التداعيات الإستراتيجية للمواجهة ” التركية – الروسية ” على إسرائيل

لـ

أصدر مركز دراسات الأمن القومي في إسرائيل دراسة بعنوان:
“التداعيات الإستراتيجية للمواجهة التركية – الروسية في سوريا على إسرائيل” للمحلل الاستراتيجي عاموس يدلين.
وعاموس يدلين هو لواء متقاعد في الجيش الإسرائيلي، حيث شغل مناصب مهمة في الجيش الإسرائيلي منها رئيس شعبة الاستخبارات ونائب قائد سلاح الجو. وشارك كطيار مقاتل في حرب أكتوبر عام 1973 وفي عملية “سلامة الجليل” في لبنان وفي عملية “تموز” التي استهدفت المفاعل النووي العراقي، ويشغل حالياً منصب رئيس مركز دراسات الأمن القومي.

وفيما يلي الترجمة الكاملة للدراسة:
ــ جذور الصراع ( التركي – الروسي) ودوره في المواجهة الحالية:-
1- يدور النقاش حالياً عن المواجهة الروسية – التركية، وتحديدا بعد اسقاط طائرة روسية بواسطة صواريخ موجهة من قبل طائرات تركية على الحدود المشتركة بين البلدين، حيث ذكرت وسائل الإعلام التركية عن قيام الطائرة الروسية باختراق المجال الجوي التركي.
جذور الصراع التركي – الروسي تعود إلى أسباب تاريخية على خلفية التأثيرات الإقليمية في منطقة البلقان والبحر الأسود، حيث ترى أنقرة بأن موسكو تمثل تهديداً دائماً على المصالح التركية هناك.
إن سياسة الرئيسيين التركي والروسي تقوم على أساس رواسب تاريخية قائمة بين البلدين … فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقدم نفسه باعتباره قائدا تاريخيا، باعتباره موازيا لمنصب السلطان العثماني خلال فترة الخلافة الإسلامية، كما إن الرئيس الروسي يحاول استعادة قوة الإمبراطورية الروسية بقيادة القيصر.

2- لتركيا وروسيا مصالح استراتيجية فيما يحصل في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا والتطورات الأخيرة في سوريا. فالدولتان على خلاف فيما يتعلق بالأزمة السورية ووسائل حلها، فتركيا ترى أولوية سقوط النظام الأسدي فيما ترى روسيا ضرورة بقاء الرئيس السوري بشار الأسد كشرط حاسم لتعزيز الاستقرار في المنطقة، وذلك للمحافظة على مصالحها في منطقة الشرق الأوسط.
كما تتقاطع سياسة البلدين بشكل رسمي إزاء ما يسمى بـ ” الدولة الإسلامية ” أو ما يسمى داعش، وذلك من اجل منح شرعية لتدخلها في الشأن السوري. ذلك أن جزءا كبيرا من تنظيم داعش يحظى بدعم تركي، إضافة لدعمها لمجمل المعارضة السورية، في حين نجد روسيا ضد المعارضة السورية بشكل عام.
هناك عوامل تُسرع من وتيرة التصادم بين تركيا وروسيا، وهي:-

1- الأزمة الأوكرانية ووقوف الغرب ضد سياسة الرئيس الروسي فيما يتعلق باجتياح شبه جزيرة القرم.
2- عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي “الناتو” .
3- تعارض المصالح الإستراتيجية لكل من روسيا وتركيا في سوريا.
4- المعارضة التركية الشديدة ضد التورط العسكري الروسي في سوريا.

ـ التداعيات الإستراتيجية للمواجهة التركية – الروسية على
إسرائيل:-
1- على المدى القصير:
يمكن أن نتعلم من مسألة إسقاط الطائرة الروسية حجم الخطأ البسيط الذي كان بالإمكان تلافيه، ففي تلك اللحظة يستطيع الأتراك إرباك المشهد وذلك بتحذير الطائرة بدلاً من إسقاطها.
وحسب الصور الملتقطة من أجهزة الرادارات، فإن الطائرة الروسية قد اخترقت المجال الجوي التركي بشكل ضئيل، وبدون شك فإنه ليس للطائرة الروسية نوايا عدوانية تجاه تركيا، كما أن الطائرة لم يتم إسقاطها بالخطأ. إن تطور الأحداث بشكل متسارع يشير بشكل أساسي إلى ضرورة ضمان سيطرة في حدها الأعلى في حال اتخاذ قرار بمواجهة محتملة بتدخل طائرات لسلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية مستقبلاً.
نعم يوجد في إسرائيل مداولات فعالة فيما يتعلق بتطور الأحداث،
ولا يتوقف حول حادثة قتالية واحدة من الممكن أن تؤدي إلى مواجهة
شاملة، حيث من الواجب على إسرائيل أن تعيد حساباتها وتبدأ بتحديد إستراتيجية واضحة المعالم تلائم جميع الظروف للحيلولة دون تطور الأحداث.
حقاً يتوجب على إسرائيل أن تجري تنسيقاً على مستوى عالٍ مع روسيا في أعقاب تدخلها العسكري في سوريا مع المحافظة على التفاهم الحالي معها الذي تم انجازه في تشرين الأول الماضي. وكانت روسيا قد نصبت على الأراضي السورية منظومة الصواريخ المتقدمة من نوع
(S-400) التي تغطي جميع الأجواء السورية، ولذلك يتوجب على إسرائيل بلورة خطة دقيقة وصارمة للحيلولة دون اصطدام ( إسرائيلي – روسي ) في الأجواء السورية.

