هل نملك في سلطنة عمان ثقافة حماية حقوق المؤلف؟

لـ

“فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة … وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم”

ابن القيم الجوزيه

في هذا البيت يصف ابن القيم حال كثير مما يحدث في العالم، ليس فقط جهل الإنسان بالجنة ونعيمها، ولكن بإمكاننا أن نقيس ذلك على كثير من حالات تنفيذ مبدأ سيادة القانون من قبل المؤسسات المعنية به.

في هذا المقال، نستعرض مجموعة من حالات انتهاك الملكية الفكرية وحقوق المؤلف في سلطنة عمان، والمتعلقة بمصنفات التصوير الفوتوغرافي.

تمهيد:
تعد المصنفات الفوتوغرافية محمية حسب قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (65/2008) ، وحسب المادة الأولى من المرسوم يعرف المصنف الفوتوغرافي أنه: كل تسجيل للضوء أو لشعاع آخر على دعامة، ينتج أو يمكن إنتاج صورة منه، أيا كانت التقنية التي أنجز بها.

يورد الدكتور جابر بن مرهون فليفل الوهيبي في ورقة عمل بعنوان “نظام حماية الملكية الفكرية في سلطنة عمان” قدمت في “ندوة الويبو الوطنية حول حقوق الملكية الفكرية” والتي أقيمت في مسقط في فبراير 2005 ، يورد مراحل تطور نظام حماية الملكية الفكرية في السلطنة والتي تعود بدايتها إلى العام 1977 بانضمام السلطنة إلى معاهدة اليونسكو المتعلقة بوسائل مكافحة الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للملكية الثقافية والمعتمدة بالمرسوم السلطاني رقم (69/77).

كما أن المبادئ الموجهة لسياسة الدولة حسب المادة الثالثة عشر (المبادئ الثقافية) في الباب الثاني من النظام الأساسي للدولة تنص على: ترعى الدولة التراث الوطني وتحافظ عليه، وتشجع العلوم والفنون والآداب والبحوث العلمية وتساعد على نشرها.

الحالة رقم (1): العرض الطلابي لمهرجان العيد الوطني الخامس والأربعون في محافظة مسقط
في الوقت الذي انتظرت مختلف شرائح المجتمع أن تكون احتفالات العيد الوطني الخامس والأربعون المجيد مبهرة ومختلفة، جاء العرض الطلابي في محافظة مسقط غاية في الرتابة والملل، لم نشعر كمشاهدين بأي نوع من الابتكار أو الإبهار في العروض المقدمة أو حتى في مستوى الأفكار المطروحة عدى كلمات قصيدة العازي التي حملت معاني ورسائل عميقة.
في الوقت الذي كانت الأنظار متسمرة أمام شاشة التلفاز لمشاهدة العرض الذي ينظم تحت شمس العصر، ومع بدء المشهد الأول : مسيرة الإنجازات وفي اللوحة الثانية والتي حملت عنوان: عمان واحة الإنجازات ظهر على شاشات عرض الاحتفال مقاطع تصوير فوتوغرافي من نوع تايم لابس (Time Laps) بدت مألوفة لي فهذا النوع من التصوير لا يمارسه بهذا الإتقان سوى قله من المصورين الفوتوغرافيين في عمان.

CUQIy8SWIAAB92XCUQIy8GWoAARPn8CUQIy8aWwAA5QLxCUQIzBdWIAADPW8 CUPBRzuXIAAKRLsCUPBRNjWoAA9k81

بعد المزيد من التدقيق والتمحيص في اللقطات تأكدت أنها تعود لمجموعة من المصورين العمانيين وقد سبق أن قاموا بتوظيفها في عرضين فنيين لصالح جماعة التصوير في جامعة السلطان قابوس. فرحت في البداية كون القائمين على المادة الفلمية للمهرجان استعانوا بقدرات ومواهب عمانية شابه في احتفالية العيد الوطني، لكن سرعان ما تلاشت الفرحة مع تأكد أن استخدام هذه المواد تم دون أي أستاذان أو تنسيق مع أصحاب حقوق النشر أو حتى أن يشار إليهم ضمن فريق العمل!!!

