علاقة الفيلسوف والملك..في جدلية المثقف والسلطة

لـ

استذكر ملك المغرب الراحل الحسن الثاني في إحدى لقاءاته الصحفية المنشورة موقفا ضمنه كذلك في كتابه ” مذكرات ملك”، معتبرا هذا الموقف بمنزلة الدرس الأول الذي لقنته إياه الحياة في يومه الأول بالحكم الذي امتد لغاية 38 عاما، وكان هذا اليوم وفقا لتعبيره اليوم الذي دفن فيه ملكا ووليا للعهد بنفس الوقت، أما الملك فهو والده الملك محمد الخامس، أما ولي العهد فهو ذاته، حيث غدا منذ هذه اللحظة ملكا وخلع عن نفسه شخصية ولي العهد.
في هذا اليوم الجنائزي حيث تفاعلت مشاعر الناس على نحو فائض وممتزج، فائض بظهور علامات الحزن والتأثر الشديدين بجلاء ووضوح على الجميع، إجهاش بالبكاء وأصوات تتعالى معبرة عن حجم الفقدان، واختلط هذا الفائض مع مشاعر الدهشة جماعية والانبهار لتجلي مشهدية جلالة المُلك ومهابته. وسط هذه المشاهد والمشاعر المتضاربة يروي الملك الحسن الثاني أنه سمع رجلا طاعنا في السن، صادف أنه كان قريبا من الملك وهو يصيح بالمشيعين:” الجنازة يرحمكم الله لرجل.. الجنازة يرحمكم الله لرجل”. حكمة صدرت عن إنسان عادي لكنها لخصت الموقف بكافة صوره، أنصت لها الملك وأصغى فدخلت شغاف قلبه وعقله فأخذ يرددها في لقاءاته وفي بعض كتاباته، لتأتي إشارته إلى هذه اللحظة وتعليقه عليها في وقت لاحق باعتبارها أولى دروسه في الحكم والحياة، ففي نهاية المطاف وفي المعادلة الختامية للتجربة وفقا لتفسير الملك الحسن، فإن الملك يبقى إنسانا خاضع لنواميس الحياة وقوانينها مثله مثل أي إنسان، وإن هناك لحظات تفوق في تصاريفها ونفاذ قانونها أبهة المُلك وجلالة الحُكم والحاكم. لكن أنّى للإنسان العادي أن يدرك هذا المعنى الذي ارتسمت في ذهنه منذ لحظة التشكل صفوة الحاكم وقدرته اللامتناهية، بل وقداسته، فإذا كان موت ملك أو حاكم يشكل صدمة وحالة بين التصديق والتكذيب لدى الرعية، فما بالك في توجيه لائمة أو نقد لسلوك أو لنهج في الحكم؟
قداسة الحاكم وهبوط الملكية من السماء، أو أن تقرر السماء مصير الأرض باختيارها سلالة شريفة مباركة وتهبها دون غيرها حق ممارسة الحكم والإمساك بالسلطة وخضوع الآخرين لها، هذه الفكرة الخادعة وجدت قبولا بل واستحسانا لدى الغالبية الساحقة من البشرية على امتداد تاريخها، وكانت تبرر تقبلها لهذه الفكرة واستسلامها لها أن هذا الانقياد والتسليم للفكرة يجعلها، أي الشعوب، مصانة ومحل حماية ورعاية طالما هي في أفياء من تعتبرهم ظلال السماء على الأرض، ليغدو الحفاظ على هذا الفيء السماوي أولوية لا تقاربها أولوية أخرى حتى وإن أوغل الواقع المعيشي في رداءته وتقهقرقه، فإن الأولوية الحقيقية تبقى ماثلة في بقاء الظل السماوي وديمومته بل والدفاع عنه.
