الخيمة والشيخ … تكثيف للواقع العربي وعلاقاته الدولية

لـ

هناك شخصيات في عالم السياسة ليس من السهل أن تُنسى أو يمحى اسمها من ذاكرة معاصريها، الشاهدين على أثرها الفاعل في الأحداث، تغدو هذه الشخصية لقوة حضورها وحالة الانتظار التي ترقب بشغف حصيلة جهدها الدبلوماسي الذي تبذله في قضية شائكة تحدد مصير شعوب بأكملها، تغدو لصيقة ومرتبطة بحقبة معينة، فلا يكاد يُذكر أحد طرفي المعادلة، الاسم أو الحقبة الزمنية إلا وذكر الآخر على نحو تلقائي. ومن جملة هذه الأسماء التي ارتبطت بأذهان الشعوب العربية، وعلى وجه التحديد القاطنين في سورية الكبرى” سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين” التي كلما استرجع أبناؤها الوقائع السياسية فترة السبعينيات من القرن الماضي فإنهم  يستحضرون اسم وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، هنري كيسنجر الذي ظل يزور المنطقة بشكل مكوكي طوال الفترة الممتدة من عام 1973- 1978 لغاية واحدة ومحددة، البحث مع الفرقاء عن حل لمسألة الصراع العربي – الإسرائيلي.

ولأن المهمة شاقة وربما مستحيلة، ولأن آمال الناس في تلك المرحلة كانت عريضة وواسعة بأن يتمكن هذا الرجل رغم يهوديته الخروج بعد عشرات  الجلسات واللقاءات مع قادة والزعماء العرب في إقليم سورية الكبرى  إضافة إلى لقاءاته مع الزعماء الإسرائيليين بحل عادل للقضية الفلسطينية. غير أن ختام هذه الجولات التي استغرقت عدة سنين لم تكن أحسن حالا من سابقاتها، ناهيك عن لاحقاتها إن لم يكن العكس هو الصحيح، فالملاحظة الكبرى في مجمل عمليات السلام المنجزة منذ نشأة الصراع العربي – الإسرائيلي أن واقعا جديدا ينشأ عقب انتهاء كل عملية المفاوضات، وهذا الواقع يغدو عنصرا أساسيا وموضوعا لا يمكن إغفاله من جانب الطرف الإسرائيلي في المباحثات اللاحقة التي ينجم عنها هي أيضا واقع جديد يتطلب بحثه مع انطلاقة جولة مباحثات جديدة ..وهكذا.

المهم في موضوعنا مثار التناول، أن لوزير الخارجية الأمريكي كيسنجر قصة يوشك  مضمونها أن يلخص مجمل العلاقة العربية – الأمريكية، أو بمعنى أدق حقيقة هذه العلاقة من وجهة النظر الأمريكية وكنهها، فالرجل لغاية توليه منصبه باعتباره المقرر الأبرز للسياسة الخارجية الأمريكية لم تكن لديه دراية كبيرة ولا الماما واسعا بالواقع السياسي في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي سبب له ارباكا وشيئا من الاضطراب وهو المقبل على إجراء سلسلة من اللقاءات الشاقة مع قادة المنطقة وزعمائها وأطراف النزاع الرئيسيين بالمنطقة، وكان كمن يهم خوض مغامرة بلا دراية أو معرفة مسبقة بتفاصيلها على نحو دقيق، فكان أول طلب توجه به إلى معاونيه والخبراء المتخصصين بمنطقة الشرق الأوسط  بالخارجية الأمريكية أن يعدوا له تقارير تفصيلية توضح له  الخطوط العريضة لأسرار المغامرة التي يوشك أن يخوض غمارها.

