للعرب جامعة …. تفرقهم تسفك دماءهم!

تكالبت على الأمة العربية الأمم والإمبراطوريات وكأنها تثأر لما ألحقت بها الإمبراطورية الإسلامية بقيادة عربية من هزائم بعد ما فرضت نفسها بما جاءت به من مبادئ ومثل عالية سيدة على العالم. حيث ارتضت الأمة العربية لنفسها أن تكون مفعولا بها وتعيش على أطلال الإمبراطورية المنهارة تكتفي بالتقوقع بين أبيات الشعر وصفحات الدواوين، تتغنى بأمجاد ولت بعد أن كانت فاعلا مرفوعا بألف ضمة وضمة وألف عزة ومجد يحسب لها العالم ألف حساب.

المعروف لغويا أن كلمة الجاهلي مشتقة من الجهل، إذا فلا بأس لأن نلتمس عذرا لمن يثير التساؤل التالي: لماذا سمي عصر ما قبل الإسلام بالعصر الجاهلي على الرغم من أن المجتمع في الجزيرة العربية كان يزخر بأعداد لا بأس بها من الحكماء والشعراء أمثال ورقة بن نوفل وأكثم بن صيفي التيمي وعبد الله بن جحش وعمرو بن كلثوم التغلبي والنابغة الذبياني وقس بن ساعدة الأيادي وزهير ابن أبي سلمى والقائمة تطول؟. وفي هذا السياق يقول المؤرخون أن الجهل هنا لا يقابله العلم، وأنما يقابله إنعدام العقل والمنطق المتمثل في الغضب والعصبية والانفة والجهل في كثير من الأعمال والأحكام والتصرف المغلوط البعيد عن العقل والمنطق وهو ما عرف به مجتمع الجزيرة العربية حينذاك.
وما الحروب العبثية التي دارت بين قبائلها لأسباب تافهة إلا دليلا على هذا الجهل، فحروب على إختلاف في الإنتفاع بالماء والمرعى، وحروب لإشباع غريزة السلب والنهب وحروب سعيا وراء السيادة والشهرة. فرأينا حربا تنشب بسبب فوز وخسارة في سباق خيل تدوم أربعين عاما، وأخرى تنشب بسبب تحقير رجل لآخر لم يؤد ما عليه من دين له في ذمته وحرب ثالثة تنشب بسبب جهالة رجل يفتخر بقومه قائلا: من كان يعرف نفسه أعز قبيلا مني فليضرب هذه الرجل بسيفه، ويمدها فيضربها رجل من قبيلة أخرى فيقطعها فتنشب حرب بين القبيلتين. وفي الحقيقة فإن هذه الحروب كانت وجها واحدا فقط من وجوه الجاهلية إلى جانب أوجه أخرى المتمثلة في وأد البنات والقبلية البغيظة ونصرة القريب ظالما كان أو مظلوما (ظالما لا أن ينصحه بتجنب الظلم كما يدعو إليه الإسلام وإنما يقاتل إلى جانبه لأنه من قبيلته على الرغم من أنه يعرف أن قريبه ظالم) وليس آخرها عبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع.
وشاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن تسطع شمس الإسلام بظهور الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم الذي أحدثت بعثته تحولا تاريخيا في حياة إنسان الجزيرة العربية تحت أجنحة الدولة الإسلامية التي أسسها عليه الصلاة والسلام في المدينة المنوّرة ثم في مكة المكرمة. حيث قضى الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثا وعشرون عاما من حياته ينتف ريش الجاهلية عن صقور هذا المجتمع بما جاء به من مبادئ إنسانية رحمانية. فكان التغيير، وأصبحت الأمة التي كانت همومها وآمالها لا تتعدى هموم وآمال القبيلة، أصبحت خير أمة أخرجت للناس. إمتدت بفضل مبادئها السمحة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا حتى أضحت إمبراطورية عظمى مترامية الأطراف يحسب لها ألف حساب وحساب، إلى أن حلت عليها اللعنة مرة أخرى وعادت من جديد إلى جاهليتها فانحسرت واندثرت وأصبحت لقمة سائغة على مآدب اللئام فتمخضت عن تلك الإمبراطورية العظمى التي تآكلت أطرافها رويدا رويدا ما سمي بدويلات الطوائف وأصبحت تتوارى في زوايا المسرح العالمي.