هذه المعاني العتيقة أخذ العقل البشري وعلى نحو تدريجي في التحرر والانفكاك منها، ويرجع فضل هذا التحرر بالدرجة الأولى إلى القلة المفكرة والمتفلسفة التي ومن خلال نظرها وتفحصها للأمور على نحو واقعي، أنها جهدت في سبيل كشف الأكذوبة الكبرى من قداسة الحاكم وعصمته، بل وحتى نقاء سلالته، وبالتبعية حصانة كل مسؤول في أي موقع من مواقع الحكم، وتجلى هذا الانكشاف أكثر ما تجلى في بديات عصر التنوير الذي عمّ أنحاء أوروبا، حيث انبرى عمالقة الفكر والأدب إلى التصدي للسلطات المطلقة وسعى هذا العقل الفلسفي إلى تنوير الناس وإفهامهم أن السلطات التي تمارس عليهم من قبل نفر قليل من البشر ما هي إلا نتاج تخلي المجموع عن حقوقهم الطبيعية، ليتوحد هذا التخلي الكلي على نحو مكثف في يد نفر قليل. واللافت في المسألة أن هذا التصدي وهذه المواجهة لم يأخذا غالبا صفة الجدية في الطرح والتعقيد في التناول، بل كانت السمة الغالبة في كثير من الأحيان هي السخرية، فليس أكثر إيلاما وإمعانا في الحاق الضرر بالفكرة المنزهة والمقدسة من هذه المقابلة والنظرة التي تتسم بالتسخيف والازدراء، وفي مقولة لاحقة تصف هذه الحالة، أطلق الفيلسوف الألماني نيتشه مقولته ” لا بد للأسود الساخرة من أن تجيء”.
كان الفيلسوف الفرنسي فولتير الأكثر جرأة في هذا المجال، والمتتبع لسيرته يلحظ حجم السخرية التي قابل بها ملوك عصره، وكان هو الأقدر على القيام بهذه المهمة ليس فقط لامتلاكه ناصية البيان مع عمق الفكرة، بل ولاحتكاكه وتجربته الطويلة مع عدد من الملوك الأوروبيين، ونتيجة هذا التواصل القريب صاغ ومعه الفيلسوف جان جاك روسو العديد من الرسائل الموجهة لعامة الناس، يكشفون الواقع المعيشي للطبقة الحاكمة ويقارنوه بالواقع الرديء الذي تعيشه غالبية الناس، ناقشوا كل الجوانب ذات الصلة بالحكم ووضعوا أفعال الملك وأسرته تحت المجهر ووجهوا لها الكثير من النقد. وفعلت هذه الرسائل وذاك التناول فعليهما على نحو يوازي نوعا ما أدوات الفعل الذي تؤديه هذه الأيام وسائل التواصل الالكتروني، وبلغ أثر هذه الرسائل لفولتير وروسو مرحلة عبّر عنها الملك لويس السادس عشر بقوله :” لقد دمر هذان الرجلان فرنسا”، ودمار فرنسا وفقا لمنظور الملك لويس هو سقوط الملكية، فيما كان هذا السقوط بالنسبة للمواطن العادي بداية نهضة وتنوير حقيقيين، وانتقال سياسي لمرحلة أكثر عدالة وإنسانية.
شخّص فولتير وروسو الواقع على نحو دقيق وعبّرا بإخلاص عن هموم الناس ومعاناتهم، ففي الوقت الذي كان الإنسان بالكاد يستطيع تأمين متطلباته الأساسية، كان القصر غارقا بالترف، وكثيرا ما كان يلجأ القصر إلى فرض ضرائب جديدة كي يواصل ساكنوه المضي في حياتهم الرغدة، حتى إذا بلغت الأمور مرحلة لم يعد بالإمكان فرض مزيد من الضرائب أخذ القصر في بيع بعض مقتنياته، ومن ضمنها أن الملك لويس باع نصف الخيل الموجودة في الاسطبل الملكي، فالتقط فولتير من فوره هذه الواقعة وعلق عليها بسخريته اللاذعة قائلا:” لقد كان من الأفضل إطلاق نصف الحمير التي تملأ البلاط الملكي”.
كان فولتير يدرك أن مساحة صبر واحتمال القصر على انتقاداته وسخريته اللاذعة ستبقى متواضعة، وحتى تكتمل سخرية الحياة دورتها تلقى آنذاك دعوة من ملك بروسيا، فردريك الكبير، والذي كانت بداخله نزعة للمعرفة والفلسفة على وجه التحديد، فوجد في فولتير ضالته كي يزيّن بحضوره المجلس الملكي الذي كان يعج بالعلماء والمفكرين على اختلاف اهتماماتهم، ومن مختلف أنحاء القارة الأوروبية، وكان الرهان قائما منذ لحظة دخول فولتير القصر الملكي على المدى الزمني الذي يمكن أن يحافظ فيه الرجلان، باعتبار الملك في نهاية المطاف كما وصفه الملك الحسن ليس أكثر من رجل، أن يحافظا على حبال التواصل والانسجام معقودة بينهما.