يذكر كيسنجر في مذكراته أن وفرة من التقارير حطت على مكتبه، إلا أن تقريرا أو اثنين  أثاره عنوانهما العريض فشرع بقراءتهما أولا. التقرير الأول كان عنوانه ” الشيخ والخيمة” والآخر كان عنوانه” الخيمة والتاجر” ورغم أن عناوين هذين التقريرين يحملان دلالة عمل أدبي أكثر من كونهما تقريرين يبحثان في شأن سياسي مقدم لصاحب قرار بالغ الأهمية في مجاله كوزير الخارجية بالإدارة الأمريكية، ومع ذلك فقد بدأ كيسنجر بالتقريرين اللذان اتضح فيما بعد أنهما يكملان بعضهما البعض، وأنهما كذلك امتداد للنظرة التي ترى من خلالها الإدارة الأمريكية القادة العرب تحديدا. ووفقا للتوصيف الوارد في المذكرات فإن التقريرين أكدا على أهمية أن يضع الوزير في ذهنه قبل انطلاقته في أول زيارة للمنطقة العربية أنه ذاهب إلى منطقة رغم بعض المظاهر الطارئة للحداثة والمدنية الآخذة في التشكل هنا وهناك، إلا أن هذه المنطقة من الناحية العملية محكومة بعقلية الشيخ الذي ينظر إلى الشعب على اعتبار أنهم أفراد في قبيلته، وأشار التقرير إلى أنه يوجد في العالم العربي ثلاث خيم رئيسية، واحدة في الرباط وأخرى في القاهرة وثالثة في الرياض، وما عداها فهي خيم أصغر حجما وتأثيرا، وأن الخيم الثلاث هي مركز اهتمام الإدارة الأمريكية بدرجة كبيرة بسبب قوة تأثيرها ونفوذها في منطقتها.

“الشيخ والخيمة”… عنوان فكرته الأساسية أن المسؤول العربي يمارس الحكم على طريقة شيخ القبيلة، توجيهاته ورغباته التي يطلقها من خيمته واجبة النفاذ، أما المحيطون به، البطانة التي رهنت مستقبلها ومصيرها ومصلحتها بمستقبل الحاكم ومصالحه، فلا هم لها سوى تلبية طلبات الشيخ وتنفيذ أوامره، أما غالبية أفراد القبيلة فلكل اجتهاده ووسائله في الحصول على العطايا  أو الهبات التي لا تمنح إلا بأمر من الشيخ أو من يفوضه. هكذا أفترض مضمون التقرير، وعلى الأرجح أنه كذلك مع فارق بالصياغة. أما ” الشيخ والتاجر” فدلالته توحي أن الشيخ الجالس بخيمته يجري لقاءات بتجار كثر من مختلف الأصقاع، يعرضون صفقاتهم شراء أو بيعا، والمسألة من حيث المبدأ مباحة ومتاحة لدى الشيخ باعتباره يملك كل ما تحت يديه وكل ما يصل إليه نفوذه،  لكن الرهان يبقى على السعر، ومن هنا تبدأ المفاوضات، أحيانا يتفوق الشيخ على التاجر، ولكن بالأغلب فإن الصفقات الرابحة من نصيب التاجر، وبالعموم فان الشيخ لا يخسر شيئا، ففي أسوأ الأحوال يكون ربحه أقل مما يطمح، أما الخسارة الحقيقية فإنها دائما من نصيب طرف ثالث.. هي القبيلة . وهذه أيضا إضافات افتراضية على التقرير الذي يؤكد واقع الحال في تلك الفترة وفي الفترات اللاحقة أنه لم يخرج عن السياق العام للمشهد.

