إرادة الحياة وإشكالية الصراع

كتب بواسطة هالا مقبل

هل اكتفى الإنسان بالاستجابة إلى الدافع الغريزي نحو إرادة الحياة ؟ أم أن هذا الدافع تحول إلى صراع ؟ من الطبيعي أن إرادة الحياة عندما تتجذر وتنمو تتحول إلى صراع من أجل الوجود ( إرادة القوة )

الإنسان بخصائصه وطبائعه، وتركيبه العضوي والعقلي والروحي، هو العنصر الأساسي في كل تقدم مدني وحضاري، إذ هو كائن عاقل ذو قوة روحية، تتضح من خلاله حكمة الله في خلقه لإقامة الحق والعدل، وعمارة الأرض وبناء المدنيات؛ فهو كائن متميز في قدراته وخصائصه، وبصفة خاصة ملكاته العقلية، وما يتصل بها من أنماط السلوك وشواهد القدرات.
وقد فطر الإنسان على إدراك وجوده والتشبث به ؛ فهو منذ البداية على درجة عالية من الإدراك والتصور المصاحب للشعور بالبقاء والالتفات إليه فيما يطلق عليه إرادة الحياة، والإرادة تصميم واعٍ على أداء فعل معين مع وجود هدف ووسائل لتحقيق هذا الهدف، فالإرادة إذن وليدة قرار ذهني سابق وهي خاصية مستقلة عن المؤثرات والظروف الخارجية، وإرادة الحياة هي غريزة يحقق بها الإنسان وجوده ويحافظ بها على نوعه، ويناضل من أجل بقاء صورة الحياة التي توافرت لديه، وهي غريزة راسخة لدى الإنسان ومفروضة عليه بالقوة. فمنذ بداية الخلق بدأ الإنسان باستكشاف كوامن الأرض بحثا عن أسباب العيش مستخدما ملكاته العقلية والمختلفة من تفكير وتحليل وربط وبيان ، ضمن الموارد والإمكانات المتاحة لديه وذلك بهدف إعمار الأرض والسيادة عليها، وبالخبرة والتجربة وبدافع من السلوك الغريزي المرتبط بالإدراك والتمييز توصل الإنسان إلى إقامة المجتمعات وترسيخ وجوده على الأرض.
ولكن هل اكتفى الإنسان بالاستجابة إلى الدافع الغريزي نحو إرادة الحياة ؟ أم أن هذا الدافع تحول إلى صراع ؟ من الطبيعي أن إرادة الحياة عندما تتجذر وتنمو تتحول إلى صراع من أجل الوجود ( إرادة القوة ) صراعات بمختلف الأصعدة على مستوى الإنسانية جمعاء أفرادا وجماعات وتكتلات وأحزابا ، وهي الدافع الحقيقي لكل ما نراه الآن في المجتمعات الإنسانية من تكالبات على موارد العيش ومصادر الحياة بحثا عن القوة ، وقد وضع الإنسان منذ البداية مجموعة من القوانين التي تحكم المجتمعات حتى يسوغ لنفسه إمكانية الوصول إلى أسباب السيادة والقوة فيما سماه إقامة الحق والعدل في مفاهيم تأطرت عند المثاليين ، في أن الحق قيمة مطلقة لا تتغير وهي ثابتة في إقامة المدينة الفاضلة ، ومنهم في العصر الحديث من يرى أن الحق صفة يضيفها العقل إلى الأفعال والأقوال تبعا لتغير الظروف وبالتالي يختلف الحق باختلاف من يصدر الحكم ، وهم ينطلقون من فكرة تمجيد العقل والإشادة به ، وتفرعت من هذين التصورين الأفلاطوني والعقلاني عدد من القوانين الوضعية التي دأبت تحاول إقامة مجتمعات تحقق التوازن بين إقامة الحق وتحقيق التطور باستغلال الموارد والطاقات وفرض السلطة ، والثابت عبر التاريخ أن هذه القوانين لم تحقق نجاحا فاعلا إذ إن الشواهد التاريخية تثبت أن كل الإمبراطوريات التي قامت بنيت على مبدأ إرادة القوة وليس إرادة الحياة والحفاظ على النوع، فلم تجنِ إلا مزيدا من القتل ومزيدا من الدمار وتجذيرا للصراع.
وبالتالي يتحتم علينا أن نجدد النظرة إلى الواقع الإنساني من خلال المنهج الرباني وتوجيهاته لنبني واقعا حضاريا يتماشى مع الفطرة الإنسانية السليمة، فهو وحده القادر على تقديم تصور للمجتمع وفق المبادئ والقيم والأخلاقيات المنبثقة من النظرة المادية والروحية للإنسان ليحل السلام والحق محل الصراع.
فالمنهج الرباني هو الموجه والمرشد الأكبر للإنسانية وسلوكها المتوازن وسبيلها الوحيد إلى التقدم في المجالين الروحي والمادي القائمين على النشاط العقلي المعتمد غلى أسس الإيمان وفق المنهج السليم في السلوك، بعيدا عن التطرف والتعصب، مع ضرورة الانفتاح غلى الثقافات المعاصرة في ظل التبادل والتعاون الحضاري بين الشعوب لتحل إرادة الحياة وحفظ النوع الإنساني محل الصراع .

السبعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

هالا مقبل

التعليقات

  • الانسان عندما حمل الامانة المترتبة على كونه عاقلاً مكلغا كان جاهلاً بالعواقب و النتائج لهذه الامانة من حيث السلوك فالمستقبل على الارض و طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الشعوب و هذا ما يفسره وسيلة غيواية الشيطان عندما وسوس لادم بالخلد و الملك الذي لا يبلى و هذا يعكس حقيقة الانسان و علاقته بالطبيعة المحيطة به.
    شكراً على هذا المقال العميق في التحليل في النفس البشرية.

    • أبرز مفسدات للفطرة هي التبعية الضالة والتفكير الضار والجري وراء المغريات المادية لذلك لا بد من الابتعاد عنها ومحاربتها بكل قوة للعودة بالفطرة الإنسانية إلى النقاء كما أرادها الله.

  • الحق واضح بين لا يحتاج إلى تأويل والإنسان يهتدي له بفطرته السليمة هذا عندما تكون الفطرة سليمة أما في تفسير النظريات والاتجاهات التي اعتمدها الإنسان في توجيه الحق على هواه فهي بدائل مزيفة يلجأ إليها للتضليل رغم علمه بفسادها

  • خلق الله الإنسان على الأرض لحكمة بالغة ، وغاية سامية هي الخلافة في الأرض وعمارتها ، وقد استخلف الله الإنسان في الأرض بقصد عمارة الكون ، وخصه بأفضل المَلَكات حتى يكون قادرا على أداء هذه الرسالة ؛ فكل ما أوتيه الإنسان من أعضاء ومَلَكات ظاهراً وباطناً إنما الهدف الحقيقي منها هو خلافة الله عز وجل في الأرض ؛ بتنفيذ أحكام الله ، وعمارة الأرض وتشييد الحضارات . ولكن طبيعة الإنسان ورغبته بالتسلط غلبت على الغاية العظيمة التي خلق لأجلها وهي عمارة الأرض بالحق ولا يمكن أن تتحقق العمارة إلا بالعودة إلى المنهج الرباني العالم بخفايا البشرية … تحيتي لكم في مجلة الفلق الإلكترونية

اترك تعليقاً