ومع توالي الأيام وتعدد المجالس بحضرة الملك، فإن حبال الود أخذت بالانفكاك، عروة عروة، ولم يستطع فردريك أن يذهب إلى أبعد ما يمكن أن يذهب إليه التكوين الشخصي للملك، إذ لا يستطيع في النهاية إلا أن يكون ذاته باعتباره حاكما مطلقا لم يعتد المناقشة أو التعريض، فأخذ يتذمر من سخرية فولتير وجرأته، وبدأ في الانقلاب عليه تدريجيا، فكان يعانده ويسعى إلى إزعاجه عبر هذه المناكفات في مجالس العلم والحوار، وفي المقابل فإن مفكرا مخلصا لفكره بحجم فولتير، لم يكن متوقعا منه السكوت عن هذا التعريض وهذا الهجوم الملكي برحابة صدر مع ابتسامة مريرة كما يفعل الكثيرون، فلم يتردد فولتير للحظة عن إظهار عيوب طروحات الملك وآرائه غير المكتملة أو التي تجانب الصواب، وكثيرا ما كان يردد في تلك الآونة :” لست أملك صولجانا، ولكني أملك قلما”. ومع تنامي الوشايات ضد فولتير والدسّ له عند الملك، كشف الأخير عن حقيقة نظرته لهذا المفكر والأديب باعتباره ليس أكثر من برتقالة، يعصرها ثم يلقي بالقشر بعيدا. غير أن الفيلسوف لم يترك للملك فرصة التخلي عنه والقذف به على هذا النحو المهين، فهرب من القصر الملكي ليستقر في منطقة آمنة، بمنأى عن ملك فرنسا وملك بروسيا، واتخذ بيتا ريفيا في جنيف.
بدا الملك مهزوما أمام إرادة فولتير وتصميمه، إلا أن حبه وشغفه بالفيلسوف حفزه كي يغض النظر عن هروبه فلم يسع إلى تعقبه، وأصاغ لصوت الحكمة الذي يبزغ أحيانا في عقل الملوك، وأكثر من ذلك فإنه كتب رسالة لفولتير عبر له فيها عن مدى إعجابه بل واندهاشه بقدراته الفكرية، ولأن هذه الرسالة تعتبر في إحدى أوجهها تمثل اعترافا قسريا من حاكم لمثقف، وهي من الوقائع التي لا تتحقق إلا نادرا، فإني هناك فائدة في نقل فقرات منها اعتمادا على نصيتها الواردة في كتاب قصة الفلسفة لـ “ول ديورانت”. ورغم أن هذا النص مذكور في غالبية الكتب التي تناولت سيرة هذا الفيلسوف، إلا أن النص المشار إليه في قصة الفلسفة هو أوفاها وأكثرها دقة في التعبير.
” لولا جنوني بحب عبقريتك النبيلة لما استطعت أن تهرب بريشك وتنجو بنفسك…هل تحب سماع أشياء حلوة، حسن جدا سأخبرك بعض الحقائق…ما جاء كاتب قبلك أبدا بمثل حصافتك وذوقك وبلاغتك، إنك ساحر الحديث، وتعرف كيف تُدخل المتعة إلى قلوب الناس وكيف تعلمهم في وقت واحد. انك أعظم مُغر عرفته إطلاقا. وقادر على إثارة حب الناس إذا أردت، ولديك من نعمة العقل ما يمكّنك من الإساءة لمن يعرفونك مع ضمان تسامحهم معك، وباختصار فأنت كامل لو لم تكن إنسانا”.
