سُننية رسالة موسى عليه السلام (يد وجيب وجَناح) ج2

لـ

 

في الجزء الأول من هذا المقال؛ تكلمت عن آية (يَدٌ وجَيْبِ وجَناح) التي أتى بها الرسول موسى، وقد أطبق المفسرون منذ كعب الأحبار ووهب بن منبه وابن عباس على تفسيرها بنظرية الإشعاع الذاتي لجارحة يد موسى، وهي عندهم من المعجزات وخوارق العادات التي تخرج عن دائرة التعقل الإنساني.

انتقادي لنظرية الإشعاع الذاتي مؤسس على أن الآيات كالشمس والفُلك والسحاب تجري بسُنن يعقلها الناس، والتفسير الوارد لا منطق سنني له، فلم يقدم من قال بنظرية إشعاع جوارح موسى تفسيراً سُننياً مقبولاً لها، مكتفين بالقول إنها معجزة خارقة للعادة، في القرآن هي آية كالشمس والسحاب المسخر بين السماء والأرض، يعقل الناس سُنن جريانها.

 

-1-

مما يعوق تعقل مآلات كلمات (يَدٌ وجَيْبِ وجَناح):

  1. نقص المعرفة الكونية؛ إما بعدم الاشتغال بها أصلاً أو بعدم الاقتناع بجدواها في تعقل آيات القرآن، المفسرون القدامى اعتمدوا التفسير بآثار الصحابة والتابعين، وأهملوا تماماً ربط القرآن ببيئته الكونية، فصار القرآن يُقرأ خارج بيئته ونطاقه، فالتفاسير القديمة تمثل في بنيتها وتركيبتها الأساسية معارف وخبرات انتهت صلاحيتها الزمنية منذ قرون.
  2. قصور النظريات اللغوية؛ وهذه النظريات تقتصر في فهم دلالة الكلمة على نقل أعراف المجتمعات في تسمية الأشياء، وهذه الأعراف مرتبطة بواقع اجتماعي زمني وإقليمي، القرآن كتاب كوني لم يأت لشعب أو قبيلة أو إقليم، رسالته الكونية تحتم أن تكون حروفه وكلماته مرتبطة بحركة الكون بآياته وسننه.

الإصرار على حصر مآلات الكلمات القرآنية في الأعراف الزمنية جمَّدها في متحف التاريخ، عالمية القرآن تتحقق بتجدد مآلاته عبر الزمان والمكان بما يختزنه من طاقة، الكلمة القرآنية هي ذروة اللسان العربي بسُننيته الكونية، تقرأ هذه الكلمة بكافة اشتقاقاتها في سياقاتها القرآنية للوصول إلى العلاقة التي تربط اشتقاقاتها ببعضها، أما ما جمعه الناس من دلالات الكلمات في مدوناتهم فيوظف في سياق قراءة اشتقاقات الكلمة القرآنية واكتشاف العلاقات الناظمة لها.

 

 

 

-2-

(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) النمل:12

(اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) القصص:32

(وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ) الأعراف: 108

(يَدَكَ/يَدَهُ) حملها التفسير على معنى جارحة الرسول موسى، وبنى عليها نظريته في الإشعاع الذاتي للجارحة، (يد) في القرآن نُسِبت إلى الله والكتاب والناس:

(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) الفتح:10

(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت:41-42

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم:41

(يد) بنسبتها إلى الله والكتاب يُنفَي اختصاصها بالناس، فهي إذا نسبت إلى الله فينفي تماماً فكرة الجارحة، وإذا نسبت إلى الكتاب فطبيعي أن فكرة الجارحة مستبعدة، بل وإذا نسبت إلى الناس فهي تحتمل جوارح متعددة، فظهور الفساد بما كسبت (أيدي) الناس يكون بكسب جوارح: اليد والرجل واللسان والفرج…الخ، وكلها عبر عنها القرآن بالأيدي.

