الثامن والستون ثقافة وفكر

قراءة في الشعار الجديد لتلفزيون سلطنة عمان

 

 

Oman-Tv-New-Logo

مهما كانت شدة الاختلاف حول شعار ما ، إلا أننا نتفق جميعاً أن شعار أي جهة هو النافذة الأولى التي ستلتقي مع عين المشاهد ، لذلك كان الشعار بمثابة العنوان ، أو الرمز الذي ستعرف من خلاله الجهة التي يعبر عنها ، وهو كاسم الانسان الدال عليه .. من هذا المدخل أبدأ حديثي عن الشعار الجديد لتلفزيون سلطنة عمان ، هذا الشعار الذي دشن في 31 من ديسمبر الماضي في احتفال لهيئة الإذاعة والتليفزيون بتدشين الهوية الجديدة، وقد لاقى الشعار تأييدا من البعض، ورفضا واستهجانا من البعض الآخر كما هو معروف، وكما هي طبيعة الابداع التي لا يمكن الاتفاق على رأي واحد جازم فيه . غير أنني أجد كل العذر لأولئك الذين استقبلوا الشعار بفتور أو عدم ترحاب، وذلك للأسباب التالية :

أولا : أن الشعار جاء بعد شعار آخر اعتاد عليه الناس فترة طويلة تصل إلى أكثر من أربعين عاما، أي منذ افتتاح التلفزيون العماني عام 1974م . ولسان حالهم بيت المتنبي الشهير :

” خُلِقتُ أَلوفاً لو رجعتُ إلى الصبا / لودعتُ شيبي موجع القلب باكيا ..”

الأُلفة إذاً هي الجدار الأول الذي يقف في وجه الشعار الجديد .. ولكن هل هي الألفة وحدها ؟ .. بالتأكيد الإجابة ستكون لا، خاصة إذا ما استذكرنا أن الشعار السابق المُستَبدَل لم يكن شعاراً سيئاً ، أي أن سبب استبداله هو الرغبة المشروعة في التجديد ولكن ليس لعيب في الشعار . بل إن ذلك الشعار – إن شئنا تحليله الآن – كان من أهم عوامل حصوله على قبول المُشاهد أن أهم تكويناته – إن لم تكن كلها – كانت رمزية ، بداية من شكل الشعاع ، وألوان العلم الرمزية أيضاً، وشعار السلطنة في الأعلى ، والذي يدل بالضرورة على عمانية القناة المتأصلة ، وهو بذلك لا يحتاج إلى تعريف أن هذه القناة التليفزيونية تتبع ( عُمان ) . وتجدر الإشارة هنا أن الشعار ليس من وظائفه أن يُعَرِّفَ بقدر أن وجوده يأتي من خلال تعريف الشيء الذي يتبعه وإشهاره ، فيصبح بذلك رمزاً ودلالة ، فإسم إنسان “جميل ” ، لا يعني وصفاً للشخص بأنه جميل ، بل هو اسم يدل عليه وحسب، والإنسان – وهذا هو المهم – هو الذي يشهر ويُعرف اسمه بما يفعل . ولو كان للشعار وظيفة للتعريف بالمحتوى ، لكان شعار موقع “تويتر ” مثلاً دالاً على أنه مكان لبيع العصافير ، وكانت شركة ” أبل ” لا تبيع إلا التفاح ، وبالتأكيد لا يبيع بنك مسقط إلا الخناجر !.

نتفق إذاً أن الشعار السابق هو شعار حقيقي ، ولا يمكن وصفه بأنه ” ليس شعاراً ” ، ومن الطبيعي أن تؤخذ عليه بعض الملاحظات التي تكون شخصية أحياناً ، ذلك لأنه في العصر الذي صمم فيه كانت هذه النوعية من الشعارات الكلاسيكية متداولة ، وكان من الممكن تعديله ، وليس إقصاءه ، ليكون أكثر ثباتاً وحضوراً ، إذ أن هذا التعديل يعطي أيضاً رسالة بتجدد القناة .

أما حين يقرر المسؤولون في الهيئة أنه حان وقت التغيير – وهو حقهم بالمناسبة – فإن المنتَظر من الشعار البديل أن يأتي متضمناً كل المعاني التي نجح سابقه في التعبير عنها ، بل ومتميزاً عنه بإضافات أخرى أهمها الشكل المختلف المبتكر، خاصة وأنه يأتي في ظل هذا الكم الهائل من القنوات والتي تهتم بتميز ووضوح شعارها ، وهو بذلك – أي الشعار الجديد – سيسيطر على عين المشاهد ويبدأ معه مشاهدة عوالم بصرية جديدة تماماً، تنسيه شعاراً اعتادته عيناه لأكثر من أربعين عاماً . وتنبغي الإشارة هنا أنه ليس بالضرورة أن يظهر الشعار جميلاً ، بل يكفي أن يكون متميزاً ، مبتكراً ، وبارزاً ، سواء كان جميلاً أو قبيحاً ، فالأهم أن يفرض نفسه حيث يكون .

