التيار السياسي الرابع

حالة الإستقطاب السياسي على الساحة العربية، المشرقية منها تحديداً أصبحت واضحة، فقد ظهر إلى السطح أخيراً الصراع السعودي – الإيراني, وأصبح واضحاً ومباشراً.
عقدة الصراع هي أن هاتين الدولتين تعتقدان أن أحدهما لا بد أن تكون القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة وذات النفوذ الأشمل, وأن الأخرى يجب أن تنصاع لها, والدولتان لا تنفكان تراقبان احداهما الأخرى وتمارسان سياسة المماحكة ضد بعضهما في ساحات مختلفة.

حالة الإستقطاب السياسي على الساحة العربية، المشرقية منها تحديداً أصبحت واضحة، فقد ظهر إلى السطح أخيراً الصراع السعودي – الإيراني, وأصبح واضحاً ومباشراً.
عقدة الصراع هي أن هاتين الدولتين تعتقدان أن أحدهما لا بد أن تكون القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة وذات النفوذ الأشمل, وأن الأخرى يجب أن تنصاع لها, والدولتان لا تنفكان تراقبان احداهما الأخرى وتمارسان سياسة المماحكة ضد بعضهما في ساحات مختلفة.
الصدام الأخير ربما جعل الرؤية واضحة لدى الكثيرين، على مدى تخلل الخلاف الإيراني السعودي وتغلغله في الداخل العربي ووقوفه بشكل مباشر سببا في نشوء الأزمات العربية – العربية. فالأزمة السورية جزء ونتيجة لهذا الخلاف المبطن, وكذلك الأزمة الداخلية في البحرين, والحرب الدائرة في اليمن, والفراغ الرئاسي والجمود السياسي في لبنان, عدا عما حدث،، ولا زال يحدث في العراق من عدم استقرار سياسي واجتماعي. كل ذلك بشكل أو بأخر هو نتيجة للذي كان يجري من “صراع مبطّن” بين السعودية وإيران, وها هو يظهر على السطح اخيراً.
أود التأكيد هنا أن الخلاف بين إيران والسعودية هو خلاف وتنافس سياسي لا أكثر, فليس الخلاف ديني أو مذهبي أو طائفي أو عرقي كما يتم تصويره وتسويقه في أعين الكثير من عامة الناس وجهلتها، الذين اختصر أثرهم الفيلسوف الفرنسي فولتير باعتبار أن كل شيء يتلف عندما يشرعوا في التفكير، ناهيك عن هذا الترويج لشيوخ دين وإعلاميين ومحللين ومنظرين طائفيين، فهؤلاء يتم استغلال ضيق الأفق لديهم ونفاقهم واسترزاقهم لتقوية موقف أحد الطرفين تجاه الأخر. إن ما يجري هو نوع من صناعة الأحلاف والمؤيدين في معركة تستعمل فيها كل الأدوات لإثبات التفوق والغلبة والسمو على الطرف الأخر, ومن هذه الأدوات المذهبية الدينية البغيضة والإيديولوجيا. لكن كلا الطرفين لا يتوانيان عن مماحكة بعضهما البعض في كل الساحات ووضع العراقيل أمام أي من مساعيهما التي يراها الطرف الأخر -من وجهة نظره- توسعاً وزيادة لنفوذ غير مبرر مقابل محاولات تقليص النفوذ للطرف الأخر.
كانت تلك وما تزال على ما يبدو حربا باردة, كتلك التي جرت بين المعسكرين الشرقي والغربي من العالم، لكنها برزت الآن على شكل صراع مصغّر في منطقتنا العربية.