في الجمع اللغوي قديماً وحديثاً: (يد) تعني السلطان، القوة، القدرة، النعمة، الجارحة، واليد من كل شيء المقبض، ومنه يد السيف والسكين والفأس والرحى ومن الثوب، وذهب عالم سبيط النيلي إلى أن المعنى الجامع لكلمة (يد) هو القوة متعددة الأغراض، وهذا المعنى أظهر في نسبة (يد) إلى الكتاب.

إذن تحتمل (يدك) في الآيات الخاصة بالرسول موسى:

– معنى الجارحة، وهي عندهم الجارحة المشعة بذاتها، وهذا ما تبنته كتب التفسير

– معنى آخر هو: أنها مادة شكلت قوة بارزة في الشيء عبر عنه القرآن بـ(أَدْخِلْ يَدَكَ/اسْلُكْ يَدَكَ/ وَنَزَعَ يَدَهُ).

معنى الجارحة المشعة بذاتها لم يُقدَم له تفسير سُنَني مقنع إلى اليوم، أما التفسير الثاني فيرى أن (يد) هي مادة تشكل قوة قادرة على الإضاءة في ظروف معينة؛ هذه المادة أدخلت ثم سُلكت ثم نزعت، فخرجت بيضاء من غير سوء، ويمكن تصور هذه المادة شريطاً بارزاً من مادة قابلة للإضاءة تستمد طاقتها من وقود طبيعي.

الأفعال الثلاثة التي ارتبطت بيد موسى هي (أدخل/اسلك/نزع)، وهي تصور مراحل وضع هذه اليد في (الجيب):

(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) إدخال مادة (اليد) في الجيب

(اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) تحتاج مادة (اليد) أن تسلك داخل تجويف الجيب

(وَنَزَعَ يَدَهُ) تنزع مادة (اليد) من داخل تجويف الجيب لتخرج بيضاء من غير سوء، انظر الأشكال (1) و(2).

ونسبة (يدك/جيبك/جناحك) إلى الرسول موسى تعني اختصاصه بها، والموكل بأن يُعلِّمها الناس، وهي مما آتاه الله للرسل من آيات الكتاب (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) البقرة:53.

 

-3-

(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) النمل:12

(جَيْبِكَ) الجيب كما تصوره التفسير هو جيب القميص الذي تدخل فيه الجارحة لتخرج مشعة كأنها مصباح أو شمس، الجذر الثلاثي (جيب) مرتبط بالجذرين الآخرين (جاب-جوب)، كثير من اللغويين ربطوا بين الجذور الثلاثة (جاب-جيب-جوب) وناقشوها في سياق واحد، وهذا اتجاه صحيح، والذي أراه أن الألف هي الأصل، والياء والواو مظاهر للألف، فالأصل هو (جاب) أما الياء والواو في (جيب-جوب) فهو مظاهر منقلبة عن الألف.

كلمة (جيب) تمظهر نهائي لقوة مؤثرة، واستعملها القرآن في الآية (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) النور: 31 و(جيوبهن) في الآية هي مكامن القوة الحيوية في الإناث البالغات، ومن جيوب الأنثى: فرجها ودبرها وصدرها وبطنها وظهرها وأردافها وأفخاذها وسيقانها وعضدها وشعرها.

في الجمع اللغوي: (الجوب قطعك الشيء كما يجاب الجيب. جبت الشيء أجوبه إذا قطعته جوباً، والجوب درع تلبسه المرأة. قال الفراء: جابوا: خرقوا الصّخر. وجُبتُ المفَازَةَ: قٌطعْتها. جَيَّبَ يُجَيِّبُ فهو مُجَيَّبٌ أَي مُقَوَّرٌ).

وقَوَّر الشيء يعبر عنه بـ(جَيَّبَ)، وهذا هو أصل الجيب، فهو يُصنع بقوة تؤثر على الشيء، سواء كان:

– جيباً للقميص

– أو تجويفاً في شيء ما

– أو عضواً في الجسد؛ يمثل تمظهراً لقوة حيوية كامنة تنبض بالجمال والجاذبية.