كُتب الكثير عن العلاقة العربية – الأمريكية، بعضها تناول الموضوع بوجه عام، وبعضها كان أكثر تخصصا من خلال البحث في العلاقات الثنائية، معظم هذه المؤلفات بحثت في تاريخ هذه العلاقة .. خصائصها مراحلها المتغير والثابت فيها والعديد من المواضيع ذات الصلة، وحاول بعضها الإجابة عن سؤال كبير وهام، لماذا العلاقة الأمريكية – العربية وبالرغم من هذا التاريخ الممتد ومن حالة الصداقة الظاهرة بين الطرفين إلا أنها رغم ذلك كله تعد صداقة محل شك وريبة، وأن العلاقة بين الطرفين لم تبلغ من العمق والحقيقية إلى الدرجة الذي بلغته على سبيل المثال العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية؟ بل وأكثر من ذلك حيث يغدو تساؤل مثل لماذا تحسب واشنطن وتعيد حساباتها ألف مرة قبل أن تقدم على إيذاء دولة محسوبة وفق الأجندة الأمريكية ضمن لائحة محور الشر مثل إيران تساؤل مبرر ومنطقي؛ ليس ذلك فحسب بل تستخدم كل ثقلها في سبيل ردع أي عملية إيذاء لا يمكن التكهن بنتائجها، فيما مسألة مصيرية مثل غزو العراق وإنشاء تحالف دولي لتدميره والقضاء على مستقبله وماضيه معا قضية تعهدتها الإدارة الأمريكية بسهولة وتبنت الإشراف على تنفيذها باعتبارها مسألة حياة أو موت ونجحت في تحقيق هدفها؟ لماذا فشلت كل هذه المحاولات المستميتة التي بذلتها في الماضي القريب عواصم عربية كي توازن واشنطن في علاقتها مع هذه العواصم كما هي سياستها مع إسرائيل؟ والعاصمتان الأبرز اللتان كانتا تحلمان بمثل هكذا علاقة: القاهرة والرياض، إلا أن الأحلام مع توالي الأحداث وتشابك القضايا تحولت إلى كوابيس في الاستغراق العربي، ولم تستطع العاصمتين الحفاظ حتى على مستوى العلاقة بشكلها التقليدي على النحو الذي كانت عليه قبل عقود قليلة، حيث أخذت سمة التوتر تطفو على السطح وعلى نحو غير مسبوق.

تنوعت الإجابات وتضاربت اجتهادات المحللين في التعليق على هذه الظاهرة التي لم تعد تخفى على أحد، وقدم كلّ رأيه باعتباره الوصفة السحرية لهذه المسألة الشائكة العويصة، إلا أن ذات المسألة بالغة الصعوبة في كثير من أوجهها، ما هي في الحقيقة سوى مسألة بالغة السهولة واليسر لجهة أن العلاقة بين الطرفين، العربي والأمريكي، قد أصدر العام سام بشأنها حكمه منذ عقود خلت، وأن النظرة قد تشكلت وارتسمت أبعادها على نحو واضح إزاء الآخر العربي، ومن بعد تشكلها أخذت تترسخ وتتجذر عميقا في العقل السياسي الأمريكي المتعاقب في مواقع اتخاذ القرار بعد سلسلة متلاحقة من التجارب العملية بكافة المجالات: إخفاق عسكري مروع منذ عام 1948 تكررت نسخه مرات متعاقبة على صعيد الحروب العربية مع إسرائيل ، فشل اقتصادي، خيبة أمل مدوية في مجال الإصلاح والتنمية السياسية، اخفاقات تعقبها اخفاقات… وعزز هذه النظرة أن كافة التجارب اللاحقة في مختلف المجالات لم تعمل شيئا سوى تأكيد حقيقة أكيدة وراسخة في عموم النهج السياسي  الأمريكي تجاه الدول العربية باعتبار أن هذه الدول لا يمكن إقامة علاقة صداقة حقيقية معها، ولا يمكن الوثوق بها على أي نحو من الأنحاء، وأن العلاقة معها ستبقى تراوح ضمن البراغماتية السياسية البحتة. وفيما يبدو فان هذه العلاقة مريحة للطرفين، الأمريكي ممثلا بسياسته الخارجية، والعربي ممثلا بالحاكم الذي لا يود إلى يومنا هذا الانتقال من خيمته إلى  مؤسسة الحكم حيث المشاركة في اتخاذ القرار، الرأي والرأي الآخر، السلطات المقيدة، المحاسبة والاحتكام للقانون.

