متى سنرى سياستنا الداخلية ترتقي إلى مستوى السياسة الخارجية

لـ

تفضلت مجلة الفلق الالكترونية ونشرت لي قبل أسابيع موضوعا بعنوان “حتى لا يودع الفائض في جيب فئة من المجتمع ويغطى العجز من جيب فئة أخرى! هل للإعلام دور؟”، ألقيت في هذا المقال بعض الضوء على ما بدا لي بأنها سياسات وقرارات سلبية ومواقف رسمية تغلب عليها سياسة غض الطرف عن بعض التجاوزات المالية والإدارية التي وقعت فيها ولا تزال بعض من الأجهزة الإدارية للدولة في ظل انعدام المصارحة وغياب الشفافية والأهم من ذلك كله التغييب الممنهج للمواطن حتى الأمس القريب عن المشاركة في اتخاذ القرار، وتغلغل داء الحساسية المفرطة من الرأي الآخر في أغلب دوائر اتخاذ القرار في البلاد.
والحقيقة أنني وقبل أن أرسل المقال المذكور للنشر أعدت قراءته مرات ومرات، وجدته طويلا وخشيت أن يراه القارئ مملا خاصة إذا كان نشره في مجلة الكترونية. إلا أنني كلما كنت أحاول الاختصار أو إلغاء فكرة ما، كنت أحس أن جرحا من جروحي لا يزال ينزف ولن يتوقف ما لم يشاركني الغير في تحمل ثقل هذا الهم. علما أنه في مرحلة ما انتابني إحساس بأنني قد أكون أغرد وحيدا خارج السرب مصابا بداء فقدان القناعة ونكران الجميل، كما يتهم البعض كل من يقدم نصيحة أو ينتقد موقفا أو قرار، فأكون ممن لا يعجبهم العجب ولا الصيام في الرجب.
إلا أن حجم الإقبال على قراءة المقال وكم الاتصالات الهائل الذي تلقيته وأغلبها بتعليق واحد “لقد وضعت إصبعك على جروحنا فأقرحتها”، أثبت لي أنني أصبت كبد الحقيقة وأن ما كتبته كان لسان حال الكثيرين غيري. وفي واقع الحال، أنني لم أقصد بما كتبت تقريح الجروح وإنما خوفي على وطني دعاني إلى إطلاق نداء إغاثة للبحث معا عن بلسم يمكن في أبسط نتائجه أن يطيب هذه الجروح إن لم يشفها تماما.
ومع هذا فإنه عندما وقعت عيني على المقال منشورا، لا أدري لماذا راودني إحساس بانني كنت قاسيا في النقد ولا أخفي عليكم أنني بدأت حينها ألوم نفسي على ذلك. وبدون شعور بدأت ذاكرتي تتسلل إلى سالف الأيام، حيث عادت بي إلى أيام ما قبل عهد النهضة المباركة مستعرضة أمامي مواقف وأحداث وأيام ثقيلة بأعبائها وهمومها ومعاناتها. تذكرت كيف ونحن في الثانية عشرة من عمرنا طرقنا أبواب الغربة لطلب العلم، لأن الأفق الدراسي كان يغلق عند الصف السادس الابتدائي. تذكرت أخي الأصغر متمددا على سرير متهالك في مستشفى “طومس” بمطرح بين الحياة والموت نتيجة حادث سير مؤلم أثناء رحلة مدرسية. تذكرت الطبيب الوحيد في المستشفى وهو يضرب كفا على كف مبدئا عجزه عن فعل أي شيء لإنقاذ حياة المريض أمامه نظرا لانعدام وجود أبسط الأجهزة المطلوبة لإجراء عملية جراحية له. تذكرت عندما كان يحل علينا وقت الغروب والليل يسدل ستائره مجبرا الناس على العودة إلى منازلها المتهالكة.
تذكرت ونحن نروي عطشنا من ماء الشرب المشبع بكوكتيل من بيوض الديدان من الحوض الإسمنتي بالمدرسة السعيدية بمطرح. تذكرت وتذكرت وتذكرت حتى كدت أصل إلى نتيجة أن من عاصر تلك الظروف البائسة وعاش لياليها الحالكة السواد وأيامها المجهولة المآل، لا يحق له أن يتناول بالانتقاد العز الذي هو فيه الآن، بل عليه أن يسجد ألف سجدة وسجدة شكرا لله على النعمة التي هو فيها.