العرض الأول هو (SQU Timelaps) وقد أنتج ونشر في العام 2012

 

الوصلة لموقع يوتيوب ويتضح من خلال العرض مستوى الإتقان والجهد الكبير المبذول للإنتاج والتصوير.

أما العرض الثاني فهو (Electric Muscat)

وقد أنتج ونشر في فبراير 2013، استغرق إنتاجه وتصوير أكثر من سبعة أشهر، وبكل بساطة قام القائمون على المادة الفلمية بالمهرجان الطلابي بانتهاك حقوق أصحاب العمل دون أن يكلفوا أنفسهم نوع من المسؤولية الأدبية أو الفنية في حفظ حقوق من أنتج هذه المواد.

الحالة رقم (2): المكتبة الرئيسية في جامعة السلطان قابوس
ظهر إلى ساحة الفنون البصرية في عمان مشروع فني مبهر حمل اسم (SQU 365). مع بداية العام ٢٠١٥ ظهر على تطبيق الانستجرام هذا المشروع، وهو مستلهم من مشروع (Muscat 365) لكن بفكرة وتخصصية أكثر دقه.(SQU365) يستلهم مواضيعه من جامعة السلطان قابوس بمختلف تفاعلات إنسان الجامعة مع هذه البيئة والمباني وتنوع المناظر.

في ثلاث حالات منفصلة، قام القائمون على حساب المكتبة الرئيسية في جامعة السلطان قابوس في فيسبوك باستخدام صور من صور المشروع في إعلانات عن المكتبة.


بعد أن قام أصحاب حق المؤلف بالتواصل مع المعنيين في المكتبة أشاروا بأن “للجميع الحق في استخدام الصور” كونها نشرت عبر تطبيقات مرتبطة بالانترنت!! وحسب رأي القائمين على حسابات التواصل الاجتماعي للمكتبة، فإن استخدام صور (SQU365) يعد دعماً للمشاريع الطلابية، كما أن إعادة نشر الصور تشكل “إضافة لمشروع (SQU365) ” وتعطيه قيمة أكبر.

بعد هذه الحادثتين وتواصل مصوري (SQU365) مع مسئولي الإعلام الاجتماعي في المكتبة الرئيسية حول الحادثتين، أوضح مسئولو المكتبة استخدام الصور “لا يتعارض مع حقوق الملكية الفكرية” وأنه وبناء على رغبة مصوري (SQU365) لن يتكرر استخدام الصور (لا زالت الصور موجودة حتى نشر المقال).

الحالة رقم (3): وزارة التجارة والصناعة
هذه أغرب الحالات التي نتطرق لها من خلال هذه الورقة، إذ أن من قام بانتهاك حق المؤلف هو وزارة التجارة والصناعة والتي يقع على عاتقها تطبيق قانون الملكية الفكرية والحقوق المجاورة له. قامت وزارة التجارة والصناعة بالنشر في مجموعة من الصحف العمانية للترويج عن سلطنة عمان. بدون التواصل معه، قامت الوزارة بتاريخ ٢٤ يوليو ٢٠١١م باستخدام صور فوتوغرافية عن السلطنة مملوكة لمصور فوتوغرافي عماني، وقد قام القائمون على تنفيذ الصفحات بتنزيل الصور من الموقع الالكتروني للمصور.

تواصل المصور مع الوزارة لحل الموضوع بشكل ودي، لكنه قوبل بتجاهل. بعدها لجأ إلى القضاء، المحكمة الابتدائية ثم الاستئناف ثم العليا، مستنفذا جميع مراحل تحقيق العدالة، في جميع المستويات خسر القضية. الابتدائية حكمت برفض الدعوى وإلزام صاحبها بالتكاليف، الاستئناف أيدت حكم الابتدائية، وكانت المفاجئة لدى المحكمة العليا!!

