سقوط عواصم عربية.. وحروب النمل الأسترالي

لـ

إضافات كثيرة وكبيرة في المصطلحات والمفردات توالت بزخم وتسارع إلى قاموس السياسة الأمريكية منذ أحداث 11 سبتمبر2011 والى الآن، وتمكن أغلب هذا الكمّ من التعريفات الاصطلاحية بدلالاتها العميقة ومفرداتها الدقيقة أن يشق طريقه ويخرج من وعائه وحاضنته النظرية ليغدو واقعا ملموسا وحقيقيا بفضل تطبيقات سياسية وعسكرية خشنة وقاسية، وأحيانا بفضل تطبيقات ثقافية وإعلامية ناعمة وخادعة، وهذه الترجمة العملانية والنشطة للكثير من عناوين المشاريع العريضة كان هدفها الأكبر والختامي الحفاظ على المكانة الدولية للولايات المتحدة الأمريكية، والترسيخ لمفهوم إيديولوجي مبعثه ودوافعه الحقيقية ديمومة واستمرارية الأمجاد الأمريكية أطول فترة زمانية ممكنة باعتبارها حتمية تاريخية.
لم يكن من السهل تحقيق هذه المشاريع والبرامج إلا في الأجزاء الرخوة الضعيفة من مجموع الكيان الدولي، والتي هي بنفس الوقت مثار نزاع المصالح بين الدول العظمى الدول القوية، ولديها قابلية الاستجابة لهذه المشاريع والمخططات باعتبار أن هذه الاستجابة وفقا للتعريفات الأمريكية وعموم السياسات المستجيبة تندرج تحت عنوان “شراكة”… إنها منطقة الشرق الأوسط التي قدّر لها منذ أكثر من قرن والى الآن أن تكون مسرحا دوليا تتقاسم القوى الكبرى على خشبته نفوذها ومصالحها. في الماضي كانت العملية تنجز وفق تفاهمات بين الأفرقاء على القسمة بالمنطقة دونما جلبة أو ضوضاء، فالسياسة الباردة أو الناعمة كانت هي الشعار وهي مجال التوافق، والكل راض بما قُسم له من ثروات المنطقة، أما اليوم وعلى الأخص عقب أحداث 11 سبتمبر فان التعاطي السياسي مع المنطقة اختلف على نحو جذري، فهناك أهداف ومشاريع كبرى ينبغي أن تنفذ ولا مجال للتسويف أو التأجيل، والذي يرغب أن يكون عونا في تحقيقها فهو في حلف الراغبين، والذي يأبى أو بالحد الأدنى غير معني بالانضمام إلى الراغبين “المكرهين” في حلفهم، فهو بالتأكيد في قائمة الأشرار المدرجة أسماؤهم في قائمة المعاقبين الذين تتلقاهم العقوبات والحصار من كل جانب.
قبيل أحداث 11 سبتمبر وبعده انخرطت كافة أذرع الإدارة الأمريكية في ابتكار وإعلان عدد من المفاهيم والتصورات، وكل تصور كان يرفق به تفصيل وإفاضة نظرية من قبل الجهة التي تبنت هذا المفهوم أو المصطلح على اختلاف في المجال الوظيفي: أمني، دبلوماسي، ثقافي، سياسي، إعلامي.. والمدهش في الموضوع أن كافة هذه المشاريع والرؤى المستقبلية رغم خطورتها وإعلانها الفاضح لتوجهات السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط تحديدا، فإنها وعلى غير عادة الإدارات الأمريكية السابقة في توخي السرية حول مشاريعها الإستراتيجية، والتعامل بحذر خشية تسريب بعض بنودها أو تفاصيلها، إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تعاملت مع ذات المسألة على نحو مختلف تماما، بل كانت حريصة بالغ الحرص أن الأفكار الكبرى والأهداف الختامية للمشروع الأمريكي والآليات الفاعلة لتنفيذ هذه الأهداف على ما تتضمنه من تجسيد سياسي بالغ الخطورة على البعد الوجودي للمنطقة العربية، بكافة أبعاد هذا الوجود، كانت هذه الإدارة حريصة أن تبلّغ هذه المضامين للأعداء قبل الأصدقاء، وعليه جرى إعلان شعار” من ليس معي فهو ضدي”، وكل من عايش تفاصيل هذه المرحلة، بوعي، يلمس مدى الحرص على إشاعة وإشهار هذه المشاريع التي كانت تفاصيلها تجد طريقها للنشر ليس في كبرى الصحف الأمريكية بل والعربية أيضا. الكل كان حريصا على نشر مضامين هذه الخطط على نحو تفصيلي، وأحيانا تنشر هذه الخطة أو ذاك المشروع حرفيا، كان هذا الضخ الإعلامي مثيرا ومحفزا للمتابعين في تتبع تفاصيله، وبعد رصد استمر عامين متتالين كانت لي أسبقية إصدار هذه المصطلحات في كتاب تحت عنوان ” إمبراطورية الأكاذيب..مصطلحات الخداع الأمريكي بعد أحداث 11 أيلول” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات عام 2004، وفيه شرح لكافة هذه المفاهيم بإفاضة تحليلية.