ولكن سرعان ما سمعت صوتا حزينا من أعماق التاريخ يهمس في أذني قائلا: نعم إن كل ما ذكرته عن الوضع أيام ما قبل النهضة صحيح، ولكنك ظلمته عندما اكتفيت فقط بالمقارنة بين الوضع ما قبل النهضة وما بعده، ولم تنظر إلى الظروف والأسباب التي أحاطت وتحيط بالوضعين موضع المقارنة. أنسيت أن مصادر إيرادات الدولة آنذاك كانت تقتصر على الرسوم الجمركية (العشور) التي كان يتم تحصيلها على حفنة من البضائع المفرغة على فرضة (ميناء) مطرح أنداك من قوارب شراعية قادمة من شبه القارة الهندية، وغرامات التدخين الذي كان ممنوعا في الأماكن العامة بالإضافة إلى إيرادات بسيطة هنا وهناك وبالطبع إيرادات النفط لاحقا. بحيث أن هذه الإيرادات التي بلغ إجماليها عام 1970 مبلغ 45 مليون ريال فقط، كانت بالكاد تغطي رواتب موظفي الدولة، وتكاليف الدفاع وحفظ الأمن وبعض تكاليف التطبيب والبلدية والتعليمية المتواضعة.
هل نسيت أن جميع من آثروا البقاء على هذه الأرض الطيبة في تلك الأيام، كانوا سواسية في الفقر والجهل والمرض والتخلف. فالخزينة كانت خاوية تقتل كل الطموحات ومعدومة لا يسيل لها لعاب الفاسدين إن وجدوا حينذاك.
من هنا فمقارنة الظروف المعيشية التي كانت سائدة قبل عصر النهضة المباركة بما تحقق من إنجازات بعده وحتى الآن ستبدو نوعا من الاستخفاف بعقل المواطن. فإيرادات الدولة التقديرية لعام 2016 من النفط والغاز لوحدهما على الرغم من الزلزال التآمري الذي هد أركان أسعار النفط، قدر لها أن تتجاوز ستة مليارات من الريالات العمانية. أما الكفاءات العمانية فسواء كانت من الكفاءات القديمة التي لبت نداء الوطن فعادت إلى أحضانه، أو من الحديثة التي أفرزتها النهضة المباركة، فإنها وبكل فخر واعتزاز تزين بإمكانياتها وكفاءاتها وجدها وطموحها وإنتاجها جميع مؤسسات القطاع الخاص والعام وكان لها الدور البارز في ما حققته الدولة من إنجازات.
لذا، فمقارنة نعيم الحاضر بجحيم الماضي لا بد أن يكون مصحوبا بالمقارنة بين أنهار اللبن والعسل والخمر التي تجري حولنا وحوالينا الآن وللأسف أصبحت لذة لبعض الشاربين، وبين جحيم الماضي بشحه وجدبه وبؤسه الذي كان يعاني منه الجميع على حد سواء. لذا فمحاولة البعض العزف على هذه السمفونية المملة للتهرب من إخفاقاتهم وفشلهم أو تلاعبهم ومحاولتهم عبثا إقناعنا بإمكانية مقارنة التفاحة بالبرتقالة محاولة عبثية، لأن المنطق والعقل لا يجيزان ذلك فالمقارنة تكون بين التفاحة وأختها أو البرتقالة ونظيرتها. فالمعروف أن وتيرة احتياجات حياتنا اليومية ومستوى طلبات عائلاتنا يتناسب طرديا مع مدخولاتنا. فإذا كان أحدنا يحجز لإقامته في السفر في فنادق ذات النجوم الثلاث عندما كان مديرا، لن يقبل أولاده بالإقامة في فنادق من نفس المستوى فيما لو أنعم الله عليه وأصبح مديرا عاما أو وكيلا أو وزيرا، وأغلبنا ينصاع لرغبات عائلته على أساس أن لهم حقا فيما يدخل إلى جيوبنا من خير ونعمة.