ومنذ ذلك الحين تكالبت على الأمة العربية الأمم والإمبراطوريات وكأنها تثأر لما ألحقت بها الإمبراطورية الإسلامية بقيادة عربية من هزائم بعد ما فرضت نفسها بما جاءت به من مبادئ ومثل عالية سيدة على العالم. حيث ارتضت الأمة العربية لنفسها أن تكون مفعولا بها وتعيش على أطلال الإمبراطورية المنهارة تكتفي بالتقوقع بين أبيات الشعر وصفحات الدواوين، تتغنى بأمجاد ولت بعد أن كانت فاعلا مرفوعا بألف ضمة وضمة وألف عزة ومجد يحسب لها العالم ألف حساب.
ومرت الأيام والسنون والعقود والقرون والأمة مستغرقة في أحلامها حتى إنتبهت ذات يوم على ضجيج باب ضخم يفتح أمامها على مصراعيه يدعوها للولوج منه إلى صرح كبير قيل أنه “التحالف العربي” ثم “الاتحاد العربي” أو “الجامعة العربية” وأخيرا كان للغة والسياسة القول الفصل فاتفق على تسميتها “جامعة الدول العربية”.
المعروف أن فكرة إنشاء الجامعة ثمرة إقتراح بريطاني كان الغرض منه تسهيل فرض سيطرتها على أعضاء هذا المولود في ما إذا توفرت ظروف نموه ومن ثم الحصول على امتيازات في أراضي الدول التي تنضم إليها أسوة بما حصلت عليه الولايات المتحدة الأمريكية من امتيازات في شبه الجزيرة العربية والاتحاد السوفيتي في دول شمال إفريقيا العربية. ويبدو أن الذين حضروا ولادة هذا المولود الجديد الذي ولد مبتورا، نسوا في غمرة ما أحاط بهم من فرح أو خوفا من الأم الحنون للمولود (بريطانيا) أداء الأذان في الأذن اليمنى للمولود والإقامة في أذنه اليسرى فنما المولود هزيلا ضعيفا وكأنما به مس، فرأيناه يتخبط ولا زال خبط عشواء.
فمراجعة دقيقة لنصوص ميثاق الجامعة لا تدع مجالا للشك بأن واضعيها لم تكن لديهم إرادة تأسيس منظمة قوية تتمتع بسلطات قوية ومؤثرة على من ينضم تحت لوائها بل كان الهدف إرضاء الأم الحنون، بريطانيا. ويبدو أن محاولات مقصودة قد بذلت لإيجاد هذه المؤسسة بشكل ضعيف لا تشكل أي خطر على مصالح الغرب في أي وقت من الأوقات. فالمادة السابعة من الميثاق مثلا أوضح دليل على عدم جدية الواقفين خلف هذا المشروع، وإلا ففي ظل تباين أنظمة الحكم في الدول الأعضاء فيها من ممالك وإمارات وجمهوريات، أنظمة الحكم في أغلبها لا تمثل شعوبها، أي عاقل يتوقع أن يحصل على إجماع على قرارات هذه الجامعة حتى تكون ملزمة التطبيق. هذا ما تنص عليه المادة السابعة من الميثاق وتضيف أنه في حالة عدم تحقيق الإجماع تكون القرارات ملزمة فقط لمن يقبلها، أليس هذا هراءً وهرطقة. وقد أثبتت التجارب حتى الآن أن إجماع العرب واتفاقهم على شيء نادر الحدوث.
كذلك فإن المادتان الثانية والتاسعة تتركان للأعضاء حرية التعاون فيما بينهم حسب رغبتهم واختيارهم، لذا وجدنا أن التعاون يتم فيما بين الأنظمة المتشابهة فقط وقد يكون في بعض الأحيان مخالفا لمصلحة أعضاء آخرين. لذلك شهدنا ظهور تكتلات جانبية مثل إتحاد المغرب العربي ودول مجلس التعاون الخليجي وجبهة الصمود والتصدي وهذا دليل واضح على إنعدام ثقة الأعضاء أنفسهم في هذا الكيان المولود مبتورا.