نضع هنا منطوق القرار القضائي للمحكمة العليا كما ورد:
( “حيث اجتمعت الهيئة بغرفة المداولة لفحص الطعن إعمالاً للمادة (٢/٢٤٨) من قانون الإجراءات المدنية والتجارية المعدل بالمرسوم السلطاني رقم (٢٠٠٥/٩٢) قبل إعلان صحيفته للخصوم، فتبين لها بعد دراسة الملف وما حواه من أوراق وما اشتمل عليه من أسباب في صحيفة الطعن لا أساس قانوني له.
إن طعن الطاعن غير سديد وذلك لأن الصور لا تطبق بموجبها حماية الفكر ولا ينطبق عليها حقوق المؤلف وحيث أن الحكم أسس قانوناً وواقعاً فاضحي، مما لا جدوى معه قبول الطعن المعروض على المحكمة. وحيث إنه تبعاً لذلك يلزم الطاعن بالمصاريف عملاً بالمادة (٢٦١) من قانون الإجراءات المدنية والتجارية.
فلهذه الأسباب:
قررت المحكمة عدم قبول الطعن وألزمت الطاعن بالمصاريف وترد ثلاثة أرباع الكفالة له. “)

مع كل هذا الكم من التشريعات والقوانين والهيئات الدولية المعنية بالملكية الفكرية وحقوق المؤلف التي تتمتع السلطنة بعضويتها والانتساب إليها، صدر هذا الحكم الفريد من نوعه !!!

ومع أن الخصم في هذه القضية هي الجهة المعنية بسيادة قانون الملكية الفكرية إلا أن الحكم كان متناقضاً مع ما ينص عليه القانون نفسه، وأعتقد أن القضية كان بالإمكان حلها من قبل الوزارة وبكل سهولة ويسر دون اللجوء للقضاء كي تأكد الوزارة كونها المعنية بحقوق المؤلف أنها تهدف وتسعى لسيادة القانون لما فيه الصالح العام.
في ضوء الأحكام الصادرة من قبل المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، ومع الرد الوارد من غرفة الفحص في المحكمة العليا، يبدوا أن من حق أياً كان أن يستغل أي مصنف فوتوغرافي تقع عليه يده.

فيما يخص هذه الحالة بالذات، أوجه دعوة صادقة لكل الجهات المعنية بالملكية الفكرية والجهات المعنية بالعدل والقضاء في السلطنة لإعادة النظر في ما آلت أليه الأحكام في هذه القضية، هي سابقة فريدة من نوعها تستدعي أن نتوقف عندها بمزيد من الفحص والتدقيق. حال أن بقي الحكم على ما هو عليه، يعني ذلك أن لا حق لأحد في أي منتج فوتوغرافي ينتجه أو يبدعه.

أطمح أيضا أن توضح لنا الجهات ذات العلاقة – أياً كانت، المؤسسات التنفيذية أو العدلية – أن توضح لنا كيف بإمكان صاحب مصنف فوتوغرافي (أو أي مصنف فني آخر) أن يحمي المصنف من السرقة أو سوء الاستخدام؟؟ ما هو الواجب فعله لوقف أي انتهاك؟

الخلاصة:
من الواضح أن المؤسسات (الحكومية والخاصة) تفتقد إلى الوعي حول قوانين الملكية الفكرية وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وجلي بشكل كبير أن المؤسسات تغفل أهمية أن تكون هي المبادرة لتحقيق مبدأ سيادة القانون (إلا من رحم ربي). حسن النية من الجهة المنتهكة للحقوق أو جهلها بالقوانين لا يعفيها من المسؤولية كبرت أم صغرت.

ما تحتاجه المؤسسات ليس فقط فعاليات احتفالية حول قوانين الملكية الفكرية، لكنها تحتاج أن تعمل على تمكين من يعمل بها على استيعاب وإدراك مبدأ سيادة القانون.

 

 

 

1- صدر المرسوم في 4 مايو 2008م وعدلت بعض أحكامه بالمرسوم (132/2008) الصادر في 30 نوفمبر 2008م

2 – شغل الدكتور جابر بن مرهون فليفل الوهيبي منصب مدير عام المنظمات والعلاقات التجارية في وزارة التجارة والصناعة.

3- صدر المرسوم السلطاني رقم (101/96)  بإصدار النظام الاساسي للدولة بتاريخ 6 نوفمبر 1996م.

4- (SQU 365) رؤية نقدية

0 6384 26 أبريل, 2016 السبعون, ثقافة وفكر أبريل 26, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.