عندما تكلم عيسى في المهد ج2

كلام عيسى بن مريم في مهد حياته وكهولته ارتبط بتعليم الله له الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وهذا التعليم سُنني يرجع إلى أصول تعليم الكتاب، فالتوراة مثلاً أنزلت قبل عيسى، فتعليمه التوراة هو استيعابه لها ومعرفته بأصولها وكيفية تفعليها في الحياة.

في الجزء الأول من هذا المقال؛ ذكرتُ أن عيسى بن مريم تكلم في مهد حياته وكهولته، والجذر (مَهَدَ) هو تهيئة لما يلي باستبعاد ما يعوق، فمرحلته العمرية المبكرة مهد؛ أي أنها تمهيد وتوطئة لما يأتي من مراحل تنضج فيها معارفه وخبراته، فعيسى بن مريم تكلم بالحكمة صبياً مُمَيِزاً يعي ويستوعب ما حوله، وهذا هو ما يعقل من الجذر (مَهَدَ) في القرآن وسننية آيات الكتاب.

-4-
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) مريم:30-32
صورت آيات سورة مريم رسالة المسيح من أولها إلى آخرها، من خلال قول الصبي الممَيِز؛ الذي رسم بقوله الحكيم الخطوط العريضة لرسالته القائمة على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح (مريم:30-33):
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)
(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)
(وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)
(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) القول في لسان القرآن أوسع من مجرد نطق اللسان، فنطق اللسان شكل من أشكال القول، الجذر (قال) يدل على معانٍ مؤثرة في الحياة (الزمان/المكان)، ومما يعقل من القرآن في مآلات الجذر (قال):
أ‌. قال الله؛ معان كونية تشريعية طالب الله بها عباده (قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) المائدة:119، وقول الله ليس نطقاً باللسان، إنما هو معان كونية تشريعية أودعها هذا الكون.
ب‌. معان مستقرة في النفس تترجم إلى واقع في الحياة:
(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) البقرة:156
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) الكهف:39
(وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) الجاثية:32
فقول من أصابته مصيبة (إنا لله وإنا إليه راجعون) هو واقع وعمل يتمثل في الصبر والثبات وتخطي آثار المصيبة، ومجرد نطق اللسان لا ينفع إذا تجرد من القول العملي، وكذلك من قال (ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً) فقولهم يتمثل في أفعال ونطق معبر عما استقر في النفس.
ج. قول بالأفواه أو باللسان
(ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ) التوبة:30
(يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) الفتح:11
مجرد قول بالأفواه أو باللسان ورد في القرآن مذموماً إذا تجرد من استقرار المعنى في القلب.
وهذه الشواهد القرآنية تدل أن الجذر (قال) هو معانٍ مؤثرة في الحياة (الزمان/المكان)، تشمل ما يستقر في الكون أو النفس ويؤيده العمل أياً كانت طبيعته، ويدخل فيه قول اللسان.
وقد شاعت مرادفة القول بالكلام في الجمع اللغوي، قال الليث: القولُ الكلام. وربط (الكلام/القول) بشكل رئيس بنطق اللسان، وهو الشائع الثقافة الشعبية، مع وجود بعض الآراء في الجمع اللغوي ربطت (الكلام/القول) بالاعتقاد والرأي.
الآيات 30-34 من سورة مريم تورد قول عيسى بن مريم الذي يبدأ بـ(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)؛ قال: تعبر عن معان مستقرة في النفس تترجم إلى واقع في الحياة، وهي عنوان رسالة المسيح من مهد حياته إلى كهولته.
وختمت أقوال عيسى بن مريم ببيان من الله (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) فعيسى ذاته أو رسالته (قول الحق) بمعنى أن رسالته هي معانٍ مؤثرة في سيرورة الحياة (الزمان/المكان)، تشمل ما يستقر في النفس ويؤيده العمل، ويدخل فيه نطق اللسان.

