الإمبريالية الجديدة وما بعد الحداثة

لـ

الظاهرة الاستعمارية ظاهرة متأصلة في الايدولوجيا الرأسمالية, ومن الخطأ والتعسف الاعتقاد أنها حقبة عابرة من حقب الرأسمالية الغربية, لم يمض وقت على انتصار الثورة الفرنسية ومجيء نابليون للحكم, مدعوماً بتحالفه مع البرجوازية المنتصرة، حتى بدأ فصل مهم من الظاهرة الاستعمارية وهو احتلال مصر, ومع أن الظاهرة الاستعمارية الحديثة تشكلت بعد هذا التاريخ بحوالي خمسة أو ستة عقود. إلا أن غزو مصر يضيف ملمحاً بنيوياً إلى هذه الظاهرة, وهو الحاجة الدائمة لتصدير الأزمات من قبل الرأسمالية الغربية. ولقد أوضحت التحليلات الماركسية لاحقاً وخصوصاً تحليلات روزا لكسمبورغ أن هناك تناقضاً داخلياً بنيوياً ينخر كل نظام رأسمالي سيؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء عليه, ولكن هذا النظام اثبت قدرة فائقة خلال القرنين الماضيين على تصدير أزماته وتناقضاته الداخلية خارج ساحته لكي يحقق التوازن والوحدة والاستمرارية. ولقد أصبحت منطقتنا العربية من المناطق التقليدية المفضلة للرأسمالية لتصدير أزماتها, لقد أصبحنا بالفعل مكب نفايات للرأسمالية والامبريالية الجديدة.
علينا أن نضيف ملمحاً أساسيا ثانياً للظاهرة الاستعمارية، يمكن إدراجه ثانيا إلى الملمح الأول الخاص بتصدير الأزمات. وهذا الملمح الثاني يتمثل بالصراع الذي نشب على المواد الخام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, وهو الذي خلق الظاهرة الاستعمارية الحديثة. لقد استنفذت الرأسمالية البرجوازية رصيد أوروبا من المواد الخام ومصادر الطاقة بسبب حركة التصنيع الواسعة التي عمت أوروبا وانبثاق الثورة الصناعية من بريطانيا, كل هذا أدى إلى استنزاف المواد الخام في حقبة لم يشهدها تاريخ الإنسان من قبل. وقد تسابقت الدول الاستعمارية, بريطانيا وفرنسا خصوصاً, في السيطرة على مصادر الطاقة والمواد الخام في آسيا وإفريقيا, وحصل هذا تحت غطاء نشر قيم الحرية والتنوير لهذه الشعوب التي لا تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها والدخول للعصر الحديث. وللبرهنة على أن الظاهرة الاستعمارية كانت مرتبطة بالتنافس على المواد الخام، تكفينا الإشارة إلى أن أمريكا لم تنخرط في الظاهرة الاستعمارية لأنها كانت تمتلك مخزونات هائلة من المواد الخام والطاقة, وكذلك روسيا لم تنخرط في الظاهرة الاستعمارية لأنها امتلكت, ولا زالت, مخزونات هائلة من المواد الخام. ونستطيع أيضا وفق هذا المنظور تفسير عودة الظاهرة الاستعمارية بشكلها الفجّ إلى منطقتنا في القرن الواحد والعشرين, حيث أن المخزونات الهائلة من الغاز التي اكتشفت في المتوسط أدّت بالامبريالية الغربية إلى تغير كافة استراتيجياتها فيما يخص منطقتنا. ومن المعلوم أن الغرب قد طوّر سياسة جديدة في النصف الثاني من القرن العشرين تقوم على الهيمنة من خلال حلفاءها من الأنظمة. وقد أنسحب الغرب بجيوشه بعد أن أطمأن على مصادر تمويله من المواد الخام من خلال العقود الاستثمارية طويلة الأمد. ولم تغير الرأسمالية الغربية هذه السياسة طوال نصف قرن, وظلت تحكم منطقتنا عن بعد, ولكن الكشوفات الجديدة من الغاز في البحر المتوسط والتي يسيل لها لعاب الرأسمالية أدت إلى تبدل كامل في السياسات الغربية في المنطقة العربية, وضمن هذا المنظور فإن الحديث الذي يدور اليوم حول الامبريالية الروسية, والذي قال به الكاتب الماركسي سلام كيلة, هو حديث مغلوط, لأن روسيا كما أسلفنا لا يمكن أن تتحوّل إلى امبريالية, بسبب امتلاكها لمخزونات هائلة من الخام والطاقة تكفيها لقرون قادمة, روسيا تخوض صراعا للدفاع عن مصالحها, وهذا الصراع يحدث في منطقتنا, في سوريا على وجه الخصوص, ويبدو أن طرفي الصراع قد نقلوا ساحة الصراع من أوروبا إلى منطقتنا, حيث من المفترض أن تكون أوكرانيا هي ساحة الصدام بين الغرب وروسيا, وقد كانت هذه الحرب على وشك الانتشار بالفعل, ولكن أوروبا لا تحتمل هذا النوع من الصراعات, وذكريات الحربين العالميتين لا زالت مائلة في أذهان الأوروبيين, ولذا اختار طرفا الصراع الساحة السورية كبديل عن أوكرانيا.
