّى أدركته الشيخوخة وراح يمشي في اضطراب ورِعشة، فلا ييأس، فهو يرى الأمل ماثلاً أمامه، واحترق طمعاً في الحصول عليها. وهذه الدُّرّة يحرسها مارد جبّار يبالغ في حياطتها، فلا تغفل عنها عينُه حذَرَ السّارقين والصّائدين في ظلام اللَّيل. ولكنَّ الغوّاص يحترق وهو يرصد الدُّرّة وطواه البحر في أمواجه المتراكبة، وكان عليه أن يتحدَّى اليمَّ ويغامر لينال بغيته، وهكذا يغدو الصَّيد بعيد المنال، من رامه اختطفته حبال المنيَّة وانتهى إلى الهلاك والنّار. ومن يصل إليها يحظى بالخلود:
نامَ الخَلِيُّ وبِتُّ اللّيلَ مُرْتَفِقًا
أرْعَى النَّجومَ عَمِيدًا مُثْبَتًا أرِقَا
أَسْهُو لِهَمِّي وَدَائِي فهيَ تُسْهِرُنِي
باتَتْ بِقَلْبِي وأَمْسَى عندَها غَلِقَا
يا لَيْتَها وَجَدَتْ بي ما وَجَدْتُ بِهَا
وكانَ حُبٌّ وَوَجْدٌ دامَ فاتَّفَقَا
لاشيءَ يَنْفَعُنِي مِنْ دُونِ رُؤْيَتِها
هلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ مالمْ يُصِبْ رَهَقَا
كَأنَّهَا دُرَّةٌ زَهْرَاءُ أخْرَجَهَا
غَوَّاصُ دارِينَ يَخشَى دونَها الغَرَقَا
قدْ رامها حِجَجًا مذْ طَرَّ شَارِبُهُ
حتى تَسْعَسَعَ يَرْجُوها وقد خَفَقَا
لا النَّفسُ تُوئِسُهُ منها فَيَتْرُكُها
وقد رأى الرَّعبَ رأيَ العينِ فاحْتَرَقَا
وَمَارِدٌ مِنْ غُوَاةِ الجنّ يَحْرُسُها
ذو نِيقَةٍ مُسْتَعِدٌّ دُونَها تَرَقَا
ليستْ لهُ غَفْلَةٌ عنها يُطِيفُ بها
يَخشَى عَليها سُرَى السَّارِينَ وَالسَّرَقَا
حِرْصًا عليها لوَ انَّ النّفسَ طَاوَعَها
مِنْهُ الضَّمِيرُ لَبالَى اليَمَّ أوْ غَرِقَا
في حَوْمِ لُجَّةِ آَذِيٍّ لهُ حَدَبٌ
مَنْ رَامَها فارَقَتْهُ النّفسُ فاعتُلِقَا
مَنْ نَالَهَا نَالَ خُلْدًا لا انْقِطاعَ لَهُ
وما تَمَنَّى فأضحى نَاعِمًا أَنِقَا
تِلكَ الَّتي كَلَّفَتْكَ النّفسُ تَأْمُلُها
وما تَعَلَّقْتَ إلا الحَيْنَ والحَرَقَا
(ديوان الأعشى الكبير، تعليق د. محمد محمد حسين، مؤسسة الرسالة،ط7، 1983، ص 416- 417
‏ وتبدو قصيدة الأعشى مشحونة بالألفاظ ذات الدلالة الميثودينية القارَّة في النسق الثقافي لمجتمع ما قبل الإسلام، وبهذا يبعث الأعشى في سرده القصصي النسق الأسطوري بإعادة بعثه وإنتاجه لتشكل ثقافة المجتمع على نحو يوجهه نحو الأسطورة ليتمكن من مغالبة القيد الاجتماعي بإحلال المرأة المحبوبة في دائرة القدسي، فهو يقرن المرأة بالدُّرّة المقدسة الَّتي تملك سر الخلود فتغري الغواص بالتضحية وتحدي المخاطر للفوز بها مع علمه بما يتربص به من مهالك.
وهكذا تغدو الدُّرّة رمزًا لسعي الإنسان الدؤوب وكفاحه من أجل البقاء من لحظة وجوده ووعيه المتواصل من أجل البقاء منذ لحظة وجوده ووعيه على هذا الوجود( وقد رامها مذ طر شاربه حتى تسعسع) فهو يفني عمره باحثا عنها ابتغاء الانفكاك من قيود العتمة والسرمدية واستجلاء نور الحقيقة الذي يبدد حالة اليأس والإحباط الَّتي أحدثها بُعد المرأة / الدُّرّة كما يبدو في أبيات أخرى في مطلع القصيدة:
لاشيءَ يَنْفَعُنِي مِنْ دُونِ رُؤْيَتِها هلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ مالمْ يُصِبْ رَهَقَا
سْهُو لِهَمِّي وَدَائِي فهيَ تُسْهِرُنِي باتَتْ بِقَلْبِي وأَمْسَى عندَها غَلِقَا
وهو في هذا لا يغادر النسقية العربية آنئذ، فالمرأة في التصور العربي قبل الإسلامي هي رحم الحياة الأول الضامن لاستمرار الحياة، وهو التصور اللصيق بالدُّرّة في التصور الديني والأسطوري القديم.