-5-
(إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) المائدة:110
كلام عيسى بن مريم في مهد حياته وكهولته ارتبط بتعليم الله له الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وهذا التعليم سُنني يرجع إلى أصول تعليم الكتاب، فالتوراة مثلاً أنزلت قبل عيسى، فتعليمه التوراة هو استيعابه لها ومعرفته بأصولها وكيفية تفعليها في الحياة.
ومن صور التعليم في القرآن:
أ. تعليم آدم الأسماء كلها (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) البقرة:31
بدهي أن الرب لم يعلم آدم ما يستجد من الأسماء لكونها من الغيب بالنسبة له، لكنه أعطاه القدرة على تسمية الأشياء وإعطائها ما يناسبها من الأسماء وفقاً لسماتها وخصائصها، وهذه أهم خاصية للسان العربي المعبر عن سمة الشيء.
التعليم في لسان القرآن لا يأتي دفعة واحدة، بل هو تراكم معارف وخبرات إنسانية في التعامل مع مفردات الكون، وهذا التراكم هو ما يعقل من معنى تعليم الله آدم الأسماء كلها، وهذا ما يأخذ مداه الزمني وإن استمر مئات/آلاف السنين وفقاً لقدرة الإنسان على استيعاب سُنن الكون وتوظيفها في التسمية.
ب. تعليم الملائكةِ الناسَ (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ) البقرة:102
عَلَّم الملكان الناس السحر القائم على خصائص الاتساع المعرفي الذي يُوظَف في شتى الأغراض، وهذا التعليم لا يأتي دفعة واحدة، بل يأخذ مداه الزمني بتراكم المعارف والخبرات واستيعاب الناس لها.
ج. تعليم الله الكاتب بالعدل (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) البقرة:282
تعليم الله الكاتب بالعدل (أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ) هو ما يتراكم لديه من معارف وخبرات إنسانية من اكتشاف سُنن آيات الكون في مجال عمله، وتعليم (آدم، عيسى، الكاتب بالعدل) منسوب إليه سبحانه؛ لأن المعارف والخبرات الإنسانية المتراكمة زمنياً هي اكتشاف سنن آيات الكون ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وبالتالي فالعلم المتحصل لا يخرج عما أودعه الله في الكون بخَلقِه وجَعلِه.

-6-
عاش عيسى في كنف والدته الطاهرة، فالأقرب إلى الصواب أنها مِنْ أبرز من علمه أصول الكتاب خاصة في فترة المهد، فمريم بنت عمران من نسل الأنبياء وكفلها النبي زكريا (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) آل عمران:37 فهي بِنَباتِها الحسن وكفالة زكريا لها مؤهلة لتعليم ولدها أصول الكتاب ومنها الكتب السماوية السابقة؛ ما هيأه للكلام الحكيم في المهد وكهلاً.
(وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) تعليم الله عيسى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل لا يخرج عن سُننية كتابة الكاتب بالعدل كما علمه الله، فتعليم اللهِ لهما منسوب إليه سبحانه.
(الْكِتَابَ) كلمة قرآنية ارتبطت بالرسل والميزان والحكمة والهداية:
(اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) الشورى:17
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد:25
(فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) النساء:54
(قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ) الأنعام:91
ووصف القرآن بأنه الكتاب (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) آل عمران:7
ورد الجذر (كتب) في القرآن منسوباً إلى الله في آيات مثل:
(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) التوبة:51،
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) المجادلة:21
(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ) الأنعام:12
– كتب الله الرحمة على نفسه
– كتب الله ليغلبن هو ورسله
– ولا يصيب الناس إلا ما كتب الله لهم
وهذه الكتابة سُنن أودعها الله في الحياة، لكن كيف نتصور كتابة الله؟
قد يتصورها من يجسدون المعاني كتابة ككتابة البشر بقلم من تراث القرون الأولى على لوح صخري، وآخرون قد يربطوها بفكرة الجبر الذي ينسبوه إلى الله، فيقولون إن كتابة الله تعني قضى الله ذلك في اللوح المحفوظ.
الذي أراه أن الجذر (كَتَبَ) في القرآن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسُنَن الكون، فقد أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وعلم الله عيسى الكتاب والحكمة، الارتباط الوثيق بين الكتاب وكل من الميزان والحكمة يدل على أن مآلات (كتب) هي مآلات سُننية كونية.
(كتب) في الآيتين:
– (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الأنعام:54
– (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة:183
(كتب) في الآية الأولى: متعلقة بإيداع الحياة سُنة كونية برحمة الله بمن عمل سوءاً بجهالة ثم تاب وأصلح.
(كتب) في الآية الثانية: متعلقة بتشريع الصيام.
(كتب) في القرآن سُنن كونية وتشريعية.
أما تسطير الكتابة لدى الإنسان:
1. تبدأ بتشكيل مجموعات من المعاني في ذهن الكاتب
2. ثم ينتقي منها ما يقوم بصياغته وترتيبه ذهنياً
3. وأخيراً تتمظهر الصياغة في صورة كلمات مسطرة
وما كتب الله للناس (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا) التوبة:51 عبارة عن:
1. مجموعات كونية لا حصر لها، هي آيات الكون بسُننيتها
2. تفاعل آحاد/جماعات الناس مع هذه السنن بحسب حراكهم الاجتماعي
3. أخيراً؛ تتمظهر نتيجة التفاعل في صورة ما يصيب الناس
أما (الكتاب) في القرآن؛ فهو مضمون كل الرسالات التي بعث بها الرسل، وهذا المضمون هو:
– الآيات التشريعية والكونية بديمومتها
– السُنن باطرادها وعدم تبدلها وتحولها
فالآيات كيانات قائمة بذاتها كالشمس والقمر والفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وآيات في الأنفس والآفاق وتشريع/هداية الكتب التي أنزلها الله، أما السُنن فهي خصائص تسري في الآيات لا تتبدل ولا تتحول، وهذه الآيات من عند الله الذي جعلها لقوم يعقلون/لعلكم تعقلون.
ولذلك فإن التعبير (كُتِبَ) في الآية (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ) البقرة:216 له مآلاته السُننية الكونية المرتبطة بالميزان والحكمة، فالقتال ليس نزهة ولا عبثاً، فهو مرتبط بحزمة من الأخلاق والنظر الكوني القائم على مراعاة طبائع الاجتماع البشري من حساب موازين القوى.

