أدب الثامن والستون

موشا السهل العظيم

أنطلق الطفل الفرعوني يتجول في مرافق الميناء الصاخب يلتقط بعينين متلهفتين أسراره وعجائبه ، سحنات وجوه التجار الذين جاءوا من أصقاع مختلفة مثل بلاد ما بين النهرين والنيل والهند والصين وأفريقيا ، المراكب المتعددة الأحجام ، البضائع المتنوعة مثل اللبان والعطور والبخور والأعشاب الطبية والذهب.

في يوم صباحي جميل تشكلت ملامحه بطير مهاجر يبسط جناحيه في سماء صافية الزرقة ، وبحر التزم السكينة كأنه لم يستيقظ بعد من ليلته الطويلة ، كانت السفينة الفرعونية تسير ببطء شديد عند اقترابها من ميناء سمهرم في ظفار ، ظل ربانها يجتهد في البحث عن متسع له ، ففي هذا اليوم شهد الميناء غصة كبيرة أحدثتها كثرة السفن التجارية ومراكب النقل .
قال الطفل الفرعوني بوجه صبغه الفرح ، مطلقا بصره في المعالم البحرية التي أمامه :
– أبي .. هل حقا وصلنا ? .
رد الأب وهو يحكم ربط حبل حول سارية شاهقة :
– نعم ولدي .. لك أن تتجول اليوم في مدينة خور روري العظيمة ، فقد تحقق حلمك .
عندها هب الطفل يقفز طربا ملوحا بيديه وهو يصيح بأعلى صوته في مشهد طفولي مرح ، بعدها هرول إلى مقدمة السفينة لينال شرف أول من تطأ قدمه ميناء سمهرم .
كان الطفل ممتلأ حماسا محبا للسفر لهذا ألح على أبيه أن يصحبه في سفره الطويل على ظهر السفينة التي أمرت الملكة الفرعونية حتشبسوت أن تتوجه إلى أرض مجان ( عمان ) وبالتحديد مدينة خور روي ومينائها الرائج لشراء اللبان الفاخر لحاجة معابد وادي الملوك له ** .

* * * * * *

أنطلق الطفل الفرعوني يتجول في مرافق الميناء الصاخب يلتقط بعينين متلهفتين أسراره وعجائبه ، سحنات وجوه التجار الذين جاءوا من أصقاع مختلفة مثل بلاد ما بين النهرين والنيل والهند والصين وأفريقيا ، المراكب المتعددة الأحجام ، البضائع المتنوعة مثل اللبان والعطور والبخور والأعشاب الطبية والذهب.
قادته رجلاه إلى مدينة خور روري المحصنة ، أخذ يتأمل شكلها المستطيل الدال على هندسة متقدمة ، سورها الحجري العالي وأبراجها الشاهقة وبوابتها الضخمة ، هاله الاتساع الكبير لمخازن اللبان والبضائع .
مر بجانب معبد ( إلمر ) الذي تقام فيه طقوس الاغتسال وتقديم القرابين إلى الآلهة ( سين ) .
حين قاربت الشمس على الأفول سلك طريق العودة إلى السفينة .
في الميناء مر على أكوام من اللبان قد تركت في عرصاته ، على ضوء المشاعل الملتهبة توقف يتأمل تعدد ألوانها وتباين أشكالها ، وسوست له نفسه أن يتناول حبة واحدة لمضغها فقد حدثه أبوه أن لها فوائد علاجية ، التفت حوله فلم يجد عينا ترصده ولا رقيبا يطلع عليه .
بعينيه النافذتين انتقى لبانة كانت نقية تميل إلى الاخضرار يبدو أنها من نوع حوجري الذي يحصد من أشجار وادي حوجر المشهور بجودته العالية .
ما كادت يده تلمسه إلا توقفت بعد أن باغتتها وخزة ألم حادة فعاجل في إرجاعها ، نظر إلى كفه فأرعبته الصفرة التي بدأت تكسوها ، حاول أن يكوم أصابعه فلم يقدر فقد كانت منبسطة يغشاها التيبس والجفاف ! .
حالة من الخوف الشديد أرجفت الطفل الفرعوني فأطلق رجليه يعدو وقلبه يخفق بعنف متجها نحو السفينة .