وفي الحقيقة فإنه على الرغم من كل الحقائق السلبية المذكورة، يجب الإعتراف أن مسيرة الجامعة تخللتها فترة زمنية ذهبية نوعا ما وذلك أثناء فترة الحركة القومية العربية التي قادها جمال عبد الناصر. فخلال فترة حكم هذه القامة الوطنية والعروبية ذات الشخصية الكارزمية تيسر للمواطن العربي أن يلمس نوعا من الإحساس بالكرامة والنخوة بانتسابه إلى هذه المنظمة ومن خلالها إلى هذه الأمة وأن يرفع رأسه بين الأمم ويفتخر أنه عربي، أليس هو القائل إرفع رأسك أيها العربي فقد ولى عهد الإستعمار. ولكن للأسف الشديد كان الحلم الجميل قصيرا، فبموت هذه الشخصية الفذة عادت حليمة إلى عادتها القديمة. وبدأت سلسلة المؤامرات المحاكة داخليا وخارجيا ضد الأمة، وأصبحت الجامعة تتحكم فيها المصالح الذاتية والأهواء الشخصية والتسابق على التآمر على العروبة نفسها وقضاياها المحقة والإرتماء في أحضان المشاريع المعادية للعرب والعروبة، فتفاقمت الخلافات والنزاعات واستفحلت حتى تحولت إنتصارات الأمة إلى خيبات وهزائم متتالية.
أصيبت الأمة بالشلل مع إنكسارعمودها الفقري بإبعاد مصر عنها إثر زيارة رئيسها للدولة الصهيونية وتوقيعه معاهدة سلام معها، ما أفقد الجامعة العربية وعيها وقدرتها على التفاعل مع الأحداث العالمية المتلاطمة. وزف علم مصر العروبة إلى علم الصهاينة مقابل مهر مؤجل ألا وهو إسترداد سيناء جثة هامدة بدون روح مصحوبا باعتراف رسمي بالجرثومة السرطانية التي تسللت خفية إلى أعضاء أخرى من جسد الأمة ترمي الواحد تلو الآخر في شباك مصالحها ومؤامراتها من خلال التطبيع المعلن أو المستور.
جامعة الدول العربية غدت قاعدة متقدمة لتمرير مؤامرة الربيع العربي ضد الأمة العربية، فأصبحت أداة لتنفيذ البند السابع ضد أشقاء عرب واستدعاء الناتو لقصف عواصم هي فخر العروبة وتاجها، بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء، وذلك عندما أمسك زمام أمور هذه الجامعة أعراب نبلاء تنفر العروبة من قبح مؤمراتهم والإسلام من شر خبثهم، وعندما إستبدلت مقاعد الجامعة ببراميل النفط وأهدرت كرامتها على منحر التكفير والعمالة لبني صهيون بفتاوى شرعية على لسان وعاظ السلاطين رضعوا لبن النفاق حتى الثمالة ونفخت كروشهم من الجيف التي ترمى لهم عند أبواب قصورهم.
لقد تعودت شعوب العالم حتى الأن على وجود قيادات فاسدة على إستعداد لبيع ذممهم في سوق النخاسة لمن يدفع أكثر لتمرير قرارات في هذه المنظمة الدولية أو تلك لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، وسرعان ما نجد دولهم (ليس الدول العربية) تتبرأ من قراراتهم على وجه السرعة وتشرع في إتخاذ إجراءات الحساب والعقاب ضدهم. أما الدول المنتسبة للعروبة ولحقتها بعض الدول الإسلامية مؤخرا، فدون غيرها من دول العالم، فزعماؤها وقادتها على إستعداد لبيع ذمم دولهم وليس ذممهم فحسب مقابل حفنة من الدولارات أو براميل من نفط، لذا وجدناهم ينتقلون بمواقف دولهم من معسكر إلى معسكر آخر مناقض تماما للأول دون مبرر وبلا حياء أو خجل.