-7-
(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران:46
(تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) المائدة:110
الكلام عبارة عن مجموعات متماسكة في الحياة، سواء كانت أفعالاً أو سُنناً في الحياة أو نطقاً باللسان، وهذه المجموعات بتماسكها في بُعدها الإنساني/الرسالي تبقى صلبة في وجه مغريات وتحديات الحياة، ومن (الكلمة) التي وردت في القرآن:
أ. كلمة سواء؛ هي مجموعات متماسكة في الحياة تجمع بين أهل الكتاب (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) آل عمران:64
ب. كلمة طيبة؛ مجموعات متماسكة من الفعل والنطق نافعة للحياة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء) إبراهيم:24
ج. كلمة خبيثة؛ مجموعات متماسكة من الفعل والنطق ضارة بالحياة (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) إبراهيم:26
د. (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ) التوبة:74
قالوا كلمة الكفر؛ أي أن تأثيرهم القوي (=قالوا) سواء باللسان أو بالأفعال، تمثل في توليد مجموعات متماسكة في الحياة (=كلمة) تصب في خانة الكفر.
المسيح عيسى بن مريم كلمة الله (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) النساء:171 أي أن المسيح عيسى يمثل خلاصة أو محتوى مجموعات إنسانية/رسالية متماسكة، ما يؤهله لتحقيق دور في الحياة، فعندما تكلم عيسى بن مريم في مهد حياته وكهولته مَثَّل في أفعاله ونطقه محتوى المجموعات الإنسانية/الرسالية المتماسكة في وجه كل مغريات وتحديات الحياة.
وقد وصف عيسى في القرآن بأنه:
كلمة الله (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) النساء:171
قول الحق (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) مريم:34
والعلاقة بين (كلمة وقول) هي أن الكلمة في ذاتها مجموعات متماسكة في الحياة، أما القول فهو معانٍ مؤثرة في الحياة، أي أن الكلمة هي العنصر أو العناصر المتماسكة التي تُعطي خاصية الثبات والصمود، أما القول فهو القوى المؤثرة في سيرورة الحياة.
عيسى بن مريم كلمة الله وقول الحق، فهو كلمة الله بتماسكه في الحياة وصموده في وجه التكذيب والتشكيك والافتراء عليه وعلى أمه الطاهرة، وهو قول الحق بالمعاني المؤثرة القوية التي يبثها في الحياة فعلاً ونطقاً، التي كانت تُبرئ الأكمه والأبرص وتحيي الموتى بإذن الله.

السابع والستون ثقافة وفكر

عن الكاتب

خالد بن مبارك الوهيبي

اترك تعليقاً