طعامنا وشرابنا … تأثيرات السياسة وأحكام الدين

لـ

للطعام والشراب حكاية لا تقل من حيث الأهمية أو الوزن المعرفي من أهمية الوزن للقيمة الغذائية التي نحرص على اكتسابها فيما نأكل ونشرب. وتفاصيل الحكاية تتجاوز بكثير هذا التناول التقليدي لتاريخ للطعام وأصنافه باعتباره واحدا من العناصر المساهمة في تشكيل الهوية الثقافية للأمم ومرآة لأمزجتها فيما هي مقبلة على التهامه أو الإعراض عنه، كما تتجاوز هذا البحث الأكاديمي لطرائق التناول وآداب المائدة على أهميته وغرابة استخلاصاته وتقسيماته في بعض الأحيان، مثل تقسيمات بعض الدراسات المنهجية لهذا التفرّع من عموم علم الطعام الخريطة الغذائية للعالم بحسب طرق التناول إلى ثلاثة أقاليم كبرى: إقليم الشوكة والسكين، إقليم الأصابع، إقليم العيدان. والمقصود بالإقليم الأول سكان شمال الكرة الأرضية، أما الثاني فيقصد به السكان الأصليون بالمناطق الوسطى والجنوبية من العالم، أما التناول بواسطة عودي الأكل فيقصد به الشرق الأقصى “شرق آسيا”.
المسألة أوسع وأشمل من هذا التناول، لجهة أن ما نأكله شديد الصلة بكافة القضايا الكبرى المتعلقة بالوجود الإنساني، وعلى وجه التحديد السياسي والديني، أما أثر العامل الإقتصادي فهو أمر مفروغ منه وتحصيل حاصل. على الصعيد الديني فقد حددت الأديان السماوية، الإسلام واليهودية، قائمة المحظورات وأنواع الطعام والشراب التي يمتنع على المؤمن تناولها، أما المؤمن النصراني فإن مساحته في التناول أوسع باعتبار أن لا محظورات دينية عليه في مأكله ومشربه تقريبا. وعلى الصعيد الإسلامي تحديدا فإن الأصول الشرعية وبالاستناد إلى القرآن الكريم والسنة الصحيحة قد تضمنت جملة من المحظورات والممنوعات، في مقدمتها لحم الخنزير والميتة وكل ما له ناب أو مخلب، وكل حيوان معروف بنجاسته وخباثته، إضافة إلى العديد من موجبات التحريم لصفات في ذات الحيوان، إضافة إلى الأسباب الموجبة لطريقة ذبح الحيوان أو موته… وبالطبع يعد الخمر من صنوف الشراب التي نهىت عنه المصادر الشرعية.
إلا أن الفقهاء في الفترات اللاحقة ومع ظهور أنواع من المآكل والمشارب لم تكن معروفة من قبل، فإنهم عمدوا إلى التوسعة في قائمة المحظورات من خلال إضافات أصناف ومسميات غذائية جديدة لهذه القائمة باعتبارها من المحرمات، وهي توسعات كانت مثار جدل وأخذ ورد لفترات طويلة، بعضها لا زال يتردد صداه إلى يومنا هذا. واللافت في المسألة أن بعض ما جرى الافتاء بتحريمه سابقا على نطاق واسع، قد جرى إقراره وإباحته لاحقا، حتى أن بعض هذه المحرمات غدت ركنا أساسيا في حياتنا وسلوكنا الغذائي اليومي، يقبل الجميع تقريبا على تناولها دونما تردد أو حتى تفكير في مسألة المشروعية الدينية، فمن كان يتخيل أن القهوة التي يستهل بها معظمنا يومه على نحو طبيعي كانت ولفترات زمنية طويلة وعلى امتداد جغرافي واسع من المواد المحرم تناولها شرعا، وقد توافق على تحريمها عدد وافر من كبار الرموز الفقهية بكافة اتجاهاتهم المذهبية.
وكانت بداية تحريم القهوة من المدينة المنورة في القرن السادس عشر الميلادي بسبب حادثة بسيطة كان الأصل أن لا يلتفت إليها في وقتها، إلا أن الحادثة جرى تضخيمها وتهويلها وعلى نحو التصق بالقهوة باعتبارها العنصر الأساسي في القصة، ليستمر الجدل من ذاك الوقت ولثلاثة قرون متتالية وفي عموم الجزيرة العربية وبلاد الشام حول مسألة هل القهوة حلال أم حرام؟ وكان الصوت الغالب والمؤثر كالعادة لصالح التحريم، ولم يتوقف الخوض في هذه المسألة لصالح أنها مشروب مباح تناوله إلا في القرن التاسع عشر حيث أخذ عدد من الفقهاء، وعلى نحو يتسم بالجرأة الإعلان للناس أن هذه النبتة حلال شربها.
