في وداع محمد علي: الديناصورالذي سقط أخيرا

لـ

بما أن الانسانية في أحد تعريفاتها هي مجموعة وجهات النظر الفلسفية والأخلاقية التي تركز على قيمة وكفاءة الانسان سواء كان فردا أو جماعة؛ فهل الملاكمة إنسانية؟

تاريخيا، ربما تعود بدايات ظهور القتال بالقبضات الى العهد السومري حسب الاحفوريات والمنقوشات، وربما تعود الى الفراعنة، هناك أيضا من يعيدها الى الحضارة المينونية في كريت اليونانية. وبعد الميلاد يقال انها ظهرت في الألعاب الأولمبية القديمة وأيضاً في كولوسيوم روما القديمة -ويكيبيديا.

روما القديمة هي ما نرغب في الوصول اليه؛ لكن ليس للنسب التاريخي غير المؤكد بينها وبين القتال بالقبضات، إنَّما لحضور الكولوسيوم أو المدرج الفلافي كأعظم شاهد على أسطورة الامبراطورية الرومانية. الكولوسيوم؛ المدرج الأعظم في التاريخ، الذي شُيد في قلب روما من أموال الغنائم الحربية، لإقامة الاحتفالات والمهرجانات والالعاب ترفيها للشعب، والباقي الى يومنا كأحد أعاجيب الدنيا السبع. المدرج الفلافي أو حلبة الموت.

يرتبط مفهوم المدرج في الذاكرة بالمسرح اليوناني، كأول انبثاقات المسرح كفنّ انساني في التاريخ. وبالمقابل يتردد صدى حلبة الموت كلما صادفنا الكولوسيوم الروماني؛ هذا لأن في هذا المدرج الفلافي بالذات صار فيه القتال بين الرجال والرجال حتى الموت وبين الرجال والوحوش لعبة يتلهى بها شعب ما..!

وبحسب الشواهد فان القتال بالقبضات لم يكن هو الأشهر حينها بين تلك المجازر. لكن مهما كانت انواع الأسلحة المستخدمة بدائية؛ فان الانسان الحديث وبعد بلوغ الفلسفة والعلوم أوجها، قد اجتمع قرار هذا الانسان انه لا يجوز إباحة قتال حتى الموت بين إنسان وانسان كلعبة! لكن…هل هذا هو الواقع؟

الملاكمة المحترفة في عصرنا هي السليل الأنقى لحلبة روما. كم يكون الاشمئزاز عاتيا وغامرا من تلك الجماهير التي تصرخ وتصفق للكمة من هنا او هناك! تهليل وعواء آدمي لسيلان دم من وجه انسان! انها جيناتنا البشرية المدمنة على الدم. المتعة من تشظي أنف او عين او رأس احدنا عبر لكمة! الملاكمة المحترفة؛ والمال المهول من تجارتها، تذاكر، نقل تلفزيوني مباشر، دعايات، مراهنات…

هل يكفي هذا؟ لا..

هناك الموت المباشر على حلبات الملاكمة. لذلك وكحَل سحري تم تقليل عدد الجولات من خمسة عشر الى احدى عشر جولة لتفادي الإصابات القاتلة!  وهنا سأشير الى الملاكمة الأولمبية كرياضة لا يدخل المال فيها، والتي يستخدم فيها اللاعبون واق للرأس ومعظم الوجه يمتص قوة اللكمات، حيث لا تزيد عدد الجولات عن أربع، ومن النادر جدا حدوث جروح او إصابات عميقة او فوز بالضربة القاضية. لكن الجمهور لا يتوق الى هكذا نوع من الملاكمة! الملاكمة المحترفة هي المطلوبة، حيث لا عازل بين اللكمة والرأس، وليسقط الأضعف.

اذن؛ الملاكمة المعاصرة لعبة موت، حلبة كولوسيوم حديثة. لكن من كان يلعب دور البطولة والهزيمة في حلبة روما؟ من كان يرفه عن الشعب الإمبراطوري في مسرح الموت؟ من..؟ إنهم العبيد والاسرى!