* * * * * *

ظللته سحابة من الأفكار ظلت تهطل على رأسه التساؤلات والتوقعات ..
ما الذي أصابني ? .. هل لعنة الظلام حلت بي ? .. أم هو طائف ستذهب آثاره سريعا ? ..
ماذا أقول لأبي ? .. بالتأكيد سينهرني إذا علم بحالي .
وصل أمام السفينة ، التقط أنفاسه الوجلة ، بيده السليمة كشط العرق من جبينه ثم أعاد النظر إلى يده الأخرى فلم يلحظ أي تحسن فازداد كربة على كربة .
دخل بخطوات هادئة وهو يخفي يده المعطوبة خلف ملابسه ، كان بعض البحارة مشغولين بإعداد وجبة العشاء ، وبعضهم في ترتيب جرار اللبان التي اشتروها هذا الصباح ، وغيرهم يصلح ما أفسدته الرحلة من متاع السفينة .
تقدم مرسلا نظرات حذرة ومظهرا وجها مرحا كعادته ، كاتما أوجاعه وهواجسه ، شاهد أبيه يشحذ عصا غليظ بشفرة حادة ، توجه نحوه يحدثه عن أعجابه بالميناء المزدهر ودهشته من هندسة المدينة العامرة ، كذلك سرد له تفاصيل ما شاهده والأماكن التي زارها .. إلى أن قال ببراءة مصطنعة :
– عجبت من أكوام اللبان في الميناء ولا حارس لها .
رد الأب بعد أن صرف نظره إلى البحر وقال بنغمة تبجيلية إيمانية :
– لا تقلق .. لقد تعهدت الآلهة ( سين ) بحراسة كل حبة لبان في ميناء موشا ! *** .
ارتعد الطفل حين وقع على مسامعه اسم الآلهة ، فقد أدرك أنه في مأزق أكبر منه .
سأل بصوت واهن مرتعش :
– ومن يأخذ حبة واحدة بدون إذن مالكها فماذا ستفعل الآلهة ? .
رشقه الأب بنظرة حادة وقال بصوت جاف :
– ستحل عليه العقوبة حالا .. أقلها أن يتجمد الدم في عروقه ! .
هنا شعر الطفل بطعنه أخرى في يده جعلته يشوح بوجهه بعيدا ليخفي عن أبيه ملامح عضة لسانه من فرط الألم .

حث الأب ابنه على تناول طعامه ثم الذهاب إلى النوم باكرا ، مؤكدا له أن غدا بعد شروق الشمس ستبدأ رحلة العودة إلى أرض الفراعنة .

* * * * * *

لم يهنأ في نومه ، كانت ليلة مثقلة بالقلق والخيالات الخانقة ، مازال الوجع يعصر يده ، ومواجهة مجتمع السفينة غدا صباحا تشعره بالخزي .
تحفزت نفسه للخروج من هذه الفضيحة ، فعصفت به الأفكار تقلبه ذات اليمين وذات الشمال إلى أن اصطاد فكرة علقت في شباك عقله كانت لها وقع الرضا والأمل في قلبه ، بعدها سيطرت عليه غفوة خفيفة في الثلث الأخير من الليل كان في مسيس الحاجة إليها فقد عزم على تنفيذ فكرته قبل انبلاج الفجر ! .
تنبه من نومه تلقائيا فارتفع من سريره في خفة لكي لا يلحظه أبوه الراقد بجانبه ، في غلس الظلام تسلل على أطراف أصابعه إلى خارج السفينة ثم أخذ يحث الخطى ، قطع الميناء بلا توقف ، حين مر بجانب أكوام اللبان أسرع بعيدا عنها متشائما .
اتخذ مسارا مباشرا إلى مدينة خور روري ، انتصب أمام بوابتها العملاقة ، شعر به الحراس ، فاستأذنهم في زيارة المعبد ( المر ) ! .
اغتسل بماء الطهارة ثم دلف المعبد الكبير ، كانت المشاعل الصغيرة تنتشر في ردهاته ، مضمخا بروائح اللبان الذكية ، ما إن تقدم خطوة داخله حتى خر ساجدا باكيا يرجو غفران الآلهة .
ظل يؤدي طقوس الصلاة طالبا الرضا عنه والدعاء بأن ترد له عافيته ، مستشعرا الندم من قلب صادق .
كانت ظلال أضواء المشاعل تتراقص على وجهه وهو خاشع في عبادته .
بعد أن استفرغ جهده في جلسة الاستغفار قفل عائدا من حيث أتى .

* * * * * *

كانت خيوط الفجر الفضية قد بدأت تنفذ من جوف السماء مرسلة النور في أرجاء الوجود ، ما كاد يبتعد كثيرا عن المعبد حتى تحققت إجابة دعائه فقد شعر بلين عظام أصابعه وعودة لون يده تدريجيا ، كانت مفاجأة مذهلة له ، أعادت له حياة جديدة .
عند باب السفينة وقع بصره على عمود حديدي ساقط على الأرض فخشي أن يتعثر به أحد البحارة فبادر برفعه بكلتا يديه ثم وضعه في مكان آمن .
حينها تبين له أن صحته عادت والسقم الذي أصاب يده زال تماما .
ملأ رئتيه بالهواء البارد ثم استقبل الشمس يشاهد إطلالتها الرائعة على فضاء ميناء موشا التجاري ومدينة خور روري المهيبة .
جال في خلجات نفسه أن لهذا الوجود قوة خارقة تسيره وأن ثمة قوانيين تحكمه ، ومن حاول تحدي هذه القوة أصابه الوبال .
أحس بيد تربت على كتفه حين التفت خلفه وجد أباه منفرجة أساريره يهنئه على رصده لهذا المنظر الفاتن .
* * * * * *

* موشا ، موجا ، موسكا هي أسماء قديمة لميناء سمهرم . ورد تاريخيا أن كلمة سمهرم تعني الاسم العالي أو السهل العظيم .
** تم العثور على رسم لسفينة فرعونية ترسو في ميناء سمهرم في أحد المعابد بوادي الملوك في مدينة الأقصر الأثرية المصرية .
*** تقول الأسطورة إن الرب تكفل بحراسة اللبان . ( متحف سمهرم الأثري ) مدينة طاقة .

عن الكاتب

Avatar

يعقوب الريامي

كاتب عماني

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.