هذه المواقف وسواها كثير هي التي ساهمت في رسم حدود واضحة للعلاقة بين الفيلسوف والملك، المثقف والسلطة، في فترة التنوير التي أسست للحداثة المعاصرة ومن ثم انتقالها الراهن إلى مرحلة ما بعد الحداثة، في هذا العالم لم يعد مقبولا أو حتى لم يعد يخطر بالبال أن تكون هناك تبعية أو حتى مجاملة من جهة المثقف تجاه السياسي أو الحاكم، وإذا ظهرت حالة أو نموذجا مغايرا لهذه العلاقة، فإنه بالتأكيد سيكون نموذجا مستهجنا وغريبا، بل وغير مفهوم، حتى من جهة الحاكم أو المسؤول نفسه، فليس دور المثقف التقرب أو التزلف للسلطة حتى وإن كانت متفوقة ومخلصة في أدائها، فهذا وفقا للمعايير الإنسانية والفلسفية المتقدمة هو واجبها أولا وأخيرا، ولا يستدعي إنجازها إن كان صائبا مدحا أو ثناء، من هنا نعرف السبب الذي من أجله لم يستوعب رئيس الوزراء البريطاني ، ونستون تشرتشل وهو يقرأ المقال العطر الذي دبجه بمديحه والإشادة بحسن سياسته في إدارة البلد وهي تخوض غمار الحرب العالمية الثانية، والذي كتبه أستاذ الفلسفة بجامعة أكسفورد، إيشيشا برلين. قرأ تشرتشل المقال المنشور في الصحافة البريطانية، وأعاد قراءته، ثم أمسك بقلمه وكتب على هامش المقال عبارته التي تلخص الموقف:” Too good to be true” وترجمتها “جميل جدا إلى درجة أنه لا يمكن حقيقيا”. هذا باختصار واقع التجربة التاريخية بين الطرفين عندهم، فكيف حالها عندنا؟
الواضح أن واقع الحال عندنا في علاقة المثقف، بل وحتى الجمهرة الغالبة من الناس تجاه السلطة هو ذاته الذي كان عليه في الغرب فترة ما قبل عهد التنوير، بل ربما أكثر، ليس ذلك فحسب بل إننا حتى في أزهى فترات الحضارة العربية، وهي الفترة الممتدة من القرنين الثالث والرابع الهجري، نجد المثقفين أو الأغلب الأعم من هذه الطبقة، وهم في حالة من الإذعان والتمجيد والتعظيم للسلطة أي كان شكلها وتراتبيتها، وأي كانت صفتها ومشروعيتها، وهذه المسألة لا تختص رموزا معرفية من الطبقة الثانية أو الثالثة، بل نجدها وعلى الأخص في الطبقة الأولى من مفكرين وشعراء وأدباء وعلماء، الذين رهنوا قدراتهم وابداعاتهم بالقصر وبلاطه، والنماذج كثيرة متنوعة، والذي يحضرني منها، هذه النصوص التي صاغتها قامة شامخة في الأدب والفلسفة حتى لقب صاحبها بأديب الفلاسفة، وفيلسوف الأدباء، لسعة ثقافته وجمالية أسلوبه وموسوعية معارفه، إنه الأديب والفيلسوف والناقد الاجتماعي، أبو حيان التوحيدي. ورغم هذه القدرات والمواهب الفذة للرجل، إلا أنه رهنها كلها خدمة للأمير والوزير، يسترضيهم ويستعطفهم أن لا يغفلوا عن اسمه عند توزيع المكارم والعطايا، والنص الذي أرسله لأبي الوفاء المهندس وهو من رجالات الدولة المؤثرين في زمانه يقول مستعطفا:” خلّصني أيها الرجل من التكفف، أنقذني من لُبس الفقر، أطلقني من قيد الضرّ، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، استعمل لساني بفنون المدح، اكفني مؤونة الغداء والعشاء.. قد أذلني السفر من بلد إلى بلد، وخذلني الوقوف على باب باب، ونكرني العارف بي، وتباعد عني القريب مني”.
لا شك أنها تجربة مريرة وإنكسار عظيم لعملاق وعلم من أعلام الحضارة العربية الكبار مثل التوحيدي، إلا أنه مؤاخذ على فعلته لا لشيء إلا لأنه جسد في أدبه وفكره جانبا من الثقافة العربية التي تقضي بأن الناس على دين ملوكهم، كان الأجدى به أن يلتقط إحساسا مثل إحساس نيتشه بذاته وتقديره لها، ونظرة خاصة تجاه السلطة عندما قال :” لدي إحساس واثق بالتميز تجاه كل ما يُدعى اليوم بالنبالة، وإنني لن أمنح القيصر الألماني الجديد ” فريدريك فيلهلم الثاني” حتى شرف أن يكون حوذيا لي” وعلى هذه الهيئة تستقيم المعادلة، ولكن أنّى ندركها؟.

0 1604 04 أبريل, 2016 السبعون, ثقافة وفكر أبريل 4, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.