هل البشر مجبولون على التحيّز العرقي؟

لـ

ردة الفعل تجاه تبرئة جُورج زِمَرْمَان كانت آخر تذكير أنَّ العرق مازال يقسّمنا كنوع.

لكن لماذا؟ هل لأنَّ الدماغ البشري مجبول على ملاحظة الفروقات العرقية والاستجابة لها؟
من النظرة الأولى، يبدو أنّ ذلك ما يثبته البحث العلمي بدقة.

جزءٌ من الدليل الأكثر إقناعاً على جِبْلة الانقسام العرقي يتأتّى من منطقة في الدماغ تُسمى لوزة المُخيخ (amygdala) التي تلعب دوراً مركزياً في معالجة مشاعر الخوف والعداء. فلو وُضِعْتَ في ماسحة تُميّزُ مستويات النشاط في مناطق الدماغ المختلفة، وعُرِضَتْ عليكَ صورة لشيء مخيف، فإنَّ لوزة مُخيخك ستثبُ للعمل دافعة قلبك ليُسارع دقّاته، وجلدك ليتعرّق. ستساعدكَ اللوزة أيضًا على حسم فعلك الآتي: أتركض بسرعة الفهد؟ أم تسحب الزناد؟ أم تتبوّل في سروالك؟

’تُخْبَرُ’ أغلب مناطق الدماغ بما تراه بعدما تُعالج تلك المعلومة أولاً من قبل أجزاء مختصة في القشرة الدماغية. هذه المعالجة بطيئة جداً وفقاً للمعايير العصبية، إذ تمتدُ لنصف ثانية. لكن لوزة المُخيخ يمكنها أن تحصل على المعلومات بسرعة أكبر بكثير عبر معابر تتجاوز تلك المناطق القشرية البطيئة. يمكن للّوزة أن ترصد معلومات تظهر لأقل من ١\٢٠ جزء من الثانية، وهو وقت قصير جداً بحيث أنك لا تعي خلاله ما تراه. ولسوء الحظ، تلك المعلومات ليست صحيحة بالضرورة.

إذن، كيف يدخل العِرْقُ في هذا المشهد؟ وَجَدَتْ دراسات عديدة أنه لو وُضِعَ أحدهم في ماسحة دماغية ورأى فلاشات قصيرة، طولها ١\٢٠ جزء من الثانية، لوجوه محايدة عاطفياً، فإنّ لوزة المُخيخ تنشطُ إن كان الوجه لشخص من عرق مختلف.

الآن ضع في اعتباركَ منطقة دماغية اسمها القشرة المغزلية (fusiform cortex) وهي متخصصة في التعرّف على الوجوه، لكنّها لا تكون بذات النشاط أثناء استعراض وجه شخص من عرق آخر كما أظهر بحث لجون جابريلي في معهد ماساتشوستس للتقنية. وهذا غير متعلق بقدرة القشرة المغزلية على تمييز الوجوه الجديدة، فلو عرضتَ مثلاً وجهًا ذا بشرة بنفسجية فاتحة فإنّك لن ترى ضعفًا في استجابتها. على ذات المنوال، أظهرت دراسات أخرى أن مناطق الدماغ المتعلقة بالتقمّص العاطفي (empathy) -أي المقدرة على الإحساس بشعور الآخرين- تكون أنشط عندما ترى إبرة تَخِزُ إصبع له لون جلدك مقارنة بإصبع من عرق آخر.

ولكل هذا تبعات سلوكية أيضًا. ففي بحث قام به جوشوا كورِل في جامعة كولورادو، شارك متطوعون في لعبة فيديو شاهدوا أثناءها صوراً سريعة لأشخاص يحملون إمَّا بندقية وإمَّا هاتفاً خلوياً، وزُوِّدوا بتعليمات لإطلاق النار على حاملي البنادق فقط. كانت النتيجة أنه عندما عُرِضَ على المشاركين البيض -ومنهم ضباط شرطة- أمريكيّون أفارقة، فإنّهم مالوا إلى الإسراع في إطلاق النار، وكانوا أكثر عرضة للاعتقاد الخاطئ أن الهاتفَ الخلويَّ بندقيةٌ.

وهذا، إنْ فكّرتَ فيه، فإنّه ليس أمرًا محزنًا فقط، بل محيِّرًا أيضًا.

عاش البشر خلال أغلب تاريخهم في جماعاتٍ من الصيّادين جامعي الثمار ، لم يلتقوا أبدًا بشخص من عرق مختلف، فمثل هذا الشخص قد يتواجد على بعد مئات أو آلاف الكيلومترات. غير أنه مؤخراً جداً -وفقاً للمقاييس التطورية- امتلك البشر المقدرة على التنقل بحيث يلتقوا أعراقاً أخرى.
لماذا، إذن، تطورتْ أدمغتنا لتمتلك معالجة تلقائية حتمية كارهة للنّاس من أعراق أخرى بينما لم تلعب هذه اللقاءات، تقريباً، أيَّ دور في كيفيّة تطور البشر؟
الجواب هو أنّ الأدمغة لم تتطورُ بهذه الطريقة؛ فالمعالجة الكارهة ليست تلقائية وليست حتمية.