وفيما يتعلق بالعلاقة الإسرائيلية – التركية، فلا يوجد لحد الآن
ما يشير إلى نقاط اختلاف كبيرة، وكانت تركيا قد حذرت قبل ما يقارب العامين بأنها ستقوم بإسقاط كل طائرة تحاول اختراق مجالها الجوي وتنتهك سيادتها.

2- على المدى الطويل:
وهنا تتصاعد مسألة حيوية فيما يتعلق “بالخيار الإسرائيلي”: هل يتوجب على إسرائيل اتخاذ موقف حاسم بالنزاع الحالي بين روسيا وتركيا؟ ، وإلى أي جهة تكون عملية الاصطفاف الإسرائيلية؟.
قامت إسرائيل في السابق باختراق الأجواء السورية وذلك بقصف قوافل كانت تحمل وسائل قتالية متقدمة منقولة من سوريا إلى حزب الله، فإسرائيل بالواقع ليست لاعباً مركزياً في الأزمة السورية وتحديداً بين النظام السوري والمعارضة.
والنتيجة التي نخلص إليها بالـتأكيد هي أن الموقف الإسرائيلي تجاه المواجهة التركية – الروسية يتمحور بعدم الوقوف إلى أي جانب. ولكن من الناحية الإستراتيجية فإن مصالح إسرائيل ينبغي أن تُعبّرُ عن موقف مركب تجاه تلك المواجهة.
ومن جهةٍ ثانية، فيما يتعلق بالعلاقة الثنائية بين إسرائيل وروسيا، فإن لإسرائيل مصالح مهمة للوقوف إلى جانب موسكو، فالدولتان يسود بينهما علاقات جيدة قائمة على أسس ثابتة وراسخة، وهي علاقات لم تتأثر البتة فيما يتعلق بمسألة التدخل الروسي في سوريا.
إن الخيار الاسرائيلي بالوقوف إلى جانب روسيا سيكون له فوائد اقتصادية: وكانت روسيا قد فرضت مقاطعة اقتصادية على تركيا، وتستطيع إسرائيل من جانبها تزويد روسيا كبديل جزئي عن تركيا بكميات كبيرة من الخضروات والفواكه والمواد الأخرى. ومن الجهة الثانية فإن العلاقات
الإسرائيلية – التركية يسودها سوء التفاهم منذ عام 2009، حيث يستمر طابع العداء لإسرائيل طالما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متمسكاً بالسلطة، وبالتالي فإن موقف إسرائيل باتجاه تركيا سيكون له تداعيات عملية ضد المحور الراديكالي في سوريا، حيث يظهر جلياً أهمية المصالح الإستراتيجية لإسرائيل.
من جهة مغايرة فان لإسرائيل وتركيا مصالح مشتركة تشمل تفكيك وإزالة نظام الحكم الأسدي وإضعاف التمدد الإيراني في سوريا، وحتماً سيمس ذلك بالمقدرة القتالية لحزب الله. إذا كان لدى تركيا حقاً الرغبة في العمل على تصحيح العلاقة مع إسرائيل والمشاركة معها في مواجهة التهديدات والتحديات، فعليها بادئ ذي بدء بتخفيف وتيرة عدائها والبدء في مشاريع مشتركة تعود بالفائدة على الجانبين: فتح السوق التركي للغاز الإسرائيلي، مع التقليص الحاصل حالياً بتزويد تركيا بالغاز الروسي، والموافقة التركية لانضمام إسرائيل لعمليات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، حيث كان هذا الأمر صعباً في أعقاب المعارضة التركية للمشاركة الإسرائيلية في العمليات والتدريبات والمناورات العسكرية لحلف الناتو. وستوافق إسرائيل بالتالي إلى إعادة الدور التركي ليكون له موقع قيادي وليكون لاعباً مركزياً وحيوياً ومقبولاً في المسيرة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين والعالم العربي.
وأخيراً، إن الدروس والعبر من المواجهة الروسية – التركية، تتمثل في ضرورة تشكيل وبلورة إستراتيجية إسرائيلية على المدى القصير وعلى المدى الطويل بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا تهدف إلى إضعاف وتفكيك وتصفية القوتين السلبيتين في سوريا وهما: نظام الأسد والدولة الإسلامية، وتشمل تلك الإستراتيجية ضرورة مشاركة قوات برية في الحرب للعمل على تغيير الحقائق على الأرض في ظل انحسار فعالية القصف الجوي لمحاربة القوات السلفية الجهادية في سوريا.

0 1468 30 ديسمبر, 2015 السادس والستون, سياسة ديسمبر 30, 2015
Avatar

عن الكاتب

باحث في الشؤون الإسرائيلية

عرض كل المواضيع التي كتبها تيسير المشاقبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.