الرابح من الطرفين؟
إن العقدة الكأداء في الصراع السعودي – الإيراني هي قناعة كل طرف بأن لديه من القوة السياسية والإقتصادية والعسكرية والإيديولوجية بالإضافة إلى الحلفاء الموالين له, ما يمكنه باعتقاده من الانتصار على الطرف الأخر وردعه وتحجيمه.
لكن الأمر ليس كذلك, فلن يكون أي من الطرفين رابحاً من هذا الصراع. ولكن المؤسف بالأمر أننا نستطيع بكل سهولة تحديد الخاسرين… إنهم العرب والمسلمين في المنطقة الذين سيكونون الحطب لهذا الخلاف وأول ضحاياه.
ما يجري حالياً هو عملية استقطاب كبيرة للدول والقيادات والشعوب وكذلك الإمكانيات للغرق في وحل هذا الصراع. إن عدم التحسب للخسارات سيؤدي إلى عواقب وخيمة من إراقة الدماء وسقوط ضحايا واستهلاك شديد للموارد والطاقات, وما ينتج عنه أخيراً هو مزيد من التخلف السياسي والإقتصادي والإجتماعي في منطقتنا العربية. إن الإنتصار الحقيقي هو الرقي بشعوب المنطقة والارتفاع بها فوق أوحال الخلافات والنزاعات السياسية والطائفية, والنهوض بها فكرياً وإقتصادياً وإجتماعياً, وبناء الأوطان على قاعدة من التسامح والعدل والمساواة، لا البغض والحقد والكراهية للآخر.

التيار السياسي الرابع
لكن, ليس ضرورياً ان تقع كل الدول العربية في مستنقع الاستقطاب للصراع الإيراني – السعودي الجاري حالياً, فما تفعله الدولتان هو خاطىء ولا يؤدي الى نتيجة, وعواقبه على الداخل العربي قد تكون وخيمة. لذلك من الضروري التأكيد على المسار السياسي الرابع الذي لا ينحاز لهذا أو ذاك. وعلى كلا طرفي الصراع إدراك أن بعض الدول العربية والإسلامية قد لا تكون راغبة في الاصطفاف السياسي أو الانحياز مع هذا الطرف أو ذاك. وبالتالي على طرفي الصراع أن يحترما إرادة ورغبة الدول العربية والإسلامية التي ستشكل برأينا (تيّاراً سياسياً رابعاً), مع ضرورة عدم النظر من قبل طرفي الصراع على مثل هذه الدول التي تمثل التيار الرابع بأنها تنتمي الى معسكر الطرف الأخر. فقد جرّت قاعدة “مَن لم يكن معنا فهو ضدّنا” الويلات على الأمة العربية.
إن هذا التيّار الرابع هو الذي يجب إن يمسك العصى من المنتصف ليمثل الحكمة والعدالة والإنصاف. هذا التيّار السياسي العربي والإسلامي يجب أن لا يكون منحازاً الا للحق, وينظر الى مصالح الأطراف جميعا بعين التفهم والإدراك والمراعاة. فعلى عاتقه ستكون مسؤولية التوفيق والمصالحة لاحقاً. وقبل ذلك على هذا التيار السياسي الرابع مسؤولية تصحيح المفاهيم الدينية والمذهبية والطائفية المخطوءة وإزالتها من الإستعمال السياسي والمجتمعي, وإعادتها هناك حيث كانت في بطون كتب التاريخ والفقة لا غير, وهذا يقتضي التأكيد على أن الدين لا يجب أن يختلط بالسياسة.

