ما وراء النص والتأويل

Avatar
كتب بواسطة سعود الزدجالي

“من حيث الأصل لم ينشأ التفسير في منطقة الحياد النظري الافتراضية، أعني لم ينشأ في سياق علمي تأملي بريء من فواعل الاجتماع المباشرة وغير المباشرة، فقد ظهر بعد أن كان التدين السياسي قد انتهى من إفراز وتكريس المذهبية؛ وتبلور في السياق الجدلي الذي نشأ عنها، ما يعني أنه ولد منذ البداية، محمّلا بحمولات سياسية اجتماعية مغايرة لحمولات النص الأولى، أسفرت عن تعدد دلالات النص الواحد بتعدد الأطر المذهبية” عبدالجواد ياسين

 

في المقال الماضي بينتُ مرتكزاتٍ منهجيةً من أهمّها تحديد الخطاب الديني الذي يخضع للفحص والتحليل والنقد، وهو “كامل التوجهات الدينية ذات الصبغة الأيديولوجية”، ولن يكون خطابٌ ما متسما بالسمة الأيديولوجية إلا في حال امتزاجه بالسلطة أو ادعاء الوثوقية والحق، ولعل هذه المصادرة مهمة في قراءة هذه السلسلة من المقالات؛ من حيث إنني أزعم أنها العامل الحاسم في أحاديتنا تغذيها عوامل مختلفة ترتبط بنوازعنا الإنسانية.

والخطاب الديني عند المسلمين يرتكز على أصلين أو مصدرين من مصادر التشريع، هما: القرآن والسنة، وإذا كان القرآن قد اكتمل تنزيله، وتدوينه في عهد النّبوة، وجمعه ومن ثم تعميم نسخة رسمية للدولة في عهد الخلافة الراشدة؛ فإن “السنّة” دونت في ظروف تاريخية محددة لاحقة وغامضة أحيانا؛ ولم تتحرر من العوامل الأيديولوجية قبولا ورداً، ولو رجعنا إلى التاريخ الإسلامي وأحداثه المختلفة؛ نجد أن النص “واحدٌ”، والتأويل “متعدد” بتعدد الأهواء، والأيديولوجيات، أو المناهج أحيانا؛ لذلك فإن النص لا يخضع لتعدد التأويل والتفسير فحسب؛ وإنما يتجاوزه بفعل السلطة إلى ثنائية الإلغاء والإعمال؛ ومردُّ ذلك إلى أمرين:

  1. أن اللسان والكتابة نظامان من الرموز المتمايزة، والسبب الوحيد لوجود الكتابة المسطورة هو تصوير اللسان وتمثيله، ومن حيث إن الكلمة المكتوبة هي صورة المنطوقة؛ فهي تمتزج بها أشدّ الامتزاج حتى تنتهي إلى أن تخلعها عن دورها الرئيسي[1]، فالنصُّ وثيقة متحولة من أصله المنطوق؛ وعند تحوّله يتسم بسمتين متناقضتين هما: “الموت” و”الحياة”؛ فالسمة الأولى تعطيه قابليته لوجوه التأويلات، والثانية تعطيه اكتنازه للمعاني ما تعددت العقول؛ فحياته من حياة قرائه ومؤوليه؛ فهو أمام مؤوله كالصخرة أو قطعة الطين أمام نحّاته أو مشكّله.
  2. أن النصّ في المجتمع الإسلامي يعطي للإنسان شرعية الفعل الذي يمارسه أو يريد أن يمارسه؛ والممارسات الأساسية تندرج تحت المعتركات السياسية والأهواء أو الحياة العامة، فالمسلم لا يكترث كثيرا بأفعاله في حياته الخاصة، وإنما يلون أفعاله خارج هذا الإطار بألوان التشريع الإلهي؛ وبما أن الأهواء متعددة؛ فإن التأويل متعدد؛ يصل إلى درجات ممارسة العنف على النص بما هو سلبي يغيب عنه المنتج أو الباثّ، أو النظام المؤسساتي المدني الذي يجعل سلطة التفسير خارج التصرفات الفردية؛ فالنصّ خارج إطار الحماية القانونية.