وإذا أردنا أن نأخذ عُمان كساحة لهذا الجدل فإنا نجد في الفتوى التي أطلقها الفقيه ناصر بن جاعد الخروصي ” توفي 1847م” في كتابه “تنوير العقول” نموذجا على بدايات تصحيح الفتوى الشرعية في هذه المسألة، وخلص في تناوله إلى أن شرب القهوة حلال، وأخذ العلماء العمانيون من بعده باعتماد فتواه وإباحة العودة إلى شرب القهوة، بصورة علنية على الأقل، بعد انقطاع قارب مائتي عام. ربما كانت بداية التحريم في الفتوى التي أطلقها الشيخ العلامة خميس الشقصي” توفي 1660م” في كتابه “منهج الطالبين” الذي عد فيه شرب القهوة من المحرمات.
الطريف واللافت في الموضوع، وبغرابة تنسجم مع غرائب أحداث التاريخ ومصادفاته، أن انتشار القهوة تحديدا أو انحسارها كان يرتبط تاريخيا بمسألة الحضور السياسي والحضاري للدول ومدى تأثيرها في عموم المشهد العالمي، وكيف أن تراجع الإقبال عليها هي من الظواهر التي ارتبطت عموما بالأفول الحضاري. قد يبدو الكلام غريبا، لكن هناك ملاحظة ألمعية التقطها المختصون في تاريخ الغذاء والشراب ذات صلة مباشرة بفحوى هذه الفكرة، فمثلا ميناء “مخا” اليمني اكتسب أهميته باعتباره أكبر نقطة عالمية في العصور الوسطى لتتوزع من خلاله القهوة على سائر دول العالم، إضافة إلى فرادة وجودة محاصيل البن التي تقطف في ذات المنطقة، والتي كانت تعد الأفضل على الصعيد العالمي والأكثر جودة، إلا أن هذه الأهمية أخذت بالانحسار بعد تعميم فتوى تحريم القهوة، وأخذت زراعة هذا المحصول الاستراتيجي بالتراجع لصالح زراعة مادة مدمرة هي القات، الذي ولغرائب مسارات التاريخ وأحداثه لم تصدر آنذاك فتوى بتحريمه على النحو الذي صدرت تحريم القهوة، ناهيك أن بدايات الضعف الذي أخذ يتسلل إلى جسد الإمبراطورية العثمانية وافقه انتشار عدد من الفتاوى الدينية الغريبة شبيهة بفتوى تحريم القهوة. لينتقل شرب المحبوبة السمراء بعد ذلك إلى الإمبراطورية البريطانية، حتى إذا أخذ نجم هذه الإمبراطورية بالأفول أخذ عموم المجتمع البريطاني بالانتقال إلى شرب الشاي، ومع الممارسة اليومية غدا الشاي واحدا من الطقوس الاجتماعية التي تجتمع الأسرة البريطانية حول مائدته وبشكل تقليدي يجنح إلى الصرامة، أما القهوة وإدمان شربها فانتقل بالضرورة إلى القارة الأمريكية بوصفها القوة العالمية الصاعدة منذ بدايات القرن التاسع عشر، وأدمن الأمريكيون تناول هذا المشروب، وغدت له فلسفة باعتباره رديف معان محددة مثل الإصرار واليقظة والمثابرة.
وعموم مسألة الطعام والشراب لها دلالات متعددة في الحادثة التاريخية، أحيانا تأخذ سمة المداهنة والنفاق السياسي، وأحيانا سمة الحرج السياسي، وأحيانا أخرى تأخذ سمة الفرض والتزوير الناجمة عن التفوق والغلبة، وأحيانا تكون المسألة انعكاسا لحالة التفوق الحضاري والثقافي باعتبارها مظهرا من مظاهر القوة الناعمة، وأحيانا يكون هذا السلوك مرتبطا بصفقات ومعاهدات ترقى أحيانا ليبلغ درجة دولية، وأحيانا يكون لمجرد المناكفة والاستفزاز…ولكل من هذه الدلالات شواهدها.
قصة الباذنجان تعتبر تكثيفا لواقع المداهنة في بلاط الحكام والملوك، وهي القصة التي كثر الاستشهاد بها في العديد من المقالات السياسية والأعمال الأدبية، لجهة توجيه نقد غير مباشر للطبقة المنافقة المحيطة بالحكام. القصة فيما يبدو حقيقية فقد توافقت عدد وافر من كتب التاريخ على سردها، فحواها أن الملك محمود الغزنوي شعر بجوع شديد فطلب أي نوع من الأطعمة المتوفرة، ويبدو أن الموسم كان موسم قطاف الباذنجان فأعد له طاهي القصر طبقا منه. أخذ السلطان يتناول وجبته بشهية وأثناء الأكل أبدى إعجابا واستحسانا بهذا الطبق، قائلا:” الباذنجان طعام ممتاز”، فانبرى أحد الحاضرين يعزز كلام الملك وإشارته المختصرة بتوسعة وإفاضة لمحاسن هذا النوع من المأكولات. بعد فترة من تناوله شعر الملك ببعض الضيق في معدته وأمعائه، فأعرب عن شعوره قائلا:” الباذنجان شيء مؤذ”، والتقط ذات الشخص عبارة الملك وأخذ يتوسع في ذكر مساوئ الباذنجان وضرره على الجهاز الهضمي والمزاج، فعلق الحاكم على مداخلات النديم بقوله:” عجبنا لأمرك، ألم تمتدح الباذنجان لتوك؟”، فأجاب الرجل:” بلى، ولكني من حاشيتك ولست من حاشية الباذنجان”. ومن الهامات هذه الواقعة نظم أمير الشعراء، أحمد شوقي، قصيدة طريفة تحت عنوان “نديم الباذجان”.