إنه نفس المنطق الذي ينظر به المواطن إلى رعاية الدولة له أيا كان وكائنا ما كان، إيمانا منه بأن ما يصب في خزينة الدولة من خير ونعمة هو حقهم وهم مصدره ويجب أن يعود إليهم بطريقة أو أخرى. أما خزينة الدولة فيجب أن نتفق على أنها شركة مساهمة عامة يملك فيها جميع أفراد الشعب عددا معينا من الأسهم، وبالتالي من حقهم أن ينعكس أثر هذه النعمة على أوضاعهم تناسبا طرديا وأن يكون مكيال توزيعها عليهم معتمدا على حجم المجهود ومدى الإخلاص في العمل وليس المنصب أو الوجاهة والمحسوبية والنفاق. وأي خلل في هذه المعادلة يعني وجود خلل لا بد من معالجته قبل فوات الأوان.
وللأسف فإنه في ظل الإمكانيات المتوفرة حاليا فإن واقع الحال لا يشير إلى توازن طرفي هذه المعادلة بل يشير إلى أيدي تلاعبت وتتلاعب بإحداثياتها بطريقة أو بأخرى. لذا، فإن ما تحقق من إنجازات حتى الآن كان من الممكن أن تكون أكبر وأضخم لو ما أهدر من مال وطاقات وإمكانيات وكفاءات. وما المنشور الأخير الذي أصدرته وزارة المالية والموجه إلى إدارات الشركات التي تملك الحكومة أكثر من 50% من أسهمها، إلا دليلا آخر على ما ندعيه فهو يكشف بعض العورات المالية والإدارية في هذه الشركات والتي يبدو أنها كانت تتستر حتى الآن بغطاء المجاملات والمحسوبيات والمصالح المشتركة. فالامتيازات والعلاوات المذكورة في المنشور والتي تطالب الوزارة الجهات المعنية بوقفها في خطوة تهدف إلى ترشيد وتخفيض المصروفات للتقليل من الآثار المترتبة على هبوط أسعار النفط وتخفيفا للأعباء المالية على الخزينة العامة للدولة، لو إطّلع عليها عامة الناس لسال لعابهم ولما بقي موظف من الإنس والجن إلا ونصب خيمة أمام إحدى هذه الشركات وترهبن فيها حتى يرزقه الله نعمة الانتماء إليها والتمتع بخيراتها، نذكر بعضا منها نقلا من المنشور المذكور على سبيل الصدمة: تأمين السيارات الخاصة بالموظفين وعائلاتهم، قروض مختلفة بدون فوائد، صرف مكافآت في مناسبات، تحمل تكاليف الدراسة لأبناء الموظفين، هبات نقدية عند الزواج أو عند الحصول على مواليد جدد، تذاكر سفر وحجوزات في الفنادق في الإجازات، مشاركة في جزء من الأرباح، مصروفات جيب عند علاج الأقارب في الخارج، والقائمة طويلة. علما بأن معظم موظفي هذه الشركات وخاصة الكبار منهم كانوا من الوافدين.
والملفت للنظر أن الوزارة في المنشور نفسه تقر بأن هذه الامتيازات والعلاوات بالإضافة إلى كونها عبئا ماليا على الدولة، تخلق حالة من التمييز وعدم الرضى بين الموظفين. وتضيف أنها في الغالب ذات طابع اجتماعي ترفيهي أو استهلاكي، ولا ترتبط بالأداء العام لهذه الشركات أو بمعايير محددة لصرفها، الأمر الذي أدى إلى التوسع والمبالغة في منح تلك العلاوات دون مبرر حسب ما جاء في المنشور (ونضع ألف خط تحت دون مبرر). ترى لماذا تأخر تدخل الوزارة في وقف هذه المنكرات حتى يومنا هذا وباعترافها؟ هل كان من الضروري الانتظار حتى وقوع الفأس في الرأس فنضطر للبحث في محلات العطارين عن خلطة عشبية علها تساعد على وقف هذا النزيف الغير مبرر في خزينة الدولة. صحيح من قال “رب ضارة نافعة” ويبدو أن “الجنرال الذهب الأسود” المتآمر عليه، سيكشف الغطاء عن مزيد من المستور من العورات.