وبناء على أن الجذر (جيب) هو تمظهر نهائي لقوة مؤثرة، سواء في الماديات أو المعنويات؛ فالجيب في آية الرسول موسى يدل على معنى التجويف الذي (يدخل/يسلك/ينزع) فيه شريط المادة القابلة للإضاءة (يد)، وقد ورد هذا المعنى في الجمع اللغوي، فـ(جَيَّبَ) تفيد معنى قَوَّر الشيء، وتقوير الشيء يؤدي إلى تشكيل فجوة فيه.

 

-4-

(اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) القصص:32

(وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) طه:22

ذهب التفسير إلى أن (جناحك) في هذه الآيات تعني الذراعين أو الجنبين، انسجاماً مع تفسير (يد/جيب) بنظرية الإشعاع الذاتي للجارحة، فيكون المعنى أن موسى يضع جارحته في جيب قميصه أو تحت ذراعه فتخرج بيضاء من غير سوء.

الذي أراه أن الجذر (جنح) في القرآن يدل على معنى القوة التي تولد طاقة نطاقها واسع:

  1. (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) الأنعام:38

جناح الطائر الذي له نفس يتحرك بقوة ضربات جناحه في الهواء، التي تولد بدورها طاقة ترفعه إلى الأعلى، وكذلك الطائر الآلة الذي له جناح، القوة الناشئة عن احتراق الوقود تولد طاقة هائلة تدفعه إلى الأعلى.

  1. (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنفال:61

(جَنَحُواْ/فَاجْنَحْ): قوة تولد طاقة بنطاق واسع، القوة هي إرادة السلم، والطاقة الناشئة عنها تسخير كل الطاقات للدخول في السلم كافة.

  1. (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) الحجر:88

(جَنَاحَكَ) قوة تولد طاقة بنطاق واسع، وهي ما يتمتع به الإنسان من قوى تعطيه نفوذاً وصلاحيات واسعة في الحياة، فأُمِر من كان له جناح بأن يخفضه للمؤمنين.

  1. (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فاطر:1

(أَجْنِحَةٍ) منسوبة إلى الملائكة، فهي قوة تولد طاقة بنطاق واسع، وهذه الطاقة الهائلة تمكنهم من تأدية وظائفهم التي أوكلت إليهم، وليست أجنحة الملائكة ريشاً كما قد تتصور بعض الأذهان التي تجسد المعاني.

في الجمع اللغوي: (جنحت السفينة إذا مالت في أحد شقيها. وكل مائل إلى الشيء فقد جنح إليه. وجناح الطائر من هذا اشتقاقه لأنه في أحد شقيه وكل ناحية جناح).

واضح من الأمثلة أن أنهم عدوا الطائر المكسو بالريش أصلاً نحتوا منه المعنى، فـ(جنح) عندهم بمعنى مالَ أخذاً من ميلان الطائر في طيرانه، والصواب أن الميلان نتيجة لـ(جنح) وليس توصيفاً للبنية الداخلية للكلمة، فجنحت السفينة مثلاً تعني تعرضها لقوة تؤدي إلى نشوء طاقة داخلها أو حولها تؤثر على مسيرها، ميلان السفينة هو نتيجة لجنوحها.

(جَنَاحَكَ) في آية الرسول موسى تدل على قوة تولد طاقة بنطاق واسع، (يد/جناح) كما أسلفت تشكل أجزاء من مصباح، ما ينقص المصباح هو مصدر يمده بالطاقة، مصدر الطاقة هو (الجناح) انظر الشكل (1)، وقد عُثر على اكتشافات عديدة تدل على استعمال زيوت كزيت الزيتون مصدراً لطاقة المصابيح القديمة، وهي اكتشافات في بلاد الرافدين تعود إلى حوالي 3500 عام قبل الميلاد (ابحث في جوجل عن مقالات بالإنجليزية بدلالة “history of lanterns”).