ورغم تنوع المشاريع الأمريكية الخاصة بالمنطقة العربية والمصطلحات التعريفية لهذه الخطط، فان الحديث في الوسط السياسي وكذا الإعلامي كان يدور آنذاك حول نقطة واحدة: إلى أي مدى يمكن أن تذهب إليه الولايات المتحدة في تنفيذ هذه المخططات؟ والى أي مدى يمكن لشعوب المنطقة وحكامها، بوعي أو بدونه، أن يغدوا أدوات فاعلة ونشطة في تحقق هذه المخططات؟ وهل الإرادة العربية وكذا أدواتها الدبلوماسية والأمنية والثقافية والإعلامية مسلوبة إلى هذه الدرجة كيما تتحقق هذه المخططات واقعا ملموسا بهذه السهولة وبهذا الزمن القياسي وفقا لشروحات هذه الخطط دونما ممانعة أو مقاومة توازي خطورة هذه المشاريع؟ بالطبع كانت أولى أدوات الممانعة التي يتم التحدث بها آنذاك هي الفريضة الغائبة، والمقصود بها الوعي. كان الجميع يطرح ذات التساؤلات ونحن نقرأ تفاصيل شعارات اصطلاحية لخطط مثل: إزالة البعثية، حرب الأفكار، تحالف الراغبين، خريطة الطريق، حرب الأفكار، الحرب العالمية الرابعة، سوق تحليل السياسات، الشرق الأوسط الكبير، أوروبا العجوز، عصر حروب المسلمين، مذهب بوش، اليوم التالي، الشراكة الأمريكية- الشرق أوسطية، من أجل أن نسود… والعديد من العناوين التي أدرك كل من قرأ تفاصيلها أو بعضا من هذه التفاصيل، حجم التهديد والخطر البالغ الذي تتعرض له المنطقة عموما.
عقد من الزمن انقضى على انبعاث هذه المصطلحات وبعضها يرتد إلى زمن أبعد قليلا، منها ما حقق غاياته واستنفذ أغراضه بشكل كامل، وبعضها الآخر ينتظر، وبعضها هذا أوان تطبيق بنوده، وكلها رغم تعددها يجهد لإنجاح المشروع الأكبر ممثلا في الخطة العشرينية التي أطلق عليها اسم” خطة القرن الأمريكي الجديد” والمؤدى العام لهذه الخطة، وفقا لبعض البنود التي جرى نشرها ضرورة المحافظة بأي وسيلة على التفوق الأمريكي. كان التدشين العملي لهذه المشاريع من خلال هذه الحرب الكونية التي تزعمتها الولايات المتحدة على العراق والتي كانت نتيجتها سقوط بغداد، واستباحت الأرض العراقية ومن ثم تقسيمها، وتوجهت الأنظار منذ ذاك إلى عاصمة الدولة الأموية، دمشق، باعتبارها جائزة سقوط عاصمة الدولة العباسية، ولاعتبارات براغماتية بحتة نتيجة تغيرات حادة شهدتها المنطقة عقب الحرب على العراق، إضافة إلى تبدلات في الحسابات السياسية الأمريكية محليا، ولأن الأفكار وفقا لذهنية راسم السياسة الأمريكية خاضعة دائما للنقاش والتطوير بما ينسجم مع التطورات والظروف المستجدة، فان تعديلات طفيفة طرأت في التطبيق مع الاحتفاظ بالهدف والغاية المنشودة، وهي في هذه المرحلة إسقاط العاصمة السورية. التدخلات الطارئة اقتضت أن تكون الفاعلية الأمريكية غيرها في حربها على العراق، فجرى إسناد المهمة لما أسمته وثيقة ” قانون محاسبة سوريا” إلى ثلاث دول إقليمية تشكل من الناحية العملية مثلثا استراتيجيا هدفه المحافظة وتأمين المصالح الأمريكية في المنطقة، وتنفيذ أهدافها، وهذه الدول وفقا لبنود الخطة المنشورة في صحيفة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ 22/4/2003 هي: تركيا، إسرائيل، والأردن وأن تكون هذه الدول مساندة لبعضها في تحالفاتها وارتباطاتها على نحو وثيق، ووفقا لبنود الخطة فإن جائزة سقوط دمشق ستكون طهران.
الحرب العربية على دمشق تكاد تقع، وحدوثها وشيك بحجة محاربة الإرهاب والقضاء عليه، هذا الإرهاب الذي بات الصغير قبل الكبير يعلم حقيقته الحقيقية، بأنه لا يعدو كونه فزاعة دولية ابتكرت وصممت وساهمت أطراف إقليمية في تشكلها وتغذيتها، من خلالها تنفذ الكثير من الأهداف والغايات وتصفية الحسابات، وطالما هذه الأهداف وطالما الحساب لم يغلق فان الإرهاب سيبقى موجودا وماثلا. والنتيجة لكل الذي يحدث من حشد عربي لضرب شقيق عربي بذريعة محاربة الإرهاب لن يستدعي وفقا للتجربة في اليمن إلا الخيبة والفشل، لأن الذي يحدث في الواقع شبيه بإنسان يهاجم جسده ويأكل من لحمه الحي، تماما كما يحدث في المعارك التي يخوضها النمل الأسترالي، الذي أدهش سلوكه علماء الأحياء وهم يرون هذه النملة وهي تنقسم إلى قسمين ومن ثم تدخل في معركة مع ذاتها، الرأس يعضّ الذنب بأسنانه، والذنب يدافع عن نفسه ويضرب الرأس بقوة، تستمر المعركة فترة من الزمن قد تدوم نصف ساعة يموت في إثرها الرأس والذيل، حرب العرب فيما بينهم شبيهة بحرب النمل الأسترالي، حروب عدمية تفضي إلى إلغاء الكل.

0 1779 15 فبراير, 2016 الثامن والستون, سياسة فبراير 15, 2016