ولكي نبرهن على شيء من ذلك الزعم ينقل الطبري إلينا في تاريخه حول حادثة “مقتل عمّار” حينما توجه عبدالله بن عمرو بن العاص إلى أبيه قائلا: “يا أبت، قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما قال! قال: وما قال؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد، والنّاس ينقلون حجرا حجرا، ولبنة لبنة، وعمّارٌ ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين، فغشي عليه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: ويحك يا ابن سمية! الناس ينقلون حجرا حجرا، ولبنة لبنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر! وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية!” فدفع عمرو صدر فرسه، ثم جذب معاوية إليه، فقال: يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبدالله؟ قال وما يقول؟  فأخبره الخبر. فقال معاوية: إنك شيخ أخرق ولا تزال تُحدّث بالحديث وأنت تدحض في بولك! أوَنحن قتلنا عماراً، إنما قتل عماراً من جاء به[2] .

وهذه الواقعة تلخص لنا القدرة التي يوظفها معاوية في تأويلٍ يتناسب مع ما يريده من أهداف أيديولوجية؛ فـ”النص” النبوي يمكن إلغاء “الظاهر” من معناه إلى معنى آخر يكون نقيضا للمعنى المراد أو المعنى الظاهر، نصطلح عليه بظاهرة “العبث بالنص” أو “التأويل الأيديولوجي”؛ إذ يتحول القاتل إلى صاحب حق، بغض النظر عن مشروعية الحرب، يجعلنا ذلك نستعيد قراءة ما استقرّ عند العلماء أو بعضهم من أن من يتولى التفسير أو الإفتاء ينوب عن الله ورسوله؛ فما يصل إليه من “حكم” يخرج من حيز “الاجتهاد” إلى حيز الإلزام من حيث إنه مراد الله، ومراد رسوله، وهذا الزعم كاف لممارسة الترويج للتفسير والإفتاء، وهو يؤدي إلى ظاهرتين هما:

                الأولى:  استغلال النص قبل تأويله بما يشبه تأويله؛ وهذا الاستغلال في لحظة غياب التفكير العقلاني؛ أو بغية التضليل الإعلامي؛ فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد، وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا[3]، ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف ثم نقول: ما فيها حكم بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدتَ فيهم من يقول: بلى، ينبغي أن نقبل، فتكون فرقةٌ تقع بينهم، وإن قالوا: بلى نقبل ما فيها، رفعنا هذا القتال عنّا وهذه الحربَ إلى أجل أو إلى حين، فرفعوا المصاحف بالرماح، وقالوا: هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت، قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه[4].

                الثانية: وضع التأويل موضع النص وموضع قدسيته: إذ يزعم صاحب التفسير والفهم، أنه ينطق باسم الله، وأن ما قام بتأويله هو حكم الله ومراده؛ فيقدس “الفهم” بسبب هذه المغالطة المنطقية، فبعد مضي الواقعة الأولى، وانكشاف الخديعة السابقة؛ يتوجه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) إلى “الخوارج” ليقول: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفّين. قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله، قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا، فكانوا شرَّ أطفالٍ وشرَّ رجالٍ، امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهناً ومكيدة، فرددتم عليّ رأيي، وقلتم: لا، بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتكم إياي، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمهم برآء، قالوا له: فخبّرنا أتراه عدلا تحكيمُ الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خطٌ مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال[5].

إن العبارة الأخيرة من علي بن أبي طالب تكشف لنا الفصل بين “النص”  و”تأويل النص”، وعلاقته بأهواء الرجال والسياسة. يقودنا ذلك إلى الاعتراف والإقرار مع أحادية النص بـ”تعددية التأويل” في القرآن، و”تعددية النقل والتأويل” في الحديث النبوي؛ فالنصُّ وإن كان واحداً نتداوله جميعا، ولكنّه يتعدد بتعدُّد التأويل، إذ لا يمكن للأهواء السياسية والأيديولوجيات المذهبية في تاريخها الباكر أن تكون بريئة في محاولات: الإظهار، والإخفاء، والحذف، والزيادة، والتأويل بما يدفع بمشروعها السياسي إلى الأمام، ومع ذلك وفي الراهن الذي نعيشه لا بد من الإقرار بأمرين هما:

  1. حرية الفهم والتأويل للنص؛ بما أن النصّ نفسه قد فتح هذا الباب على مصراعيه؛ وبما هو نصّ تشريعي وأخلاقي نزل بلسان عربي مبين، ولكن مع الإيمان بحق الآخر في التأويل المضاد والنقد.
  2. استحضار الأهواء والأصول، والأيديولوجيات المذهبية بما يجعلنا نمارس “الشك الديكارتي” وتجنب تنزيه التأويل الديني؛ لأن “القرآن إنما هو خطٌ مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال”. فالفتوى (مثلا) ظاهرة إنسانيةٌ تريد تأويل النص، وليست ظاهرة إلهية منزهة من النقائص والزلل.

