التسامح ..التناول غير المكتمل لأركون والجابري

لـ

 رغم اختلاف في الموقف تجاه كل أوجه الإبداعات التي صدرت عنهما من كتابات، اضافة الى الصدى التي كانت تحدثه محاضراتهما ولقاءاتهما الفكرية، فان المفكرين: الجزائري محمد أركون، والمغربي محمد عابد الجابري قد تركا وراءهما إرثا فكريا بالغ الأهمية، لا يمكن التقليل من شأنه أو تبسيطه، ولا يمكن بحال أن تكون دعاوى مثل أن كل ما أنتجه المفكران ما هو إلا رجع صدى لأفكار ونقاشات مفكرين غربيين، وعلى الخصوص مفكرين فرنسيين على اختلاف توجهاتهم المدرسية، وأن جلّ ما عمله الأستاذان ما هو إلا عملية إزاحة لاستخلاصات العلوم الإنسانية في الثقافة الغربية ومن ثم تطبيق هذه النتائج على المجال الثقافي الإسلامي، وهذه مسألة بالغة الاشتباك والتعقيد يمكن تناولها والتفصيل فيها عل نحو متخصص لاحقا.

   معلوم أن مشروع أركون وكذا مشروع الجابري قائم على النقد والتحليل، نقد العقل العربي على وجه الخصوص والإسلامي عموما وذلك عبر دراسة مكونات هذا العقل وبناه الثقافية في مجالاتها التاريخية كافة. هذه المنهجية الناقدة، الوقّافة على مواطن الخلل لم تكن  في الحقيقة منحازة لمدرسة ضد أخرى، كما أ العالمين لم يكن هدفهما بحال من الأحوال نشر أو التبشير العلمانية ومن ثم تعميمها، وإسقاط البعد الثقافي الخاص بالمجتمعات الإسلامية، وهو اتهام يعارضه حجم الانتقاد والهجوم القوي الذي وجهه المفكران الكبيران ليس للتجربة العلمانية في عدد من الدول العربية، بل نقدهما الضارب بقوة  للعقل العلماني الذي لا يقدر التجربة الدينية ويحاول تهميشها أو الاستخفاف بها. كما أن أركون والجابري ليسا على خط واحد كما يتوهم البعض، فهوة الاختلافات النظرية فيما بينهما قد تكون في بعض جوانبها أعمق وأكثر اتساعا من اختلافات المعارضين لهما من المدرسة على الضفة المقابلة، مدرسة التفسير الكلاسيكي للتراث الإسلامي.  ومن علامات الاختلاف والسجال الفكري بين الرجلين، تفسيرهما وموقفهما النظري من مفهوم التسامح وتطبيقات هذا المفهوم في عموم التجربة لاسلامية.

   فمن جهة  يرى محمد أركون أن عموم المجتمعات الإسلامية لم تتعرف تاريخيا على مفهوم التسامح، وأن عددا قليلا منها كان لها فرصة استكشاف هذا المفهوم والتعرف عليه ولكن في فترة زمانية لاحقة جدا عن عهود الإسلام الأولى، وأن هذا الاستكشاف والتعرف جاء نتيجة الاحتكاك والتواصل مع العالم الغربي في القرن التاسع عشر، معتبرا أن مجمل المجتمعات “المجبولة بالظاهرة الإسلامية” لم تكن تعرف التسامح بأبعاده الحديثة. ويرجع أركون غياب هذا المفهوم لسبب عدم حضوره في الكتب والقوانين الإسلامية التأسيسية، وأن النقص الحاصل في هذه المسألة كان نتيجة أنها تدخل في دائرة اللامفكر فيه بالنسبة لعموم الفكر الإسلامي الكلاسيكي، ويضيف أن الطروحات الإسلامية المتكررة التي لا تفتأ تذكر أن الإسلام كان يفرض التسامح ويعلمه حيث وجد، بأنها ليست أكثر من موقف تبجيلي يلبي فقط العواطف الجماهرية. ( محمد أركون قضايا في نقد العقل الديني 225-229).