بدايةً، وَجَدَتْ جميع الدراسات المُسْتعرضة تفاوتات فردية؛ فعند رؤية شخص من عرق مختلف لا تكون ردة جميع الأفراد: نشاط مفرط في لوزة المُخيخ، أو نشاط قليل في القشرة المغزلية أو حركة أكبر لإصبع الزناد. من هم الاستثناء إذن؟ كما هو متوقع إنّهم الناس الذين نشؤوا في محيط ذي تنوع عرقي أكبر؛ أولئك الذين يمتلكون أصدقاءً أو أزواجًا من عرق مختلف.

وحتّى بالنسبة لأولئك الذين لا يعيشون حياة متعددة الثقافات، فإنّ رُهاب الأجانب ليس حتمياً، بل يمكن إضعافه عبر السياق، فقد أظهر بحث كورِل أنّه إذا تم تصوير الشخص ذي البندقية أو الهاتف الخلوي في خلفية محايدة، فإنّ البيض يظهرون ميلاً لإطلاق النار على السود. لكن إن اسْتُبْدِلَ ذلك بصورة ذات خلفية مخيفة، فإنَّ الميل يختفي، فالعينة الآن تظهر حكماً متساوياً بالإطلاق السريع للنار. وإنّه من المهم أيضًا، في دراسات تنشيط لوزة المخيخ، مَنْ يُصوَّر: فاللوزة لا تنشط في العينة البيضاء عندما تستعرضُ، مثلاً، صورة بِلْ كُزْبِي (عندما تقرأ هذه الدراسة ستدرك أنَّ بِلْ كُزْبِي هبة من الله للعلماء الذين أجروا البحث).

أمّا أكثر ما يثلج الصدر فهو أنّ هذه الاستجابات الدماغية يُمكن إبطالها بسهولة نسبية، فقد أثبتَ تشاد فوربس في جامعة دِلاور أنّه إن شاهد البيضُ وجهًا أسودَ خلال سماعهم موسيقى راب صاخبة، فإنّ استجابة لوزة المخيخ تغدو أكبر. لكن إنْ وُضِعَ نفس الوجه على موسيقى دِث-مِتَال، المرتبطة بصور نمطية سلبية عن البيض، فإن تلك الاستجابة من لوزة المُخيخ لن تحدث.

إضافة لذلك، يمكن أن تُبطل استجابة الدماغ للعِرْقِ عبر إعادة تصنيف الناس. فقد ذكر تقرير لروبرت كُرزْبان من جامعة بنسلفينيا أنه بعدما عُرِضَ على عيّنة مقطع فيلم لحشد مختلط عرقياً، فإنَّ العينة مالت لاشعورياً إلى تصنيف الحشد وفقاً لأعراق. لكن إن لبس الناس في ذلك الحشد واحدة من اثنتين من القمصان الرياضية، فإنّ العيّنة صنّفتهم وفقاً لارتباطهم بالفريق عوضاً عن العرق. أيْ أنّه إن كان الدماغ قد تطور ليقوم تلقائياً بتمييزات عرقية، فإنّ تطوره كان أقوى ليُمايز بين مشجعي فريقيْ دودجرز وجاينتس .

أخيراً، وَجَدَ بحثٌ، لسوزان فسك في جامعة برنستون، شيئًا آخر يمكن أن يُبطِلَ استجابة لوزة المُخيخ لعرق آخر. طُلب من العينة أن تقرر إن كان الناس في الصور التي شاهدوها يريدون خضروات محددة. أي أنّه طلبُ منهم أن يتخيلوا أذواق الأشخاص، وأن يفكروا بما سيشترون في السوق، وأن يتخيلونهم مستمتعين بخضرواتهم المفضلة أثناء العشاء. في ذلك التمرين لم تَنْشُط لوزة المخيخ حتّى إنْ رأت العينة وجهًا من عرق آخر. ببساطة يعني ذلك أنّ التفكير بشخص آخر كشخص، عوضًا عن فئة، يجعل من ذلك الرهاب تجاه الأعراق الأخرى، المفترض تلقائيته وارتكازه في الدماغ، يجعله يتبخر في لحظة.

أخيراً، ربما هناك أمل لنا كنوع.

1- روبرت سابولسكي برفسورٌ لعلم الأعصاب في جامعة ستانفورد الأمريكية، ومؤلف عدة كتب منها A Primate’s Memoir.
2- جورج زمرمان، George Zimmerman، أمريكيٌ من أصل ألماني، أطلق النار على صبي أمريكي من أصل أفريقي اسمه ترَيْفون مارتن.
3- الصيد وجمع الثمار، Hunter-gatherer، هو نمط العيش السائد قبل اختراع الزراعة، وقد غطّى أغلب التاريخ البشري.
4- بل كزبي، Bill Cosby، هو ممثل ومؤلف أمريكي شهير من أصول أفريقية.
5- دودجرز، Dodgers، وجاينتس، Giants، هما، على التوالي، فريقا كرة البيسبول في لوس آنجيلس وسان فرانيسيكو.

0 1843 05 يونيو, 2016 الثاني والسبعون, ثقافة وفكر يونيو 5, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.