وفي إطار هذا المبدأ إستخدمت بعض الدول الرئيس العراقي الراحل صدام حسين درعا أو هكذا خيل لهم، وبغطاء من جامعة العرب، وتأجيج من قوى الإستعمار الجديد، كخط أمامي في وجه الثورة الإسلامية في إيران، لوقفها عن تصدير ثورتها إلى دول الجوار كما إدعوا مقابل وعد بضخ المليارات في خزينة العراق، على الرغم من أن تلك الدول كانت في محور سياسي وعقدي مناقض للمحور الذي كان فيه الراحل صدام حسين. فكانت الحرب العبثية بين إيران والعراق والتي أتت على الأخضر واليابس وأعادت الدولتين عقودا إلى الوراء. وعندما طالب الرئيس صدام بالمكافأة على ما قام به وكما وُعد، قوبل بنكران الجميل كما شعر به هو، فكان غزو الكويت واحتلال عاصمة عربية من قبل عاصمة عربية أخرى. ونظرا لعجزها وشيخوختها إستدعت جامعة العرب أعداء العرب لتحرير الكويت العربية من عراق العروبة، فكانت عاصفة الصحراء بسيناريو هوليهودي لعب فيها العرب دور الكمبارس، وسقط العراق ضحية عهر سياسي فدمر ما بقى منه وها هو حتى تاريخه يكتوي بنار الطائفية والتبعية لهذه الجهة أو تلك.
ليبيا التي توشح زعيمها يوما تاج إمبراطورية الولايات المتحدة الإفريقية سحلت جثته في شوارع بنغازي وفعل في بلاده ما لم يفعله هولاكو في بغداد ليس لأن زعيمها كان دكتاتورا، فهو كان كذلك، ولكن لأنه فضح هذه الجامعة وعلى الهواء مباشرة عندما كشف صراحة أن التواقيع على البيانات الختامية لاجتماعات وقمم الجامعة تشترى بالبترودولار قبل إعداد البيان الذي يكون جاهزا قبل بدء الإجتماع أو القمة ويذاع في الختام كجزء من البروتوكول. ليس من المهم إن كانت الجماهير العربية تؤيد سياسات القذافي الداخلية أو الخارجية أو لا تؤيدها، ولكنها بالتأكيد كانت تجد فيما كان ينشره القذافي من الغسيل العربي القذر مرآة تعكس وتفضح ما كان يحاك في أروقة هذه الجامعة من مؤامرات ضد من تمثلهم هذه الجامعة من شعوب الأمة العربية. واستنادا إلى شريعة الأعراب، كان لزاما على الأمين العام للجامعة الذي لا يتجاوز دوره دور سكرتير أو حامل ختم من نصبوه شاهد زور على عرش الجامعة، أن يقطع اللسان التي كانت تكشف عورات جامعته، وهو معمر القذافي، فتم ذلك باستدعاء حلف الشمال الأطلسي لغزو هذه الدولة العربية واستبيحت ليبيا وما تزال على مرأى ومسمع من هذه الجامعة بل وبمباركتها ومشاركتها.
سوريا، قلب العروبة النابض، شرعنت الجامعة لبعض الأنظمة التوتاليتارية بذريعة نشر الديمقراطية فيها أن يسلطوا عليها كلابهم المسعورة والتي استقدموها من دول لا وجود لإسماء بعضها على خارطة العالم بعد أن فرمل الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن إستجداء جامعة العرب غزوا أوروبيا على سوريا العروبة بهدف الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد (إتفقنا مع هذا النظام أو إختلفنا) ونشر ديمقراطية التكفير فيها أسوة بما فعلوه في ليبيا.