   أما المفكر محمد عابد الجابري فلديه رؤية مغايرة تماما، فهو ينطلق من فكرة كبرى مؤداها أن معظم الأفكار والقيم الحداثية التي يتبناها العالم المعاصر والتي تنسب إلى عموم الفكر الغربي، يرى أن هذه القيم والمفاهيم لها أصل حقيقي بواقع التجربة التاريخية في الحضارة الإسلامية. وهو يرجع بداية تبلور مفهوم التسامح على نحو محدد إلى بداية العهد الأموي حيث بدأت تتشكل في تلك الآونة طبقة من المثقفين أطلق عليهم آنذاك “علماء الكلام”، الذين تكلموا في القضايا الأساسية التي تهم الأمة وتشغل بال الناس في تلك الفترة، وكان خطاب هذه الفئة إسلاميا بحتا، بمصادره وأسلوب طرحه والقضايا التي كانت محل تناوله ومعالجته الفكرية، وأن هذا الخطاب لم يكن متأثرا بالثقافات السابقة، فكلامهم كان في قضايا تشغل بال المجتمعات الإسلامية، وأنهم اعتمدوا على قدراتهم الذهنية والعقلية وتحاجوا في جدالاتهم بمصادر إسلامية بحتة، القرآن الكريم والحديث النبوي. وآية تجليات قيمة التسامح لدى المثقفين الإسلاميين الأوائل تتجلى بحسب تفسير الجابري في تحديد معنى ” الإيمان”. ويمضي الجابري في تفسيره جذور هذا المفهوم وحضوره في الثقافة الإسلامية عندما ” راح الجيل الأول من المثقفين في الحضارة العربية الإسلامية  يدافعوا عن مفهوم لـ”إيمان” قائم على الاعتدال والتسامح، مفهوم ليبرالي إذا جاز لنا استعمال هذه الكلمة في هذا المقام، مفهوم يحكمه مبدأ يقول: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة”. (المثقفون في الحضارة العربية 43-47)

   إذا العقل العربي وفقا لتفسير أركون لم يفكر بأي شكل من الأشكال بقيمة التسامح التي لم تتجسد في واقع التجربة الإسلامية، وأن بعض ملامح هذه القيمة إن كانت تظهر في التراث، فهي وبأحسن الأحوال تبرز من خلال العلاقات غير المتكافئة بين القوي والضعيف، المنتصر والمغلوب، وبالتالي فان مجالات التعامل الخلقي ستدور ضمن مفاهيم الشفقة أو الإحسان أو العطف، وأن منظومة قانونية واضحة ومحددة لحقوق وواجبات الطرفين لم يعرفها التاريخ الإسلامي على الإطلاق، فيما وجد الجابري في مفهوم الإيمان لدى المثقفين أو الفقهاء الأوائل في الحضارة الإسلامية، ضالته في تأكيده لفكرة حضور قيمة التسامح وبشكل قوي في الثقافة الإسلامية.

   غير أننا في حال أردنا إجراء عملية تنقيب معرفي نستكشف من خلالها الواقع التاريخي لمفهوم التسامح في التراث الإسلامي، فان هذه المهمة تقتضي منا كذلك التخصيص في التناول، وهذا ما لم يذهب اليه الدكتور الجابري الذي عمم مفهوم التسامح ضمن رؤية شمولية التجربة ذات الصلة بالتراث الإسلامي،  والصحيح أنه كان الأجدى النظر إلى هذه التجربة من زاوية أن الأمة الإسلامية ليس باعتبارها مجتمعا واحدا، له ذات الخصائص في السلوك والعادات والتقاليد، وأساليب التعامل وأنها، أي الأمة، مكونة من مجتمعات عدة، تتقارب وتتباعد في هويتها وفقا لعدد من المعطيات التاريخية والجغرافية واللغوية، وأن لكل من هذه المجتمعات منظومته القيمية والسلوكية الخاصة به. صحيح أن هناك مشتركات قيمية كبيرة ومهمة  بين هذه المجتمعات، بحكم أنها تتبع دينا واحدا، وتشترك فيما بينها بالعديد من المعتقدات والمسلمات والثوابت الإيمانية والتشريعية، إلا أنه بالمقابل هناك اختلافات وخصوصيات محلية عميقة الجذور، تميز من الناحية الواقعية والفعلية بين المجتمعات الإسلامية.  فالمجتمع التاريخي في إيران غيره في الهند غيره في أندونيسيا، وهذه المجتمعات هي غيرها في المجتمعات العربية أو سائر المجتمعات الإسلامية، فالمجتمع في شبه جزيرة العرب غيره في الأندلس، والمجتمع العماني غيره في شمال إفريقيا، واليمني غيره في مصر أو بلاد الشام أو بلاد ما بين النهرين،  فهناك معطيات ثقافية خاصة بكل من هذه المجتمعات على حدا، ومن التبسيط في البحث إهمالها وعدم أخذها على محمل الجد من الناحية المعرفية.

فمن ناحية بقيت كافة هذه المجتمعات على صلة بالثقافات العتيقة القديمة الخاصة بها، ولم تنقطع عنها بالكامل لحظة التحول إلى الدين الإسلامي، كما يحلو لبعض التفسيرات أن تروج له، وبقيت هذه المجتمعات التي دخلت في الإسلام على صلة بماضيها الثقافي طالما كان هذا الإرث القديم لا يتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي، والفتوحات الإسلامية في أصقاع الأرض على امتدادها لم تكن رسالتها توحيد الفكر والسلوك المجتمعي لدى الشعوب، وهذا ما لم يكن بالإمكان تحقيقه بأي شكل وبأي صورة فلكل من هذه المجتمعات والأمم هويتها وذاتيتها التي كانت تحرص على التمسك بها ما لم تتعارض مع أصل من أصول الدين.