ففي الأسطورة أنَّ عشتار إلهة الخصب والجمال خُلِقت من ماء البحر وكانت في محارة مكنونة تماماً مثل الدُّرّة .وفي الحكايات الَّتي يرويها الأبشيهي عن بنات الماء، ما يؤشِّر على احتفاظ الذاكرة العربية ببعض صفات “عشتار البحرية” فيصفهنَّ بقوله: (أمَّةٌ ببحر الروم يشبهن النساء ذوات شعور وثُديٍّ و.. وهن حسان، ولهنَّ كلام لا يُفهم … ويقال إنَّ الصيادين يصطادونهنَّ و…فيجدون … لا توجد في غيرهن من النساء، ثم يعيدونهنَّ في البحر ثانياً) (الأبشيهي، شهاب الدين بن محمد، المستطرف في كل فن مستظرف، تحقيق عبد الله انيس الطباع، دار القلم، بيروت، 1982، ص 367 ).
ونحن إذا نظرنا إلى القصيدة العربيَّة الجاهليّة الَّتي تمثِّلها هذه النَّماذج، رأينا كيف تتجلّى الوحدة العضويَّة والوحدة النَّفسيَّة والمضمونيَّة، وهي الوحدة الَّتي ندعوها وحدة الفكر والشُّعور، فكلُّ نصٍّ منها تامَّ الخَلق والتَّكوين، يُعبِّر عن الشعور الإنسانيّ الكوني لمبدعه. وهذه الوحدة الفنية البنيوية هي ثمرة من ثمرات إنتاج الشِّعر في تاريخه وفي تطوره وفق شروط الحياة الجاهليَّة وبيئة شعرائها وثقافتهم الَّتي نهلوها من معارف ذاتيَّة وغيريَّة. وهذا ما دعاهم إلى الجري في مضمار واحد، تتَّحد فيه أفكارهم ومشاعرهم؛ إذ لا تتحد الفكرة والشُّعور إلا إذا اتَّحدت العقيد الَّتي يتمثَّلونها. فليس الأمر تقليداً شعريًّا محضاً.
فهذه الظواهر الشِّعرية الممتدة والمتداولة، يحرص عليها الشِّعراء مفردات وتراكيب وأبنية شعرية، ولا يكادون يخرجون عنها، فهي مع كونها نسيجاً شعرياً متوارثاً، فإنها كذلك تستنهض في الوجدان والشُّعور وفي الوعي الجمعي صورة من صور العبادات القديمة، وتحيل على مغزى مثيولوجي اندرست صورته الأصلية فلم يبق منها سوى أجزاء ظلال، وربما كانت ” جمانة البحري” متحدرة إلى مخيلة هؤلاء الشِّعراء مما وقر في الذاكرة الإنسانيّة عن حوريات الماء أو جنيات البحر، فقد كانت ( الآلهة الكنعانية أشيرة زوجة إيل تتمشى على وجه البحر وطرفها الأسفل جسم سمكة غائص في الماء، وأما طرفها الأعلى ففتاه بارعة الجمال.. ومثلها أفروديت الَّتي خرجت من زبد البحر وأخذت ترقص على الأمواج…) (جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، علي الشوك، دار المدى. دمشق 1994، ص135). وقد تكون صدىً بعيداً لما حصّله هؤلاء الشِّعراء من حكاية ملكة سبأ مع سليمان عليه السلام وكذلك نبأ الصرح الممرد من قوارير الَّذي أعده سليمان عليه السلام لملكة سبأ فظهر كأنه لجّة لما أقام من أرضيته فوق الماء، فتعجَّبت من عجائب صنعه وأخذتها الدهشه كما تتجلى في سورة سورة النمل.
فهذه الأبعاد المثيولوجية للدُّرة ، تتفق ونظرة القداسة التي أحيط بها الشعر العربي قبل الإسلام .فابنُ قتيبة يرى أن الشِّعر هو الكتاب المقدس للعرب: (وللعرب الشِّعر الَّذي أقامه الله تعالى مقامَ الكتاب لغيرها، وجعله لعلومها مستودعاً) (ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن شرح وتحقيق أحمد صقر، دار إحياء الكتب العربيَّة، مصر، ص 114، دت.)، وقال كعب الأحبار: (إنا نجد قوماً في التوراة أناجيلهم في صدورهم وأظنُّهم الشِّعراء) العقد الفريد 5/ 273-274. وبالغ عمرو بن العلاء في منزلة الشِّعراء عند العرب في الجاهليَّة بقوله:(كانت الشِّعراء عند العرب في الجاهليَّة بمنزلة الأنبياء في الأمم)(انظر الزينة في أسماء الكلمات الإسلامية، أبو حاتم الرازي ص 105 و106 تحقيق حسين بن فيض الله القاهرة 1957).

Hits: 1518

السادس والستون ثقافة وفكر

عن الكاتب

محمد سلام جميعان

شاعر واديب اردني، عضو رابطة الكتاب الاردنيين، وعضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العربز له العديد من الاصدارات الشعرية، والروائية والاعمال المسرحية اضافة لادب الاطفال. تولى العديد من المواقع الثقافية على المستوى المحلي، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الثقافية الاردنية والعربية.

اترك تعليقاً