أما عن شواهد الحرج السياسي في تاريخنا المعاصر تحديدا فهي عديدة، لكن المشهد الذي قفز إلى الذهن مباشرة هو المرتبط بالولائم التي كانت حاضرة خلال وبعد توقيع اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل. والأردني بطبعه كريم مضياف، ويتوج هذه الصفة من خلال إعداد “المنسف” في كافة المناسبات تقريبا ليس باعتباره طبقا أو وجبة غذائية عادية، بل باعتباره وليمة قائمة بذاتها ولها احتفاليتها وأصولها المتبعة، تعبر عن مدى الترحيب والحفاوة. والمنسف طبق بسيط في مكوناته، أرز ولحم وجميد، والجميد شكل من أشكال منتجات اللبن المجفف، حيث يطهى اللبن مع اللحم ويرص اللحم بعد اكتمال نضجه فوق الأرز ويسكب اللبن فوقهما.
عقب المباحثات الأولية، وخلال فترات الاستراحة لتناول المفاوضين طعام الغذاء في الجانب الأردني، كان المنسف يتصدر المائدة التي تحفل عادة بأصناف أخرى، ولاحظ الأردنيون أن اليهود لم يأكلوا ولا مرة من هذا الطبق الوطني بامتياز، ليتضح لاحقا أن غياب معلومة أساسية فيما هو محظور على اليهودي أن يتناوله، وتحديدا أكل اللحم المطبوخ بلبن أمه أو أي لبن كان، باعتباره من كبرى المنهيات عنها في مجال المآكل وأن مقترفها يكون قد ارتكب خطيئة كبرى؛ غياب هذه المعلومة أحرجت الجانب الأردني ليقرر فيما بعد استبعاد “المنسف” من قائمة الطعام الرسمية في حال حضور اليهود.
اتضح فيما بعد أن للمنسف فائدة ثقافية وحضارية في غمار حرب الهوية التي تخوضها الأمة العربية مع الكيان الإسرائيلي، وتحديدا في عمليات القرصنة التي تلجأ إليها إسرائيل وسطوها على أهم المأكولات الشعبية التي توارثها شعب بلاد الشام تحديدا منذ قرون طويلة ومن ثم نسبة هذه الأطعمة إلى مطبخها اليهودي، وعليه يتم الترويج بكافة الوسائل الإعلامية والإعلانية العالمية باعتبار أن الفلافل والتبولة والبابا غنوج والفتوش والحمص والعديد من الأطباق الشامية، هي بالأصل أطباق يهودية، وبذا ينجو المنسف بسبب الموقف الديني منه من التطبيقات الخشنة للثقافة ومحاولات القرصنة اليهودية على التراث الغذائي العربي.
أما عن التطبيق الناعم لثقافة الأكل والمشرب فإن نظرة سريعة على هذا العدد المذهل لسلسلة المطاعم التي تقدم الوجبات السريعة على طول خارطة العالم وعرضها وبما يتناسب مع الذوق الأمريكي، يعكس مدى الأثر الذي تركته هذه الثقافة في عموم الوجود الإنساني، وباتت الوجبات الأمريكية على مضارها الصحية شكلا من أشكال سياسة كسب القلوب من خلال التقليد والتشّبه. أما بخصوص استخدام الغذاء والتهديد بطعام الشعوب باعتباره أداة ضغط على الحكومات كي تستجيب لمطالب خارجية، فإن الشاهد الحي الذي عاصرناه جميعا نجده في قرارات الأمم المتحدة بحق العراق المحاصر المرتبطة بمبدأ ” النفط مقابل الغذاء”.
والآن… هل تدرك أخي الصائم لحظة إقبالك على مائدة إفطارك، وتنعمك بتناول ما لذّ وطاب، سواء كنت مقلدا لنمط الشوكة والسكينة، أو ملتزما بالموروث والعادة من خلال الأكل بالأصابع، أن رائحة هذا الطعام وانبعثاته الزكية تخالطها بقدر كبير تعقيدات السياسة والثقافة والسلوك، وأن المسألة ليست على النحو البسيط الذي نتخيله؟
صياما مقبولا إن شاء الله وإفطارا شهيا.

0 1776 06 يونيو, 2016 الثاني والسبعون, ثقافة وفكر يونيو 6, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.