فالمجتمع الذي ألف التنوع والتعدد، واعتاد الاحتكاك والتعامل على نحو يومي بين ثقافات مختلفة ومفاهيم متعارضة وأجناس من كل لون، بصورة طبيعية ودونما حواجز، وتوالت أجيال ألفت هذا التنوع وعايشته على نحو عملي نتيجة ما يمكن تسميته بالتربية الشعبية لقبول التعدد والاختلاف، هذا المجتمع التي هذه صفاته ومزاياه، غيره المجتمع الذي لم يعرف نسيجه وتكوينه هذه الميزة، فلم تكن له احتكاكات مع الآخر وبقي أفقه الثقافي ومن ثم التربية المجتمعية محصورة بمجال واحد ضيق، ومع ذلك فلكل من المجتمعين سماته الخاصة به التي حافظ عليها بعد إسلامه . وعليه يعد المعطى الديمغرافي والتنوع السكاني ومعايشة تجارب إنسانية أخرى والاحتكاك بها، أو الانكفاء على الذات وعدم خوض غمار التعارف والتعرف على الآخر،  هذه كلها تعد عاملا مهما من عوامل تبلور مفهوم التسامح والقبول في المجتمعات، بمعنى أن هذه القيمة تحتاج إلى طرفين متقابلين، أغلبية وأقلية، طرف قوي وآخر ضعيف، ثقافة سائدة وأخرى دخيلة، عبر هذا الاحتكاك ومن خلال المدى الذي يذهب إليه الجانب الأقوى والسائد في تعامله مع الأضعف ومدى قبوله واستعداده في قبول ما هو غريب عليه، هنا فقط يمكننا القياس على مدى الحضور التاريخي لقيمة التسامح في مجتمع ما أو عدم حضوره، ومعلوم تاريخيا أن المجتمعات الإسلامية القديمة لم تكن على درجة واحدة في تنوعها الديمغرافي، أو في انفتاحها على الآخر.

   عنصر آخر كان له دور فاعل في تهيئة المجتمعات الإسلامية وتقبلها لفكرة التسامح وتطبيقاتها على المستوى الواقعي لتجربة المجتمعات التاريخية يكمن في الدور الذي تبنته العقول الدينية المؤثرة في مجتمعاتها، هذه العقول ساهمت وبدرجة كبيرة عبر فتاواها للمسائل الاجتماعية والحياتية المثارة، إضافة إلى ارشاداتها الروحية وتفسيراتها للنصوص الدينية، كل هذه التفاعلات بين العقل الديني والمرجعية العالمة من جهة والناس العاديين الراغبين في التبصر ومعرفة الحكم والرأي الشرعي في العديد من القضايا التي تمس حياتهم اليومية على نحو مباشر، كان له أكبر الأثر في تحديد ثقافة هذه المجتمعات وهويتها. فالتفسير الديني الذي يصدر عن مفاهيم مثل تقبل الآخر رغم اختلافاته التنظيرية، والقائم على أساس سياق الحجج والبراهين الدينية المتحفظة والحريصة من عدم إطلاق الأحكام التكفيرية والحرمان، وعدم الادعاء بامتلاك الحقيقة كاملة، هي غيرها بالتأكيد التي لا تصدر بالأساس إلا عن تنظير أحادي، لا يعترف بالآخر ولا يقر بوجوده، عبر مدرسة فكرية ذهبت بعيدا في إنكار الاختلاف باعتباره مظهرا يفتقد إلى الشرعية وبلهجة مثقلة بالوعيد والتهديد.

   كما ولا يمكننا التقليل بحال من أثر الجغرافيا باعتباره أحد المعطيات الموضوعية المؤثرة في تشكيل وصياغة أنماط السلوك، فالمجتمعات التي تواجدت في وسط جغرافي منفتح على العالم والثقافات وعلى تواصل دائم مع مختلف الأجناس والأعراق، تعايشت مع هذه الأجناس ولم تجد في هويتها الدينية أو اللغوية ما يحول دون التواصل معها، وأن تتقبلها ضمن نسيجها الاجتماعي على نحو طبيعي، بحيث غدا مفهوم كالتسامح حاجة وضرورة للتعايش السلمي. هذه المجتمعات هي غيرها المنغلقة التي تعيش بمعزل عن العالم، ومجالات احتكاكها بالثقافات الأخرى محدود للغاية، وتنظر دائما إلى الآخر نظرة ملؤها الشك والريبة وأيضا الشعور بالتفوق.

0 1731 25 يناير, 2016 السابع والستون, ثقافة وفكر يناير 25, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.