كل هذه التحركات والنزعات الامبريالية الجديدة يتم توفير غطاء إيديولوجي لها من خلال النشاط الاستشراقي الجديد. ومن المعلوم أن الاستشراق كان حليفاً للظاهرة الاستعمارية طوال تاريخها. حيث دأب الاستشراق على تقديم المعلومات والتبريرات من أجل إنجاح الظاهرة الاستعمارية . ومن الملاحظ أن الاستشراق بشكله التقليدي لم يعد قادراً على القيام بهذه المهمة بعد أن انكشفت كافة الخدع والحيل التي اتبعها من أجل التبرير والتسويغ للاستعمار . فلقد كشف ادوارد سعيد في كتاب الاستشراق مجمل الحيل التي مارسها الخطاب الاستشراقي من أجل التبرير للظاهرة الاستعمارية. بالإضافة إلى الاشتغالات المهمة التي قدمها فرانز فانون في كتابه “معذبو الأرض” والتي استطاع فيها تعرية الممارسات الاستعمارية بكافة مظاهرها المباشرة والمقنعة, وهناك أيضا النقد المهم الذي قدمه أنور عبد الملك في البحث الذي نشره في مجلة ديوجين في الستينيات والمعنون “الاستشراق في أزمة”. وبعد أن بدا واضحا تهافت الخطاب الاستشراقي بشكله الكلاسيكي, فإن التوجه لدى الدوائر الاستعمارية الغربية انصب على مقولات ما بعد الحداثة, حيث أن ما بعد الحداثة تصنع عالماً من الرموز والعلامات والإشارات والخطابات كبديل عن الواقع. وجوهر هذا التيار قائم بالأساس على تغييب الواقع الموضوعي والاستعاضة عنه بعالم من صناعتها. وهذا ما تحتاجه الظاهرة الاستعمارية في هذه الحقبة. والحقيقة أن الاستشراق كان قد مارس هذه اللعبة قديماً عندما صنع “الشرق” وفق مخياله وتصوراته, وهذه الصورة والمفاهيم الغربية عن الشرق التي رسمها الاستشراق لا تمت لهذا الشرق بصلة, بل إنها صورة تنسجم مع مصالح الغرب وطموحات الغرب. فالشرق بنظر الغرب لاعقلاني واستبدادي وأسطوري وغير مؤهل لاستيعاب الحداثة, وبالتالي فإنه بحاجة لمن يقوم بهذه المهمة بالنيابة عنه. واليوم تتجدد الدعوة إلى تغييب الواقع من أجل خلق واقع افتراضي موازٍ له يخدم مصالح الامبريالية الجديدة. وينعت ادوارد سعيد هذا النوع المغرض من المستشرقين بالمستشرقين المحلفين والمؤرخين الموظفين في خدمة التبشير بالسياسات الكولونيالية , حيث قديمها مثل جديدها, وينعتهم أيضا بالمفكرين المتحررين من وطأة التاريخ …تاريخ الآخر دائما. والمثال الصارخ الذي يمثل هذا النوع من المستشرقين هو بول جونسون , وهو أيضا من صنف المؤرخين الجدد الذين وضعوا أقلامهم في خدمة الامبريالية الجديدة. ويصرّح بول جونسون بلا مواربة أنه حان الوقت للكف عن نواح القرن العشرين والشروع بتدبّر السبل الكفيلة بضمان استقرار كوني ورفاهية واسعة, الخطوة الأولى برأيه هي إعادة تأسيس الإمبريالية الغربية, ويشير إلى أن العالم الثاني والثالث لم يعد لهما وجود البتة في القرن الواحد والعشرين, ولم يبق سوى العالم الأول, العالم الغربي بأنظمته السياسية والاجتماعية والإقتصادية التي يجب على كافة الشعوب أن تتبنّاها وأن تتبنّى طرائق العيش الغربية. ويمثل هذا المؤرخ الجديد نموذجا صارخا للتوجهات الامبريالية الجديدة. ويذهب جونسون إلى ما هو أبعد من ذلك حين يقرر أن هناك عشرات الدول في آسيا وأفريقيا