هل تعلمون لماذا؟ لأن الرئيس السوري رفض إعتناق ديمقراطية الدكتاتوريين التي عرضها عليه وزير خارجية إمريكا كولين باول، والتي كان من أول شروطها بل شرطها الوحيد الطلاق مع فخر وشرف الأمة ألا وهي المقاومة في فلسطين ولبنان والدخول في زواج كاثوليكي مع البنت الغير شرعية للإستعمار ألا وهي إسرائيل. وللأسف إستخدمت الجامعة شر إستخدام لتحقيق هذا الهدف الذي يفترض أنها تأسست من أجل مقاومته فإذا بها تعمل خطابة لهذه البنت الغير شرعية، فيعلن ممثلوا أنظمة العرب في جامعة العرب تحت تأثير الدولار والبترول تجميد عضوية سوريا العروبة ويسلمون مقعدها إلى مدعي الثورة والديمقراطية الخارجين من رحم رعاتهم فخر الدكتاتورية تحت علم كان يوما ما رمزا للإحتلال الفرنسي والقوى الإستعمارية. وها هي سوريا منذ سنوات خمس تستباح حرماتها وتسبى نساؤها وتباع في سوق النخاسة وتدمر بنيتها التحتية واقتصادها الذي كان مثالا لاقتصاد ناجح حقق الإكتفاء الذاتي لهذا البلد وجنبه من الوقوع في شرك الديون. ها هي سوريا تصارع للبقاء والمحافظة على ما تبقى من شرف وكرامة هذه الأمة مقدمة في سبيل ذلك آلاف الشهداء من أبنائها.
اليمن، أثيرت في وجهها عواصف هوجاء من صناعة الجامعة العربية من حزم ثم أمل ووو…الخ. بنيتهم التحتية سويت بالأرض، خطأ جسيم إرتكبته هذه الدولة التي تعود إلى أرضها أصول العرب مذ خلقهم الله ليصبح أهلها الذين يتحدثون العربية حتى الآن، دون غيرهم، نسخة يعرب وقحطان ويتميزون عن غيرهم بثقافتهم الفطرية، ليصبحوا بين عشية وضحاها فرسا ومجوسا وصفويين. لا لشيء إلا لأنهم تجاوزوا الخط الأحمر ورفعوا شعار هيهات منا الذلة والموت لإمريكا، الموت لإسرئيل.
لقد سئم الأحرار من أبنائها وهم الأغلبية الساحقة، تعامل الجوار معهم بنظرة دونية، أرادوا أن يكونوا أحرارا في دنياهم، وأرادهم لهم البعض أن يكونوا نعاجا مثلهم فأبوا، وها هو الغزو لتحرير اليمن من عرب اليمن الأقحاح، وأمام مرأى ومسمع من جامعة الأعراب، يدخل عامه الثاني يدمر اليمن ويذبح شعبه الفقير بشيوخه ونسائه وأطفاله والأضاحي تقدم كل يوم تيمنا بقدوم العيد، عيد الحرية والكرامة والإباء.
مصر نبض العروبة، كانت ولا تزال وسوف تبقى كذلك، ظن البعض أن راية العروبة سقطت من يدها بعد أن وقع رئيسها أنور السادات إتفاقية كامب ديفيد مع العدو الصهيوني. فكانت فرصة للمتآمرين عليها جرها إلى حيث يريدون، إلى نادي الإعتدال، إنهار النظام (وليس الشعب) في وجه الإغراءات البترودولارية، رُفع العلم الصهيوني في سماء القاهرة، ولكن القلب المصري إستمر ينبض عروبة وإسلاما وها هو النائب المطبع بعد عقود من التطبيع المزعوم، يختم خده بكعب حذاء مصري أبى أن يكون إلا عروبيا ناصريا. فكانت خيبة من يطبعون مع بني صيهون أعظم من خيبة بني صهيون أنفسهم، ولا يزال هذا الشعب الأبي يكافح كل أنواع الإغراءات والإبتزازات المادية في ظل الظروف الإقتصادية السيئة التي يمر بها ويصيح: فأما حياة تسر الصديق وأما ممات يغيض العدا. وها هو الشعب المصري الأبي ينتظر بفارغ الصبر فارسا من أبنائها، نسخة من ناصره، يعيد ذلك القلب إلى هذا الجسد النبيل فتعود دماء العروبة تجري ثانية في شرايين الأمة بأجمعها وليس مصر لوحدها.