فها هي إحدى الشركات التي تملك الحكومة 50% من أسهمها تعلن عن شطب استثماراتها في إحدى الشركات التابعة لها في إحدى الدول الآسيوية بمبلغ 75 مليون ريال (يعادل رأس المال المدفوع) ومبلغ آخر قدره 19 مليون ريال تقريبا عبارة عن خسائر العملات الأجنبية الناتجة عن انخفاض قيمة الاستثمار في تلك الشركة. جاء هذا القرار بعد تعرض الشركة التابعة إلى خسائر لسنوات متتالية وبعد تردد غير مبرر. والواضح من حسابات الشركة الأم أن هذه الخسائر قصمت ظهر الأرباح التي حققتها من نشاطها في السلطنة في العام 2015 إلى النصف مقارنة بتلك التي حققتها عام 2014. ليس هذا فحسب بل أجبرتها هذه الخسائر على تنفيذ برنامج تقاعد اختياري يشمل أكثر من 250 من موظفيها. والشركة نفسها كانت ستفرض عليها غرامة بملايين الريالات من قبل الجهات التنظيمية في البلاد بسبب مخالفتها للأنظمة المعمول بها والخاصة بنشاط هذه الشركة التي لم تعلن عن مسبباتها خوفا من إلصاق تهمة الإفراط في الشفافية بها أو من كيد الحاسدين لها على (تميزها في الإدارة).
كنت أتوقع بعد إعلان هذه الحقائق أن يقدم مجلس الإدارة استقالة جماعية اعترافا بفشلهم في إدارة الشركة، ولكن للأسف مرت كل هذه السقطات مرور الكرام وكأن قرار الاستثمار في أسواق لا يخفى حتى على الجاهل مدى اضطرابها وانعدام الاستقرار فيها وبالتالي خطورة الاستثمار فيها، كأن قرارا كهذا اتخذ في جزيرة من جزر الواق واق. كيف لا ونحن لم نجد أحدا يتحمل مسؤولية فشل هذه المغامرة بل على العكس وجدنا أعضاء مجلس الإدارة يتقاضون 250 ألف ريال سنويا كمكافآت وأتعاب حضور جلسات اللجان، وإن أكبر 5 مسؤولين في الشركة تضخ في حساباتهم أكثر من مليون وثمانمائة ألف ريال كرواتب ومكافآت تقديرا لنجاحهم في تحقيق هذه الخسائر. أما المساهمين المساكين بما فيهم الحكومة فتمت مواساتهم بإلهائهم عن طريق الإبقاء على توزيعات الأرباح كما كانت عليها العام الماضي سحبا من الأرباح المجمعة والمرحلة من السنوات الماضية وتطمين المستثمرين بأن الخسائر لن تؤثر على الوضع المالي للشركة وكأن ال 90 مليون ريال التي أهدرت بموجب هذه الخسائر كانت أوراق لعبة “المنوبولي”.
وأسوأ من هذا كله أن يدعي البعض ويفتخر بشجاعة من اتخذ قرار الانسحاب من تلك الأسواق وتجاهل غباء من اتخذ قرار الدخول في هذه المغامرة المضمون فشلها. فالأرباح الهائلة التي تحققها الشركة في السلطنة على حساب المواطن نتيجة احتكارها للخدمات التي تقدمها للمواطن والمقيم وبالتالي ارتفاع أسعارها، تبعثرها في مغامرات فاشلة دون حسيب أو رقيب. في حين يقضي هؤلاء ساعات طوال لإيجاد مبررات لاعتماد أقل الزيادات أو عدمها لصغار الموظفين، بل تقوم الدنيا ولا تقعد لو أن موظفا بسيطا تسبب من دون قصد في خسارة مبلغ بسيط فلا يحسم الأمر إلا بخصم المبلغ من راتبه. والظاهر أن مجالس الإدارات والقيادة التنفيذية في جميع الشركات تتمتع بحصانة لا يستطيع حتى الجني الأحمر اختراقها. كل هذا يحدث في ظل وجود عدة جهات رقابية وتنظيمية كان آخرها مركز عمان للحوكمة والاستدامة حيث أن من أولى مهام هذه الجهات تحسين مستوى أداء رؤساء وأعضاء مجالس إدارة الشركات بكافة أشكالها القانونية، وإداراتها التنفيذية، في مجال تطبيق مبادئ حوكمة الشركات.