وعند الإقرار بهذين الأمرين؛ ولأن التأويل ظاهرة إنسانية على درجة عالية من الخطورة الدينية؛ فإنه لا بدّ من الإيمان أيضا بضرورة وجود “قانون ثالث” خارج دائرة التأويل وخارج دائرة النص؛ قانونٌ ينبع من صميم الاجتماع الإنساني، يضبط المجتمع المدني من الوقوع في إلحاق الضرر بالآخر، أو النفس، أو مؤسسات الدولة، أو ادعاء مطلقية الحق في تفسيره؛ كما حدث في قضية “تحريم الموسيقى” والتظاهر أمام دار الأوبرا السلطاني التي تعد مظهرا حضاريا وإنسانيا؛ لأن فئة منا تحتكر “حق التحريم” وتنطق بلسان الله تعالى؛ أو لأنها تتبنّى الرأي الفقهي الذي يرى تحريم الموسيقى؛ دونما مراعاة لتعددية المجتمع واختلاف أطيافه؛ وإذا قُبل مثل هذا التصرّف من بعض الأطياف؛ فإنه لا يقبل من مؤسسة الإفتاء؛ كما حدث في منشورات تحريم تأجير محلات المساجد للحلاقة، وصالونات النساء؛ لأن البعض يعتقد تحريم حلق اللحية، أو تردد المرأة على الصالون؛ لا سيما وأن المساجد في السلطنة تنتمي إلى أطياف فقهية مختلفة.

ولو تجاوزنا تمظهرات التأويل للنص في المجتمع الإسلامي؛ فإن “ظاهرة الإفتاء” تظهر على السطح في الراهن الذي نعيش على سائر التأويلات، وتأخذ بحُجز مشاعرنا وعواطفنا، وهي ظاهرة خطيرة؛ لأن الفتوى “ناتج” نهائي قابل للتطبيق، مفعم بالوثوقية الأيديولوجية؛ إذ تختفي عملياتُ إنتاجها وبنائها، ويحضر الناتج ملصقاً بشخص المنتِج المنزّه عن الوقوع في الخطأ، وقد رأينا في وقائع التاريخ خطورة التأويل، وخطورة النص وإمكانية العبث به، وإعادة إنتاجه، وتكفي آية واحدة في التأويل لتدمير أمّة كاملة بهاجس الحق وادعاء الاستحقاق؛ ويدفعني ذلك إلى أن القرآن بوصفه نصا تشريعيا لا يأتي بمضامين معرفية بمعزل عن مناهج القراءة والتأويل؛ وعند الاعتماد على “المضمون الظاهر” الذي يجد هوى في النفس؛ بمعزل المناهج اللسانية والمنطقية؛ فذلك يعني صناعة “الفهوم الجاهزة” في صورة “الفتوى” لتقديمها إلى الناس جاهزة لدى طائفة مذهبية محددة دونما مراعاة للمدارس الأخرى. ولا تجد الفتاوى والتأويلاتُ الدينية الجاهزة في المجتمعات المسلمة صداها في الأنفس والمعتقدات، والممارسات إلا لوجود عوامل تعدّ ضمن “بنية هذه المجتمعات“، ولعلنا نشير إلى أهمها:

