الربيع العربي” بين مطرقة الأعداء و سندان المثقفين ” الجزء الأول”

أمة العرب، مستهدفة من الشرق و الغرب، لأسباب اقتصادية و جيوسياسية، لن أدخل في تفاصيلها لأنها معروفة لدى الجميع، و قد أُشبعها المفكرون و المثقفون جدلاً و نقاشاً منذ زمن بعيد . غير أن ما أريد الإشارة إليه هنا و التنبيه عليه هو أن هذا الاستهداف و التآمر ليس مقصوراً على الطبقات الفقيرة أو المحكومة، و إنما هو أيضاً يشمل الطبقات الغنية و الحاكمة المتحالفة مع الدخيل الأجنبي أياً كان؛ لأن هذا الدخيل يحكمه في نهاية التحليل مبدأ ونستون تشرتشل القائل ” بأنه لا توجد صداقات دائمة و لا عداوات دائمة، و إنما هنالك مصالح دائمة؛ فأينما وُجِدتْ مصالحنا وُجِدتْ علاقاتنا “

مقدمة

بادئ ذي بدء ، بمقالي هذا لا أريد ان أصب الزيت على النار ، فيكفينا الحرائق التي تحيط بنا من كل جانب في أوطاننا الثكلى و أمتنا الجريحة ,,,
و لا أريد أن أزايد على وطنية الشرفاء في هذه  الأمة، و هم كثر، و لكن الكثير منهم تاهت بهم خارطة الدروب المتشابكة و المتداخلة التي وجدوا أنفسهم أمامها ، فضلَّ بعضهم الطريق التي توصلهم و توصل أوطانهم إلى بر الأمان ؛ فسلكوا طرقاً وعرة كلها مستنقعات آسنة مليئة بالحفر التي ليس قرار، و هم جميعاً على اختلاف مشاربهم و توجهاتهم الفكرية و العقائدية، في سرائرهم وطنيون، يقصدون الخير و ينشدون التقدم و التطور و الرقي و الاستقرار لمجتمعاتهم و للأوطان التي يعيشون فيها و يقدمون دماءهم و أرواحهم فدى لها على مضارج البحث عن الحرية و العدالة التي يتمنونها و يرفعونها شعاراً ( موحداً !) لنضالاتهم .

وحديثي هنا ليس موجهاً لكل من لديه غيرة وطنية على أوطاننا العربية العزيزة فحسب؛ بل و هو أيضاً موجهٌ لمن ابتلعه الظلام الحالك، و جرفه تيار الواقع المرير فدفنه في حمأة أعمت بصره و بصيرته عن رؤية حقيقة بارزة واضحة للعيان تقول” بأننا جميعاً – سكان هذه الأوطان – ركاب سفينة واحدة ” إن احترقت احترقنا معها جميعاً، و إن غرقت غرقنا معها جميعاً بلا أدنى تمييز بين فاعل و مفعول، أو بين حاكم و محكوم، أو بين غني و فقير، أو بين صغير و كبير، أو بين رجل و امرأة، أو بين أصحاب مذهب و مذهب، أو بين عقيدة و عقيدة ، دينية كانت أو سياسية . . و أن تشرذُمنا بالتالي، و اقتتالنا فيما بيننا لن نحصد منه سوى الزوان و الحصرم، و لن يصل بنا في نهاية المطاف إلا إلى خراب بيوتنا بأيدينا و تقديم أنفسنا و أوطاننا لقمة سائغة لأعدائنا الحقيقيين المتربصين بنا من كل جانب. و أن النفخ في الأحقاد، و إيغار الصدور على بعضنا، لن يورثنا، في نهاية الأمر، غير الندم ساعة لات مندم ، و غير الأسى و الحسرة و الألم الذي يتفطر له قلب كل إنسان شريف . فالقتل لا يورث إلا القتل ، و الدم لا يجلب غير الدم،  و الثأر بالثأر الذي تتصاغر أمامه ثارات عبس و بني ذبيان في داعس و الغبراء، و حرب البسوس بين أبناء العمومة بني بكر و تغلب.

و علينا أن نضع في اعتبارنا و ألا تغيب عن أذهاننا حقيقة أنه ” ما أسهل و أيسر إشعال نار الحرب في هذا الزمان “، بل و لعله في كل الأزمان، ” و لكن حروب هذا الزمان تحرق نيرانها اليابس و الأخضر و تفتت الصخر“، فلا تبقي و لا تذر، فهي حرب العناصر الهوجاء و الجبناء، لا حرب الشجعان و الفرسان النبلاء ، إذ أنها ما عادت زندا لزند، و لا سيفاً لسيف، و لا حتى بندقية لبندقية ، بل صاروخاً و طائرة و مدفعية تُطلق من آلاف الأميال، تحمل في قذائفها الشر المستطير للصغير قبل الكبير، و للبسطاء الأبرياء قبل المقاتلين الأشداء، فتبيد من أمامها البشر و الحيوان و الشجر، و تمحو كل أثر للحياة و للحضارة و الفكر( كما هو حادث الآن في سوريا و ليبيا و اليمن و من قبلهما في أفغانستان و العراق) . حقيقة أدركها جون كندي حين قرر سحب أساطيله المحاصِرة لخليج الخنازير بكوبا عام 1962، تجنباً لمواجهة نووية حتمية مع الاتحاد السوفياتي ، فقال في جوابه على سؤال لأحد الصحفيين :

” لماذا فضل الانسحاب على المواجهة ؟:

لأنه  و جد أن ” الانتصار سيكون رماداً في فم المنتصر” ، فأي انتصار سيحظى به المنتصر أياً كان مع الرماد ؟!