ولم تنته إستباحة كرامة الأمة وكبرياؤها على يد هذه الجامعة بارتكاب تلكم المنكرات من على منبرها في قلب أم الدنيا وليس العرب فحسب، بل تجرأ سماسرة الدولار والبترول، تجرأوا على تمريغ خدها في التراب على عتبات الكنيست الصهيوني إرضاء للدولة الصهيونية بإصدارهم بيانات تعتبر أشرف من أنجبتهم هذه الأمة، ألا وهم مقاوموا فلسطين ولبنان، في محاولة قذرة تستهدف تسفيه النضال العربي وإنكار حق الإنسان العربي في العيش الكريم مرفوع الرأس. وبالفعل فإن هذه الجامعة لم تعد تمثل الشعوب العربية وإنما أصبحت أداة لتسهيل مرور قرارات تمليها عليها بعض الأنظمة العربية تحمل في طياتها كما ضخما من الحقد والكراهية ضد عرب آخرين.
أجل فأين العروبة من تلويث سمعة ثوار حفظوا كرامة العرب والمسلمين وقدموا تضحيات ثقيلة وغالية للتصدي للعدو الصهيوني ومؤخرا العصابات التكفيرية، وذلك من خلال قرارات تصدر من هذه الجامعة توسمهم بصفة الإرهاب، في حين تحتضن هذه الجامعة ما يسمون بثوار إتخذوا من فنادق السبعة نجوم قواعد لمعاركهم ومن شوارع مختلف عواصم العالم وحوانيتها ميادين لحروبهم التآمرية ضد أمتهم مقدمين بذلك خدمة جليلة للكيان الصهيوني. فها هي زعيمة حزب كاديما الصهيوني ووزيرة الخارجية السابقة “تسيبي ليفني” تضع وسام الإستحقاق الصهيوني على صدر من ساهم في تبنى قرار تصنيف المقاومة كمنظمات إرهابية وذلك بإشادتها بهذا القرار ووصفها له بالقرار المحق والصائب والذي يمثل تحولا إيجابيا على حد قولها. بعد كل هذا ألا تحتاج هذه الجامعة إلى إعادة ترتيب حروفها لتسمى بالجامعة العبرية حتى تكون إسما على مسمى.
وفي حقيقة الأمر إن ما أنجزته الجامعة على مدى أكثر من ستة عقود من عمرها أقل من صفر على الشمال ولم تعكس في يوم من الأيام تطلعات المواطن العربي، ولم تقدّم على امتداد تاريخها الطويل أية حلول جذرية للمشكلات العربية إن لم تكن قد عقدتها. فها هي فلسطين حيث عمر نكبتها أطول من عمر الجامعة والجرح لا يزال ينزف والعدو يتمادى في غطرسته وجامعة الأنظمة العربية لا تملك في جعبتها سوى التنديد والإستنكار، بل على العكس من ذلك إذ أن بشائر التطبيع مع العدو الصهيوني التي كانت تحاك خيوطها في ظلمة الليل أصبحت تطلب ود العدو جهارا نهارا ومن على منبر الجامعة نفسها. نيران تشتعل في كل ركن من أركان الوطن العربي، والجامعة لا تكتفي بالجلوس في الحديقة الخلفية، ليس لأنها لا ناقة لها ولا جمل فحسب، وإنما تصب الزيت على النيران مسهلة بذلك على أعداء الأمة العبث بمقدراتها وتقسيم المقسم من كياناتها.
إستبشرنا خيرا بخبر تنازل نبيل العرب عن عرش الجامعة، وتنفسنا الصعداء أملا في أن يكون الخلف أفضل من السلف ولكننا للأسف أصبنا بخيبة المتعوس، لأنه بمجرد الإعلان عن البديل بدأنا نتحسس رقابنا لنتأكد من ثباتها جيدا على أجسادنا، لأن من تعهد بكسر أرجل الفلسطينيين إذا قادتهم إلى أرض سيناء العربية طلبا للعون من أخوانهم المصريين الذين لم يبخلوا عليهم طوال فترة تشتتهم في أصقاع الكرة الأرضية، فليس من المستبعد أن يقطع هذا (المناضل) رقاب كل من تسول له نفسه حتى الإشارة بإصبعه إلى من ابتاعوا له هذا الكرسي بدولاراتهم، وهو قد تربع على عرش جامعة مسلوبة الإرادة والقرار. ألم يكن هذا الرجل هو نفسه الذي أعلنت وزيرة خارجية العدو الصهيوني ومن على أرض الكنانة من شرم الشيخ الحرب على غزة قابله برود منقطع النظير من رئيس دبلوماسية أكبر دولة عربية يقف إلى جانبها، وكأن غزة مقاطعة في دولة نائية تقع جنوب نيوزيلاندا. لقد أصبح إتجاه بوصلة الجامعة خلال المرحلة القادمة واضحا.