ثانياً : أن الجمهور ليس مغيباً عن رؤية الشعارات وفهمها ، لهذا فإن أي جهة ترغب في تدشين شعار جديد ، تستعين في العادة بخبراء في ذلك ، لأن التساؤل والانتقاد سيكون قوياً مؤثراً من قبل جمهور ليس مغيبا !! ، وحين يظهر الشعار الجديد فيكون سبب إشتغاله فنياً بطريقة ما واضحة ومرفقة وتدشين الشعار .. أي أنه عليه أن يحضر إجابة عن التساؤل : ولماذا تم التصميم بهذا الشكل والطريقة ؟؟!!

* * * *

الهوية هي التي دشنتها هيئة الإذاعة والتلفزيون ، وكان بعض المدافعين عن الشعار قد تمسكوا بأن الطرف الآخر – أي المعترضين على الشعار – لم يفهموا الأمر برمته ، فالذي تم تدشينه ليس شعاراً ، بل هوية .

وقبل مناقشة هذا الأمر ، فمن الضرورة تعريف المفهومين : ( الهوية والشعار ) .

* الهوية : كل ما يمثل الصورة الذاتية للجهة، فهي تركيبة متجانسة تشمل شخصية الجهة وفلسفتها وثقافتها والواجهة الجمالية (مثل الشعار والموقع الإلكتروني وتغليف المنتجات وتصميماتها .. وغير ذلك) ، والتي تؤثر في المتلقي إنتاج تلك الجهة .

أما الشعار فهو هو رمز يستعان به لتحديد هوية المكان ، أو المنتج من خلال علامة ( معلم ، توقيع … الخ ) ، وهو ليس مروجاً مباشراً ، ونادراً ما يصف العمل ، وهو يتواجد لإثبات وجود الهوية ، وليس لتفسيرها .

ولتقريب الصورة فإن الإنسان ليس من المنطق أن ينادى : ” فلان ذا الوجه الجميل ، الكريم ، المتدين ” ، لأن اسمه ” فلان ” الذي يرمز إليه ، واسمه هنا يكون ( الشعار ) ، أما الصفات المذكورة أعلاه فتلك تكون ( هويته ) ، أما ( علامته التجارية ) كأن يقول : ( متمسك بديني وكرمي في كل الأحوال ) ، وهو ما يسمى أيضا بالشعار التسويقي ، أو العلامة التجارية .

وبقراءة الإختلاف بين المعنيين ، نتبين أنه لا يمكن التنازل عن جودة الشعار بسبب أن الهوية تتطلب ذلك، ولا يمكن في المقابل التنازل عن جودة الهوية بسبب سوء الشعار، وبين المعنيين ومفهومهما يثبت المبدع وجوده .

* * * *

يقول البعض – الذين أحترم رأيهم بالتأكيد – : ” إن الشعار يتميز بأنه مكتوب بحروف عربية “.

وهذه وإن كانت ميزة ، لكنها لا تخرج عن نطاق أن الكتابة كانت بحروف عربية ، السؤال المهم : ” وماذا بعد ذلك ؟!! ” .. هل كان في ذلك من جديد ؟!!. أليست هناك شعارات كثيرة مكتوبة بحروف عربية أو مشتقة منها كــــــــ ” روتانا ، دبي ، سما دبي ، الجزيرة ، العربية ، الرسالة ، المجد ، الرأي .. ” هل من يرغب بالمزيد ؟، إذا فهذه ليست ميزة بحد ذاتها !! .

وكان يمكن القول بأن الشعار مميز بحروفه العربية ، حين تكون الحروف العربية ذاتها مصوغة بشكل مبتكر وغير سائد ، تخطف عين المشاهد ، وتشعره بأنه يرى ابتكاراً وليس حروفا .

والشعار الذي نتحدث عنه في أسطرنا هذه لم يحمل ابتكاراً في نوعية الحروف أو شكلها ، فهي شبيهة جدا من نوع خطوط في برنامج الــــــــــ ” Word ” ، وبرامج التصميم المختلفة والذي يسمى ( (Arial Unicode Ms وكذلك هو شبيه جداً بشعارات سابقة لقنوات أخرى كـــــ ( فنون ، و البراعم ) وبذلك فأن تكون الحروف العربية بالشكل الموجود لم يكن بالجديد الذي يُمكن أن يحسب للشعار .

سيقول قائل .. لكن هذا التصميم يحوي تفاصيل داخلية مميزة في الحروف .. !!