و عليه ؛ سأورد هنا حقائق و بديهيات يعرفها و يقرُّ بها جلُّ، إن لم يكن، كل العرب على اختلاف مسمياتهم العقائدية و مستوياتهم الثقافية و الفكرية، و ذلك رغبة في تحقيق غايتين : الأولى ؛ هي التذكير ” لعل الذكرى تنفع المؤمنين ” بحقائق كثيراً ما ننساها لحظات الانفعال و الغضب، لأن ” الغضب ريح تطفئ سراج العقل ” فتغيب الحكمة و الرشاد، و لا يبقى لحظتها من مرشد للقرار أو موجِّهٌ للفكر سوى الجنون و الهوَج . الثانية ؛ هي جعلها أرضية مشتركة ، ينطلق منها حوارنا الجاد و يعود إليها كلما شطحت بنا الرؤى و دخلنا في متاهات الدروب التي يُراد لنا أن نولجها و نضل فيها سواء السبيل.

 

فأمتنا ، أمة العرب، مستهدفة من الشرق و الغرب، لأسباب اقتصادية و جيوسياسية، لن أدخل في تفاصيلها لأنها معروفة لدى الجميع، و قد أُشبعها المفكرون و المثقفون جدلاً و نقاشاً منذ زمن بعيد . غير أن ما أريد الإشارة إليه هنا و التنبيه عليه هو أن هذا الاستهداف و التآمر ليس مقصوراً على الطبقات الفقيرة أو المحكومة، و إنما هو أيضاً يشمل الطبقات الغنية و الحاكمة المتحالفة مع الدخيل الأجنبي أياً كان؛ لأن هذا الدخيل يحكمه في نهاية التحليل مبدأ ونستون تشرتشل القائل ” بأنه لا توجد صداقات دائمة و لا عداوات دائمة، و إنما هنالك مصالح دائمة؛ فأينما وُجِدتْ مصالحنا وُجِدتْ علاقاتنا  ” … فلا يأمنَنَّ أي حاكم مرتهن للغرب أو الغريب أياً كان نوعه، أن يرفع الغطاء عنه أو حتى أن يقلب عليه ظهر المجن ذات يوم، و ينسف الكرسي الذي يجلس عليه، و أن يستبدله كما يستبدل نعله، إذا جد الجد، و أيقن أن مصالحه زائلة بوجوده ؛ كما أكدت ذلك التجارب الألف في كثير من البلدان العربية و غير العربية ؛ كما حدث، مثلاً، للشاه نشاه ، الذي كان شرطي أمريكا في الخليج، حين وقعت ثورة الخميني في إيران 1979، فلفظه أسياده الأمريكان لفظ النواة من التمرة، و لم يقبلوه حتى كلاجئ سياسي في بلادهم، و كذلك الأمر مع أنور السادات بمصر، عراب السلام مع إسرائيل، حين أرداه قتيلاً مواطنه خالد اسلامبولي في منصته بيوم العرض الشهير في 6 أكتوبر 1981. و مع خليفته حسني مبارك الذي اسقطته من عرشه انتفاضة 25 يناير 2011 ، و علي زين العابدين بتونس، و مع الملك فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية في 1973، حين نسي لحظة قاعدة الظهران الأمريكية المقامة بمباركة منه على الأراضي السعودية، فقطع النفط عن ظهيرته أمريكا، فدبرت له من يقتله من عائلته في وضح النهار، و كذلك الأمر مع صنيعة أمريكا الجنرال الطاغية بينوشيه في تشيلي ، الذي اعتُقل بعد بضع سنواتً في بريطانيا و قُدم للمحاكمة على جرائمه و فساده في بلاده . فكما قال أحد القادة الألمان المأسورين في الحرب العالمية الثانية : ” السياسة  تستغل كافة أشكال الخيانة، و لكنها لا تشرّف الخونة ” الذين يبيعون أوطانهم و شعوبهم و يرتضون لأنفسهم بأن يكونوا حصان طروادة و مطايا للوجود الأجنبي في بلدانهم . فالشعوب لا عاصم منها إلا بها، و مخطئ من الحكام من يستقوي بالعدو الخارجي على شعبه في الداخل، و لا يبحث له عن سبل صادقة و أمينة للتراضي معه بمد جسور التفاهم و الحوار الهادف البناء لقيادة سفينة بلاده إلى بر الأمان، بدلاً من الدفع بها إلى اللجة، حيث عين العاصفة فيغرقها بما و من عليها، و في مقدمتهم هو الحاكم ذاته و من معه من البطانة و الحاشية، التي لن تغني عنه شيئاً من شعبه إن تقطعت به السبل و انقطعت بينهما شعرة معاوية .

الثالث والسبعون سياسة

عن الكاتب

زهران بن زاهر الصارمي

abu-shamsan@windowslive.com
99206716

اترك تعليقاً