وفي ظل هذا الإنحدار السريع والمريب لأمور الأمة وشؤونها، هل يحق لنا أن نلوم المجتمع الدولي على صمته تجاه عمليات الإعدام التي تنفذها الدولة الصهيونية لشباب وشابات فلسطينيات في عمر الزهور في إنتفاضتهم الثالثة، على مرآى ومسمع من العالم في بث حي ومباشر؟. ولماذا نستغرب عندما يدفع سقوط بعض الغربين في بروكسيل ضحايا إرهاب من صناعة أيديهم (نحن نستنكر قتل أي نفس أيا كانت وأينما كانت ومهما فعلت) يدفع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة والأمنية للاتحاد الأوروبي فديريكا موغيريني للبكاء خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع أحد وزراء الخارجية العرب، وذلك على خلفية الهجمات التي ضربت مطار العاصمة البلجيكية بروكسل ومحطة للمترو مؤخرا بينما لا تشعر هذه المسؤولة وغيرها من المسؤولين الغرب بآلاف العرب يذبحون مثل النعاج على يد الإرهاب الصهيوني. فالمشكلة بين أبناء العمومة كما صرح بعض الأعراب، وتدخل الأجانب لا يجوز بين أبناء العمومة، أما الجامعة العربية فمهمتها تقتصر فقط على إصلاح ذات البين بين أبناء العم.
أما مؤتمر التعاون الإسلامي الذي أنشأ في أعقاب حرق المسجد الأقصى فقد أصبحت فلسطين والمسجد الأقصى في ذيل إهتماماتها إن لم يكن خارجها. بل يبدو أنه هو الآخر قد إستصدر فتوى من علماء ووعاظ السلاطين من إنتاج الجامعة العربية، تجيز له إهداء ما تبقى من جدران وأعمدة المسجد الأقصى للأشقاء الصهاينة لبناء كنيس شقيق على موقع المسجد الذي أصبح مصدر صداع للمجتمع الدولي لمدة ستة عقود وقد آن الأوان لتحرير العالم من هذا الصداع.
وها نحن نعود من جديد إلى الجاهلية الأولى ونجد أنفسنا مرة أخرى على شفا حفرة من النار ولكن يا ترى من سينقذنا منها هذه المرة؟، فسلسلة الرسل قد ختمت بخاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام، وعلماء الأمة ووعاظها إستدرجهم بلاط الأمراء والملوك حتى باتوا يتسكعون على عتبات قصورها يقبلونها دون حياء وخجل. حكماء الأمة وشرفاؤها أهدرت مليارات البترودولارات العربية لشيطنتهم وبالتالي للحجرعليهم. أشرار الأمة فتحت الجحور التي كانت تأويهم وأطلق لهم العنان فانطلقوا كقطعان الخنازير زارعين الفساد والقتل والتنكيل والرعب بين العرب والمسلمين دون الكفار دفاعا عن عروبتهم التي تخجل من إلصاقهم بها، وعن إسلامهم المزعوم في بلاد الإسلام ترعاهم شياطين وأبالسة العروبة وتكلؤهم عين الماسونية المثبتة على مدخل الكنيست الإسرائيلي.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ترى هل بقي من هذه الجامعة ما يدل على عروبتها؟ سؤال لو كان الجواب عليه بلا، فإنها نعمة من أنعم الله على ما تبقى من العرب والعروبة. ولكن الخوف أن يصبح السؤال المطروح هو: هل بقى في الجامعة ما يدل ولو بحجم شعرة أنها لا تعمل ضد العرب والعروبة؟ والمصيبة أن كل الدلائل تشير أن الجواب حتما هو لا. لأن هذه الجامعة بالفعل أكدت خلال السنوات الخمس الماضية بما لا يدع مجالا للشك أنها أصبحت العدو الأول للعرب والعروبة، ولا نستبعد أن يصبح غدا المناضل نتن ياهو عاهلا للعضو الرابع والعشرون في الجامعة، وهي دولة إسرائيل الشقيقة (المقامة على أنقاض دولة فلسطين الإرهابية سابقا) ويقف خلف المنصة التي طالما وقف خلفها محرر الأمة العربية من الإستعمار، الزعيم الخالد جمال عبد الناصر وهو يبث في العرب روح العزة والكرامة والكبرياء والنضال ضد الإستعمار والسرطان الصهيوني الذي يبدو أنه قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يجد له مكانا رحبا على خارطة العالم العربي بعد أن يتم تحرير بلاده مما تبقى من الغزاة الفلسطينيين من البحر إلى النهر ويتشرف الأمين العام الجديد للجامعة ويقدم لها مقعد فلسطين في الجامعة العربية على طبق من ذهب. وبما أننا أبناء عم كما يتفاخر البعض فلا ضير من إعادة تسميتها بالجامعة العربعبرية لتستوعب العضو الجديد.