لا تفقه حرفا واحدا في أبجدية إدارة الدولة والمجتمع, وينبغي عدم التردد في إعادة العمل باتفاقية فرساي ونظام الانتداب. ويشير أيضا أن مهمة إعادة الحيوية الإمبريالية واستعادة المعنى النبيل لكلمة الاستعمار تقع على عاتق مجلس الأمن. وهناك الكثير من أمثال بول جونسون مثل صموئيل هنتجتون صاحب كتاب صدام الحضارات الذي وضع الحضارة الغربية في وضعية الصدام مع الحضارة الكونفوشية والحضارة الإسلامية. وكذلك المؤرخ الجديد فوكوياما الذي وضع فرضية نهاية التاريخ في كتابه الشهير, حيث يشير فوكوياما أن التاريخ وصل نهايته بانتصار النموذج الليبرالي الغربي على النموذج الاشتراكي الشرقي, وذهب إلى أن الليبرالية بشقيها السياسي والاقتصادي هي المحطة الأخيرة في صيرورة التاريخ. وعلينا أن نرصد ظاهرة ملفتة في كل أعمال هؤلاء المؤرخين والمستشرقين, حيث أنهم يمثلون ايدولوجيا المنتصر, وبيان المنتصر دائما يكون مليئا بالصلف والغرور ونشوة الانتصار. لقد خرجت الليبرالية الغربية ممثلة بالامبريالية الجديدة منتصرة في الحرب الباردة التي دامت عقود.
كل ما سبق يمكن أن يقدّم لنا تفسيرات ومرجعيات لفهم الامبريالية الجديدة ولسياساتها الجديدة التي أصابت العالم بالذهول. فلقد وقف العالم مشدوها أمام عودة الاحتلال المباشر للدول كما حصل في العراق وأفغانستان, وكان العالم يعتقد أن الاحتلال العسكري أصبح من الماضي ونحن ندخل القرن الواحد والعشرين, ولكن الحرب وقعت ووقع الاحتلال والتدمير الهمجي وكأن حقبة الحرب العالمية وجنونها لم يغادرنا. ولقد راهن البعض على أن الحرب مستحيلة, حيث كتب المفكّر الـ “ما بعد حداثي”، بودريار، مقالا في الليبراسيون الفرنسية، راهن فيه أن الحرب مستحيلة وعنون مقالته “حرب الخليج لن تقع”. لأنه لم يكن يتصور أن الرأسمالية الغربية يمكن أن ترتد إلى العصور الامبريالية السابقة, ولم يستطع أن يرصد نكوص الرأسمالية إلى عهود ما قبل الحرب الباردة. ولكن الحرب وقعت رغم أنف بودريار, وقعت بكل فضائحيتها ولا إنسانيتها ووحشيتها. وقد انبرى بودريار بعد الحرب مباشرة لكي ينقذ ماء وجهه بعد أن راهن بشدة على استحالة الحرب في القرن الجديد, وخرج بمقالة جديدة عنونها ” حرب الخليج لم تقع”, وادعى فيها عبر سلسلة من التأويلات ولوي عنق الحقائق وتغييب الواقع أن ما شاهدناه ليس الحرب, بل صورة رمزية عن الحرب وغير ذلك من التحليلات السوريالية لما بعد الحداثة.
والملفت للنظر في تحليلات بودريار أنه يوظف تقنيات الخطاب من أجل تغييب الواقع الموضوعي والاستعاضة عنه بوقائع خطابية لا تتصل بالواقع إلا عبر شبكة من التأويلات والترميزات المغلقة على خطابها والمنقطعة الصلة بالواقع. وقد استعارت الامبريالية الجديدة ممثلة بالمحافظين الجدد هذا الخطاب الـ”ما بعد حداثي” ووظفته بكفاءة عالية خدمة لتوجهاتها وسياساتها الجديدة. وقد ظهر بالفعل مفكرون ما بعد حداثيون داخل اليمين المتطرف الأمريكي, منهم المفكر رورتي الذي ينتمي إلى التيار البرغماتي الأمريكي, وكذلك المنظر اليميني ليو شتراوس الذي ظهرت أفكاره وتنظيراته في سياسات المحافظين الجدد اليمينية المتطرفة.

0 2094 31 ديسمبر, 2015 السادس والستون, سياسة ديسمبر 31, 2015
Avatar

عن الكاتب

كاتب في الفلسفة والنقد الادبي في العديد من الصحف العربية، عضو رابطة الكتاب الاردنيين، وعضو الجمعية الفلسفية، صدر له :" المقدس والسؤال الفلسقي "،" الفلسفة الفرنسية المعاصرة"شارك في العديد من المؤتمرات الفلسفية على الصعيد العربي

عرض كل المواضيع التي كتبها مجدي ممدوح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.