وهذا لا يختلف كثيرا عن الملاكمة المعاصرة، فعبيد إنجلترا وأمريكا هم من كانوا يحترفون لعبة الموت. الطبقات الدنيا سودا وبيضا وصُفرا هم مَن دماءهم تنفجر متعة للجماهير.

هل هذا تأبين لمحمد علي ؟ سيقول القارىء الكريم أن هذا مقال في ذم اللعبة التي تربع على عرشها الملاكم الأعظم في كل العصور. وأقول؛ ان هذا هو تأبيننا لمحمد علي. فقبضته أخرجت الملاكمة من الحلبة الى حركة الحقوق المدنية، حين رفض التمييز العنصري. حين رفض التجنيد الالزامي. حين رفض الانضمام الى الجيش الأمريكي في حربه الفيتنامية. حين رفض القتل والطاغوت البشري!

في الثامنة عشر من عمره فاز لامريكا بالميدالية الذهبية في أولمبياد ١٩٦٠، وبعدها بأربع سنوات فاز بلقب الوزن الثقيل في الملاكمة المحترفة، حيث أُطْلِق عليه لقب الراقص في الحلبة والنحلة.

جاءت هذه التسميات من كونه لا يترك لمنافسيه فرصة لإصابته عبر الحركة المتواصلة بين جنبات الحلبة. فهو النحلة المعلقة في الهواء، وهو الراقص مع الموت. قدرة فذّة على تجنب لكمات الخصوم المباشرة، حتى يُنهكَ خصمه، فيجد حينها ثغرة لإطلاق لكمته القاضية، الأسرع في التاريخ (٩٠٠ كم/ الساعة)!

لقد خاطر محمد علي بالكثير من اجل مواقفه. فالنحلة توقفت عن الطيران محتفظة باللسعة، والراقص خانته قدماه. فالسنوات التي قضاها بعيداً عن الحلبة بين 1967-1970 كانت ضارة. حدث هذا بعد ان جُرد من لقب الوزن الثقيل في عام ١٩٦٧ لرفضه التجنيد، حيث اُجبر على التوقف عن ممارسة الملاكمة لثلاث سنوات متواصلة. وحين عاد،  كان قد فقد تلك الميزة؛ الحركة المتواصلة، التي أعيت خصومه في الحلبة. ذكر معاصروه من الملاكمين في الوزن الثقيل؛ أنه كان من الصعب لمس علي في الحلبة، لكن هذا اختلف جذريا بعد عودته في ١٩٧٠. وحين نشاهد ابرز صراعاته في السبعينات من القرن الفائت، يصبح الامر جليا. نشاهد اطنانا من اللكمات تنهال عليه دون القدرة على أن يتقيها، وأيضا دون ان يسقط الا مرة واحدة! وبعد ان يُنهكَ خصمه من طول النزال يطلق محمد قبضته الشهيرة. قُرأ المشهد حينها على أنه أحد تكتيكات علي في النزال، والذي أثبت جدواه بتحقيق الفوز واستعادة لقب الوزن الثقيل.

قوة احتمال جسدية مذهلة، هي من كان الفيصل في النصف الثاني من تاريخه الاحترافي. لكن الامر لم يكن بهذه السهولة. فقد اعترف مدربه أنجيلو دندي ان محمد علي الذي اعتزل اللعب وعمره تسع وثلاثون، كان قد خاض آخر صراعين له وهو مصاب بتلف دماغي، وهذَا ما ظهرت أعراضه المرضية جلية بعد عام من اعتزاله. لكن الرجل الأسمر لم ينهزم، فقد ذهب في نضاله الى أبعد الحدود غير المُحتملة، الى ان سقط الديناصور وهو في الرابعة والسبعين.

ديناصور؛ ليس فقط في رمزية قوته الجسدية، إنما ايضا في انقراض هذا النوع الإنساني الاسمى. كاريزما خلّاقة تهب المستضعف قوة قول كلمة لا..

ان عظمة محمد علي ليست في قبضته، إنما تكمن في انسانيته العليا، ودفاعه عن الأضعف. فهل -بعد كل هذا- الملاكمة إنسانية!

0 1391 12 يونيو, 2016 الثاني والسبعون, ثقافة وفكر يونيو 12, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.