وفي حقيقة الأمر أن تجربة المواطن العربي مع هذه الجامعة تجربة شديدة المرارة، وباتت مصدر جميع مصائبه وويلاته وهزائمه، لذا ليس من المهم لديه لا إسم الجامعة ولا إسم السمسار الذي سينصب على عرشها. إلا أن روح العزة والكرامة والكبرياء التي تغلي في عروقه ستبقى الحقيقة الوحيدة الساطعة كأشعة الشمس في رابعة النهار، وقد تستطيع إنهزامية الأنظمة العربية وعمالتها وانحدارها وبترودولاراتها تخفيف وهجها لمرحلة ما، ولكنها لن تستطيع إطفاءه لأن هذه الأمة لا تزال فيها أمهات ترضعن أطفالهن العزة والكرامة والكبرياء فتنجبن نسخا طبق الأصل من منتظر الزيدي الذي وقع شهادة إنهاء خدمة جورج بوش الإبن من رئاسة الولايات المتحدة الإمريكية ومرغ أنفه بالتراب بكعب حذائه المشهور فأثلج قلوب ملايين الأرامل واليتامى في العراق ومن خلفهم ملايين العرب والمسلمين، كما هو الحال مع النائب في البرلمان المصري كمال أحمد الذي حطم آمال الدولة الصهيونية التي تهيأ لها أنها إحتلت مكانة في قلب الشارع العربي فإذا بهذا الناصري العروبي يقول لها قفي فالمنطقة محظور دخول المفسدين إليها، وذلك عندما لقن ذلك النائب المصري المطبع درسا من كعب حذائه.
والجدير بالذكر أن جميع الدول التي تتعرض للدمار والتدمير ويتعرض أهلها للقتل والتتنكيل رفعت ذات يوم لواء الصمود والتصدي ضد العدو الصهيوني وخطط دول الإعتدال العربي للتطبيع معه. لذا فهل سنشهد قريبا موت ما تسمى بجامعة الدول العربية وولادة جامعة الدول العربعبرية. يبدو أن هذا ليس بمستبعد لأن كل الشواهد حولنا تؤكد بالفعل أننا عدنا إلى جاهليتنا قبل الأولى ولكن بوجوه مختلفة مثل التكفير والطائفية البغيضة والحقد والتآمر وهذه أكثر بشاعة ولا إنسانية من تلك التي كانت سائدة في الجاهلية الأولى. أما الشعوب العربية فمن المؤكد أنها لن تذرف دمعة واحدة على إنهيار هذا الهيكل الأجوف غير مأسوف عليه. لأن هذه الجامعة بمسماها الحالي أو القادم لم تكن ولن تكون يوما سوى عبئا ماديا على الشعوب، ومؤسسة حكومات لا تمثل شعوبها في شيء لآنهم لم يكونوا يوما ما محل إهتمامها إلا عندما كان الأمر يتعلق بالبطش بهم أو تكميم أفواههم عندها فقط كانت قراراتها تصدر بالإجماع، وإن غدا لناظره قريب.

السبعون سياسة

عن الكاتب

عيسى عبد الحسين اللواتي

اترك تعليقاً