زيت الزيتون أو أي زيت آخر أمثلة للقوة التي تولد الطاقة اللازمة للإضاءة (بيضاء من غير سوء)، وقد عبر القرآن عن (جَنَاحَكَ) بحالتين:

(وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) طه:22

(وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) القصص:32

الحالة الأولى: “ضم اليد إلى الجناح” وهي ضم شريط المادة القابلة للإضاءة إلى وقود الطاقة، ونتاج ضمهما أن اليد تخرج بيضاء من غير سوء.

الحالة الثانية: “اضمم إليك جناحك من الرهب” وهي خاصية انضمام الجناح من الرهب، والرهب هو تمظهر نهائي لتناقص تدريجي، فهو يعبر عن تناقص في طاقة الجناح الذي يُوِّلد الطاقة، فالطاقة التي تزود المصباح لها أجل محدود وتنضب، ثم يلزم تغيير مصدر الطاقة (الجناح).

المعنى الجامع للجذر (رهب) هو تمظهر نهائي لتناقص وتراجع تدريجي، ومما يدل على ذلك:

أ. (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) المائدة:82

(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد:27

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ) التوبة:34

(رهبان/رهبانية) ورد ذمها ومدحها بحسب السياق، المدح متوجه إلى تمظهر نهائي لتراجع وتناقص الخصال السيئة فيهم، والذم متوجه إلى تمظهر نهائي لتناقص وتراجع الخصال الحميدة فيهم.

ب. (قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) الأعراف:116

(وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) تمظهر نهائي لتراجع وتناقص في خصال في النفس، كالثقة في معارفهم وخبراتهم أمام حيل وخداع السحرة، فيؤدي ذلك إلى سقوط دفاعاتهم النفسية ويخضعوا لمنطق السحرة.

ج. (وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ) النحل:51

(فَارْهَبُونِ) تمظهر نهائي لتراجع وتناقص في خصال سيئة في النفس، كالتعلق بغيره سبحانه.

في الجمع اللغوي: (الجذر “رهب” له معنيان؛ الأول: يدل على الخوف، الثاني: على دقة وخفة، ومنه قولهم الرهب الناقة المهزولة، والرهاب الرقاق من النصال)، الذي أراه أن الخوف هو نتيجة للرهب وليس توصيفاً لبُنيته الداخلية، ومعنى التناقص والتراجع التدريجي أصوب.

 

-5-

آية موسى (يد/جيب/جناح) شكلت بمجموعها مصباحاً ينير الظلام، استعمله الناس في البيوت، وكان ذلك قبل آلاف من السنين، حيث شكلت هذه الآية سبقاً معرفياً زمنياً صنفها كثير من الناس خوارق ومعجزات؛ لأن مستوى التفكير الإنساني آنذاك لم يستوعب بعد كثيراً من أبجديات الجريان السُنني، وقوم فرعون الذين عاينوا هذه الآيات المبصرة قالوا إنها سحر مبين (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) النمل:13، وهو قاسم مشترك بين العديد من الأمم الغابرة التي لم تستوعب المنطق السُنَني للآيات فأرجعتها إلى السحر.

 

وتعليم الناس هذه الآيات من رحمة الله ولطفه بهم، حيث تتضمن الرسالات آيات معرفية كونية تسهم في بري معيشتهم، وهذا المصباح كان من البدايات الأولى التي تطورت عنها المعارف والتطبيقات البشرية للإضاءة التي نعرفها اليوم.

وقد أشار القرآن في معرض ضرب الأمثال إلى المصباح في زجاجة الذي يوقد من زيت له خاصية توليد الضوء (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ) النور:35، وهذه

قصور النظريات اللغوية وعدم توظيف المعرفة البشرية المتراكمة؛ قدم آيات الرسل في صورة لا سُننية، وهو ما عرف عندهم بخوارق العادات والمعجزات، وهي نظرية موروثة من مرحلة ما قبل القرآن.

 

lant2

lant1

0 2726 21 أغسطس, 2016 الرابع والسبعون, ثقافة وفكر أغسطس 21, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.