السياق السياسي للأحداث على مدى أكثر من سبعين عاما ولغاية يومنا هذا أثبتت أنه ما من صديق حقيقي لأمريكا بالمنطقة سوى إسرائيل، إن كان في عالم السياسة صداقة أصلا، باعتبارها الكيان المؤتمن الذي يمكن الوثوق به بشكل تام في علاقات استراتيجية متبادلة، إنها الضامن لأمن الإقليم وفقا المحددات الأمريكية وبذا استحقت لقب الشريك الحقيقي والركيزة الأساسية لكافة المشاريع والمخططات الكبرى التي تجني من ورائها الإدارة الأمريكية أوجها لا حصر لها من النفع والفائدة، لتحصل إسرائيل بالمقابل على أوجه من الدعم المالي والسياسي والتي بمجموعها لا تمثل إلا جزءا يسيرا من أوجه الفائدة التي يجنيها الشريك الأمريكي. أما كافة أوراق الاعتماد العربية التي جرى تقديمها باعتبارها أوراقا رسمية ترنو إلى الإحلال أو الموازاة في الثقل كالتي قدمتها إسرائيل واعتمدتها الإدارة الأمريكية منذ أواسط القرن الماضي فقد أهملت بالكامل وقُذف بها بعيدا، فالاعتماد العربي لا زال وزنه وسيبقى أقل أهمية وجدوى للطرف الأمريكي، وبأحسن الأحوال فإن هذه الدول العربية اللصيقة بالولايات المتحدة والتي ابتكر العقل الأمريكي باطلاق وصف عليها يلخص طبيعة العلاقة بين الطرفين باعتبارها دول الاعتدال، والحديث هنا مرتبط بدول: السعودية، مصر، الأردن، المغرب، والحق بها قطر مؤخرا، فإن هذه الدول يتم توظيفها لغايات محددة ووظيفية مرتبطة فقط بالترويج وأحيانا المساهمة الشكلية لما بات يعرف بمبادرات السلام، أو هذه المبادرات الخاصة بمكافحة الإرهاب.

هذه الخطوط العريضة للطريقة التي تتعامل فيها الولايات المتحدة مع الدول العربية وكذلك طريقتها في التعامل مع إسرائيل وسواها من دول الإقليم مكمنها الحقيقي النظرة والاعتبار الذي تختزنه القوة الأكثر حضورا في الساحة الدولية تجاه الأطراف الفاعلة بعموم المشهد السياسي وما عدا ذلك فهي تفرعات ثانوية ضمن هذا الأصل السياسي.

أما الدول الإسلامية الشرق أوسطية فإن التعامل والنظرة يتحقق على نحو مختلف تماما عما هي تجاه الدول العربية، ولنتأمل قليلا الخطوط العريضة في التعامل مع إيران وتركيا حيث المشهد هنا مختلف تماما، فمهما تعاظم الاختلاف ومهما بلغت حساسية اللحظة وحراجة الموقف وتشابكت الملفات على نحو بالغ التعقيد،  فإن الحل يبقى مرهونا فقط بالوسائل السياسية، أما اللجؤ إلى القوة فهو بديل بعيد التحقق وليس هنا مجاله ولا أشخاصه، فالقوة لها مجالها ورموزها التي تفرّغ من خلالهم.  وفيما يخص العلاقة بايران فإن قنوات الاتصال والتواصل تبقى موجودة وفرص التوافق على المشاكل العالقة مهما عظمت تبقى متاحة، لا لشيء إلا لأن طهران أرادت وعزمت أن تلعب دورا يتوافق مع مكانتها التاريخية في المنطقة، والأدوار في عالم السياسة لا تمنح بل تنتزع انتزاعا بامتلاك مقومات القوة، هكذا تعاملت طهران فحظيت باحترام حلفائها وخشية خصومها. أما تركيا فهي دولة لها وزنها وأثرها في المنطقة، وتسعى لاستعادة أمجاد الماضي باعتبارها دولة الإسلام، والإدارة الأمريكية لا تمانع أن تلعب هذه الدولة دورا حيويا بمجالها الاقليمي شريطة أن لا يتعارض هذا الدور مع الأهداف والمشاريع الإسرائيلية، وبعيدا عن الكليشهات السياسية الصادرة عن أنقرة، فإن هذا الدور والى الآن لم يتعارض في شأن مفصلي مع التطلعات والغايات الإسرائيلية، والذي يحدث هذه الأيام يثبت مدى الانسجام والتوافق السياسي في الخطوط العريضة بين الدولتين.

بأيدينا لا بأيدي غيرنا وصلت المنطقة إلى الحال الذي وصلته، فمع غياب إرادة حقيقية للتغيير، ومع غياب حقيقي لتعزيز الحريات والتوقف عن مظاهر انتهاكها، ومع اصرار على التلاعب بمقدرات وثروات الشعوب تحت عناوين اقتصادية براقة، ستبقى الخيمة والعقلية التي تسوسها هي المظلة التي ترخي بظلالها على امتداد هذا الوطن العربي الغالي.

 

0 1579 04 مايو, 2016 الحادي والسبعون, سياسة مايو 4, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.