وللعلم فإن سلطنة عمان تعد الدولة العربية الأولى التي أصدرت ميثاقاً خاصاً بحوكمة الشركات وذلك في عام 2002، كما أنها تصدرت المركز الأول على مستوى الخليج في مجال التشريعات والأنظمة المتعلقة بحوكمة الشركات.. وإذا لم نجد جهة رقابية تتجرأ فتتولى مهمة تعليق الجرس في رقبة الغول الذي يحمي المسؤولين في تلك المؤسسات من المساءلة على قراراتهم العبثية، فأخشى أن يحتاج الوضع إلى إنشاء سلطة أخرى تتولى حوكمة هذه الهيئات الرقابية.
ولا بأس أن نعرج قليلا في استراحة محارب، إلى بشارة طيبة ذات صلة بالموضوع السابق، تكرمت بها علينا لجنة الشباب والموارد البشرية التابعة لمجلس الشورى والتي انتبه أعضاؤها مؤخرا إلى حقيقة ساطعة مثل أشعة الشمس في رابعة النهار، أن الوظائف القيادية في مؤسسات القطاع الخاص قد سئمت إلى حد الغثيان من طول ارتماءها في أحضان ذوي البدلات وربطات العنق وباتت تتلهف إلى دفئ أحضان من يرتدون الدشاديش والمصار. صحوة وإن كانت متأخرة فهي بشرى خير وبركة لأصحاب المواهب والإمكانيات من الشباب العماني الطموح. فها هي هذه اللجنة المشكلة من ممثلي الشعب، تحاول الولوج إلى نفق يواجه كل من يحاول ذلك مقاومة لا مثيل لها وكأن هذا النفق مسكون بأقوام مما تبقى من جن وعفاريت سيدنا سليمان. وإلا فما هو السر في الفشل المستمر لتحقيق هذا الطموح على الرغم مما تزخر به عماننا الحبيبة من كفاءات شابة نرفع رؤوسنا لما يتمتعون به من مواهب وإمكانيات لا تقل عن تلك التي يتشدق بها الوافد إن لم تكن أفضل منها.
إذا فأين تكمن المشكلة والعقدة؟ إنها وبكل بساطة تكمن في أصحاب رؤوس الأموال من العمانيين أو من يديرها من الوافدين. إنها مسألة عدم الثقة الغير مبررة من قبل أصحاب رؤوس الأموال هؤلاء في إمكانيات الكادر العماني التي لم تستطع العقود الأربع من عمر النهضة المباركة تغيير قناعاتهم. حيث يصر هؤلاء ومن يمثلهم من الوفدين في إدارتها، على تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة الوطنية. وتفيد بعض المصادر أن الرؤساء والمديرين الوافدين في شركات ومؤسسات القطاع الخاص العماني تبلغ نسبتهم حاليا ما بين 70-80% ويتقاضون رواتب ومكافآت عالية وهو ما يتنافى مع خطط تعمين الوظائف التي تتبناها السلطنة. علما بأن المواطنين الذين يتقاضون راتبا أكثر من 2000 ريال في القطاع الخاص حسب إحصائيات العام الماضي يتجاوز عددهم قليلا 7000 موظف فقط من إجمالي 206 آلاف موظف عماني يعملون في القطاع الخاص..
إن أبناءنا أحق بالاستفادة من الامتيازات التي تغدق على غيرهم ممن لا يتفوقون عليهم في الإمكانيات أو المهارات أو القدرات. والحل الأمثل والأسرع لتحقيق هذا الهدف هو مطالبة جميع مؤسسات القطاع الخاص بتقديم جدول ذو مدى زمني قصير لإحلال الوظائف القيادية فيها والتي يتولاها الوافدون بكوادر عمانية تتولى وزارة القوى العاملة توفيرها لهم من خلال إعداد سجل بالكفاءات الوطنية المتوفرة لشغل الوظائف القيادية المقترحة للإحلال بموجب هذه الخطط. فالمشكلة ليست مستعصية ولكننا نحتاج إلى إرادة لحلها وتغيير قناعات البعض وأنانيتهم. فإذا كان ذلك ممكنا بالترغيب فأهلا به وإلا لن يبقى هناك خيار آخر غير الترهيب، وكفى تسريبا لثروات البلاد إلى الخارج وكفى استهانة بقدرات الشباب العماني.