لماذا تيار سياسي رابع وليس ثالث؟
لأن هناك تياراً سياسيا ثالثاً أقوى من التيار الرابع الذي نتحدث عنه، وهو تيار سياسي عريض لا يشغل باله بأفكار وأسباب ودوافع الطرفين الضيّقة. انه ينظر الى صراعهم الساذج على النفوذ في عالم أكبر من الطرفين, عالم بالأصل لا يخضع لنفوذ أي منهما. إنه تيار ينظر إلى هذه الصراعات بأنها صغيرة ومحدودة ولكنها قد تكون مفيدة بنفس الوقت. لذلك يقوم بتغذيتها وتأجيجها وتبريرها واستغلالها والاستفادة منها إذا كانت تصبّ في مصلحته.
حدث, أنني كلما قرأت تلك التصريحات التي خرجت من كل أصقاع العالم وامتلأت بها وسائل الإعلام والصحف والفضائيات, والتي تنادي إلى ضبط النفس والحوار وعدم تصيعد الأمور, أعتبرها دليلا على أننا مقبلون على صراع حتمي, وربما يكون مسلحاً.
إن التيار السياسي الثالث هو تيّار دولي انتهازي براغماتي, تتمثل أهدافه بكيفية الاستفادة من هذا الصراع الناشيء واستثماره. فهو يفكر دائما بإدامة الصراعات ما دامت تخدم مصالحه وليس إنهاؤها وصولا إلى استتباب السلم العالمي كما هو شعار الأمم المتحدة, ما يشغل فكر هذا التيار هو أسئلة من قبيل: ما هي الفرص السياسية والإقتصادية التي سينشئها هذا الصراع؟ كيف ستتغير خارطة المصالح في العالم نتيجة هذا الصراع؟ ما الذي يجب فعله لاقتناص الفرص؟ كيف سينعكس هذا الصراع على مستقبل هذا الجزء من العالم, وعلى الجزء الأخر من العالم؟ ما مدى أهمية وكيف نستغل الصراع للتقدم في مظاهر الرفاهية والسيطرة؟ أين نقف الأن؟ أين سنقف غداّ؟
إنها أسئلة مشروعة في ظل عالم براغماتي يسعى لتعظيم مصالحه وخدمتها، فهناك المستفيدون من التذبذب لهذا الطرف أو ذاك .. وهناك من ينتج أسلحة ويحتاج الى أسواق, وهناك من ينتج أنظمة أمن .. وهناك من يريد تقديم حماية ومستشارين.. وهناك تجّار ورجال أعمال وسياسيين وعلاقات وخطوط إتصال.. ألخ ألخ. وهناك من له مصلحه بعيدة المدى بإعادة تقسيم المقسوم, واستنفاذ ما لدى الأخرين من قدرات وطاقات.
عموما, لدى أفراد هذا التيار السياسي الثالث العديد من الأسباب المعلنة وغير المعلنة ليلعب على أحد طرفي الصراع دور المقتنع بتوجهاته, وأنه المؤيد والناصح والمرشد والمصلح. بينما يقوم بنفس الوقت بالهمس في أذن الطرف الآخر بالكلمات ذاتها. وكثيرا ما مارس أفراد من هذا التيّار– بحسن نيّة- دور الوسيط لإنهاء الخلافات والصراعات الدولية, لكنها غالباً ما تنزلق من يده الأحداث فتتأجج وتتعقد. وفي الواقع هناك من يقوم بالشدّ على أيدي الطرفين ما دام هناك مصلحة مرجوة من بقاء الصراع. هؤلاء هم أصحاب التيّار السياسي الثالث, وهو تيّار قوي وعريض.
لذلك, المعوّل عليه هو تيار سياسي رابع, هويته عربية إسلامية, وتوجهاته واضحة وعلنية, ومصلحته العظمى استتباب الأمن والسلم للمجتمع العربي والإسلامي. في ظل إدراك أن عدو الجميع واضح, وأن على الجميع أن يصحو من غفلته.

الرابح الفعلي من الصراع
قلنا إنه لن يكون أي من الطرفين رابح في هذا الصراع, سواء على المدى القصير أو البعيد, فهذا صراع خاسر بكل المقاييس, والأكثر خسراناً هم الشعوب العربية في هذه المنطقة, فقد كانوا دائماً حطب الصراعات والنزاعات السياسية للأسف.
لكن, هل نحتاج للتذكير بأن هناك ثعلبا ينام بين الحملان, ويبدو هادئاً ووادعاً ولا علاقة له بكل ما يجري من صراعات ونزاعات في المنطقة العربية .. لكنه, بصورة أو بأخرى هو الرابح والمستفيد الوحيد منها. هل يجب أن نذكر اسمه؟

السابع والستون سياسة

عن الكاتب

رأفت خليل عبدالله

اترك تعليقاً