لا حجة في التفاصيل .. إن لم تكن حجة عليه !! ، فهي كلما كثرت قلت جودة الشعار ، ولو فرضنا أنها مبتكرة .. فإن تلك التفاصيل لا يراها المشاهد طوال الــــــــــــــ ( 80% ) تقريباً من فترة جلوسه أمام التلفزيون ، وهو عموما يظهر صغير الحجم أغلب فترة العرض ، لذلك فلا يعتد بالتفاصيل ، بل إنها تطغى على أساس الشعار وهو اسم ( عُمان ) فلا تكون مقروءة ، خاصة وأن وجود الاسم كان مقصوداً به قراءته بشكل أساسي ، وليس مجرد رمز ودلالة .

هناك أيضا نقص مهم في الاسم الموجود في الشعار لا يلقي به البعض بالا ، ألا وهو ضمة العين في عُمان، وهو مهم جداً ، خاصة وأن المجموعة التلفزيونية العمانية تحوي قناة ثقافية ، لذلك فإن التفريق بين الكلمة والأخرى مهم جداً ، خاصة مع وجود منطقة جغرافية معروفة لها نفس الحروف ولا يفرق بينهما سوى الضمة، وكان بالإمكان الاشتغال فنياً بحركة الضمة وجعلها هي اللون المميز ، بدلاً من أن يكون اللون الأحمر مميزاً في الكلمة نفسها، الأمر الذي يوحي بانفصال غير مباشر في الكلمة .

* * * *

اللونان الأحمر والرمادي اللذان اعتمد عليهما الشعار ، يعطيان انطباعاً في فترات مشاهدة ليست بالقصيرة أنه يحتوي على لون واحد وهو الأحمر ، والسبب أن اللون الرمادي عموماً معروف بانسجامه مع جميع الألوان، وهذا الانسجام في الشعارات عموماً ليس بالأمر المحبب ، وفي الشعارات التلفزيونية خصوصاً ليس مقبولاً إلى حد بعيد ، فأهم ما سيفقده الشعار هو بريقه ، واللمعة اللونية البارزة ، واللون الرمادي، فهو دافئ ، وبه هدوء قاتل ، أضف إلى أن له دلالات من الشؤم والإحباط في الدلالات اللونية المختلفة .

و هذا الانسجام سيرافقه اتحاد مع ألوان الشاشة الخلفية ، التي بالتأكيد لن تكون طوال الوقت ألواناً داكنة ، إذا ما افترضنا أن إيجابية اللون تكمن في أنه سيظهر فيها أكثر .

ويلاحظ أيضاً فيما يرتبط بلون الشعار ، أن اللون الأكثر اعتمادا عليه في الاستديوهات هو اللون الأزرق بتدرجاته الفاتحة ، وهذا اللون هو من الألوان الأقرب للون الرمادي . أضف إلى أن الرمادي نفسه احتوى على لون أبيض لم يخدم الشعار من ناحية الارتباك اللوني في الشعار وزيادة تفاصيل اللون في مكان واحد .

وبذلك يكون الشعار في معظم الوقت مختفياً ، والحديث هنا عن شعار بأكمله وليس بعضه ، وللأسباب المذكورة سابقاً فإن ظهور الشعار هنا سيكون أيضاً بشكل جزئي في كل مرة ، حيث من المرجح أن اللون الرمادي لن يظهر بوضوح في كثير من الأوقات ، وسيكون اللون الأحمر هو المسيطر والظاهر .

وماذا عن اللون الأحمر .. لماذا كان اللون الأحمر ؟ لماذا هو اللون الأساسي الظاهر في الشعار ؟!! .. فالأحمر والوصف المذكور أعلاه أصبح لون الشعار وأن حرفه ( العين ) ، هو الطرف الأقوى ، بالرغم من أن الشعارات تحديداً لا تعترف في تصميمها أن يكون هناك طرف أقوى وأضعف، خاصة أن شعارنا الذي نتحدث عنه تبقت منه ثلاث حروف مهملة مقابل حرف واحد ، سلبت منه ( ضمته ) لكي يكون كأي حرف ( عين ) في كلمات أخرى … وربما كانت مسألة الابتكار اللوني غير واضحة ، خاصة وأن اللون الأحمر متواجد بكثرة في أماكن أخرى مستخدمة في عُمان .

* * * *

ختاماً .. ولأن المحب يهدي ما في نفسه لمن يحب .. فإني كتبت ما كتب ، ولا أشك في لحظة أنني كتبته إلا لجهة أحبها وأشعر أنها تمثلني ، مثمناً رغبتها في التطور ، لذلك فإني أورد رأيي كمحب وغيور ، وإن أخطأت فيما قلته أو أصبت فإن ذلك ما هو إلا إجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب ، لكني لا أشك أبداً في تقديري وامتناني لمن كتبت لهم ، مع فائق الحب و الإحترام .

عن الكاتب

Avatar

يوسف البادي

فنان تشكيلي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.