فاللجنة الممثلة للشعب قد اجتمعت ومناقشتها للأمر يعني اعترافا بوجود تقصير في هذا الجانب. ولا شك أن اللجنة أمامها عدد من الملفات الخاصة بتجارب سابقة فاشلة. لذا فعليها أن لا ترجع إلى الوراء وإنما عليها أن تبدأ من حيث انتهت التجارب السابقة. ولعل البرنامج الوطني لإعداد رؤساء تنفيذيين عمانيين في القطاع الخاص والحكومي خطوة أولى في هذا الطريق. على أن يحمل الناجحون في هذا البرنامج مسؤولية تعمين الوظائف القيادية الأدنى منهم والتي يستميت من سيجلسون في كراسيهم في إبقائها وافدية.
ومن المفيد التأكيد على أنه عندما نتطرق إلى بضع نقاط باهتة هنا وهناك على امتداد خريطة بلادنا الحبيبة فليس الهدف من ذلك التشهير أو الهدم وإنما دعوة لتحمل المسؤولية أو المحاسبة إذا كان ذلك ضروريا. وكما قيل فإننا لن نصل إلى الحقيقة التي ننشدها حتى نعرف آراء مخالفينا فندرسها ونُحللها ونستفيد بما فيها. والمعروف أن النقد البناء والنصيحة هي الطريق الوحيد لتصحيح المسار وسد الثغرات وعلاج العيوب. والكبار يعتبرون النقد البناء والنصيحة وسيلة للمراجعة والتصحيح حتى لا يسترسلوا في خطأ وقعوا فيه، أو هوى انساقوا إليه. ونحن نتعشم في مسؤولينا أن لا يكونوا إلا كبارا، فقبول الخطأ وتصحيحه أفضل من التمادي فيه والإصرار عليه.
وأخيرا فإن كبوة هنا أو إخفاقا هناك أو تجاوزا في مكان آخر، لا يمكنه التقليل من حجم وأهمية الإنجازات التي حققتها البلاد في مختلف المجالات. فعلى سبيل المثال، فإن إنجازات سياستنا الخارجية التي يشيد بها كل الأشقاء والأصدقاء أصبحت مصدر فخر واعتزاز لنا جميعا ونحن نرى الدبلوماسية العمانية تخترق البحار والمحيطات تُطفئ نيران الحروب التي يشعلها بعض الحمقى في المنطقة والإقليم من أجل تمرير مشاريع معروفة ولأهداف معروفة أيضا. ولم يبالغ أحدهم عندما كتب أن عمان أبعدت شبح حرب عالمية ثالثة في المنطقة عندما أدارت بالحكمة العمانية المشهود لها والحنكة السياسية المعروفة عنها على مر العصور، المفاوضات السرية في أحدى مراحل التآمر العربي والدولي على الشقيقة سوريا. لأن مخطط ومهندس هذه الدبلوماسية حفظه الله ورعاه أراد أن يكون لعمان صفر مشاكل عمليا وليس للاستهلاك الإعلامي كما هو الحال مع بعض الدول، ليس مع دول الإقليم فحسب بل العالم بأسره. لذلك صممت السلطنة جسور علاقاتها مع دول العالم على مستويين اثنين لا ثالث لهما فهي أما شقيقة أو صديقة.
فلنحافظ على بلادنا ونتعاون جميعا للكشف عن البقع الباهتة هنا وهناك بأسلوب حضاري وبناء، لنعمل جميعا على تلميع تلك البقع أو إزالتها ولنحافظ على لمعان ما هو لامع أصلا في مسيرتنا وهو كثير. ولنجعل من بلادنا مشروعا حضاريا يرتوي الآخرون من فيض عطاءاته الجمة. وما إشادة الطرفين معا في كل النزاعات بالجهود الحميدة التي بذلتها السلطنة لإنهائها، وانحناء العالم تقديرا لسداد وحكمة سياستنا الخارجية إلا شهادة بأننا على الطريق الصحيح. إذا ففي ظل الأمن والاستقرار الذي أمنته لنا سياستنا الخارجية أليس من السهل تسخير جميع إمكانياتنا للعمل على رفع مستوى سياستنا الداخلية لتتوائم في الحكمة والسداد مع سياستنا الخارجية. طبعا ليس ذلك بمستحيل. ولكن يجب أن نضع الإصبع على الجرح أولا، وهذا ما نحاول تسهيله.

0 2582 27 مارس, 2016 التاسع والستون, سياسة مارس 27, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.