  1. أن المجتمع الإسلامي؛ مجتمع فقهي؛ يطلب تفسيراً دينياً لكل فعل يريد أن يقوم به، أو يجده عند الآخر، وإن كان فعلُ الآخر لا يعنيه، ولا يضره؛ وينسى قاعدة البراءة الأصلية[6]؛ لأنه يحمل في طيات نفسه “إصلاح الأرض” كلها، وتطهيرها من المخالف، والمشرك؛ مع اعترافه أن القرآن أكّد سننية الاختلاف والتعدد؛ فهو ينشغل بأبسط الأمور؛ مثل: “فقه الهاتف النقال”، أو “حكم القرنقشوه”،و”لباس المرأة” وقد يجاهد لخلق خطاب مضاد لهذه الظواهر الاجتماعية اليومية البسيطة؛ لأن الانحراف عمّا يراه من تأويل تجاهها بدعةٌ وضلالةٌ، وفي هذه السمة يستند وائل حلّاق إلى مستشرق مثل جوزيف شاخت في اصطباغ المجتمع بالفقه وأحكامه؛ وذلك يعني بحثه الدؤوب عن “المفتي” أو “الفقيه” الذي يمتلك الأداة التفسيرية المعروفة بالاجتهاد، وهي امتلاك القدرة التأويلية لإنزال الكلمة الإلهية على أمور المعاش والواقع الدنيوي[7].
  2. أن الممارسة الفقهية في تأويل النص الشرعي، وتقديم “الحكم” كانت عملية من عمليات المجتمع المدني في مواجهة “الحكم الأبوي المطلق”؛ فـ”العلماء” خارج بلاط الحكم، في مقابل “العلماء” داخل بلاط الحكم مما زاد تشعب النزعات الكلامية، وتعدد ظهور المدارس في كل حقبة من حقب الإسلام، وقد استشعر وائل حلاق هذه السمة[8]؛ ولكنها سمةٌ بدأت تضمحل شيئا فشيئا بظهور “العالم” الذي أصبح موظفا داخل الدولة، ويحاول (أحيانا) أن يخرج بالفتاوى التي قد تتعارض مع إرادتها؛ ليكتسب شيئا من “القدسية المذهبية” وأوصاف التقوى، والربانية، ولقد دقّق الوصف في هذه الظاهرة ابن خلدون في المقدمة إذ يقول: “وأمّا شوراه في السياسة فهو بعيد عنها لفقدانه العصبية والقيام على معرفة أحوالها، وإنّما إكرامهم من تبرعات الملوك والأمراء، الشاهدة لهم بجميل الاعتقاد في الدين وتعظيم من ينتسب إليه بأي جهة انتسب، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء، فاعلم أن الفقهاء في الأغلب لهذا العهد وما احتفّ به، إنّما حملوا الشريعة أقولاً في كيفية الأعمال في العبادات وكيفية القضاء في المعاملات، ينصّونها على من يحتاج إلى العمل بها، هذه غاية أكابرهم ولا يتصفون إلا بالأقل منها، وفي بعض الأحوال، والسلف رضوان الله عليهم وأهل الدين والورع من المسلمين حملوا الشريعة اتصافاً بها وتحققاً بمذاهبها[9].
  3. أن خطاب الفقهاء وعلماء الدين يتمظهر في شكلين من أشكاله المعرفية هما: الجانب التعليمي الإبستمي الذي لا نجد فيه للمحدثين والمعاصرين أي إضافة أو جديد لا سيما عند علماء مؤسسات الدولة، والجانب الاجتهادي الذي يتمثل في استفراغ النظر على واقعة محددة؛ والاجتهاد في النظر الفقهي والأصولي هو “الفتوى”، أما الجانب التعليمي فإنه السائدُ كما أشار إليه ابن خلدون في قوله: “إنّما حملوا الشريعة أقولاً في كيفية الأعمال في العبادات وكيفية القضاء في المعاملات، ينصّونها على من يحتاج إلى العمل بها، هذه غاية أكابرهم ولا يتصفون إلا بالأقل منها، وفي بعض الأحوال”، ويقول الكمال بن الهمام (ت861هـ): “وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، فأمّا غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد على وجه الحكاية؛ فعرف أنّ ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي”[10]، بل إن أبا الحسين البصري (ت436هـ)، يرى أن “الإفتاء التعليمي” متمثلا في نقل الأحكام كما هو شأن برامج الإفتاء في السلطنة وعالمنا العربي لا يجوز؛ إذ يقول: “اعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يفتي بالحكاية عن غيره؛ بل إنما يفتي باجتهاده”[11] ، وليست الفتوى مجالاً للتعليم والوعظ والنصائح.

ومع ذلك تجد التقديس والتعظيم لشخصيات الإفتاء بسبب العاطفة المذهبية، دون التأمّل لحقيقة الإفتاء الذي تحول إلى برامج وعظية أو تعليمية أو مراقبة لحياة الناس وتصنيف أفعالهم؛ وقد اختلف الأصوليون في جواز الاستفتاء في “المسائل التعليمية”؛ واختار محققوهم منعه؛ إذ يقول الآمدي (ت631هـ): “وأما الاستفتاء؛ فلا يخلو، إما أن يكون من القضايا التعليمية أو الظنية الاجتهادية؛ فإذا كان الأول فقد اختلف أيضا في جواز اتباع قول الغير فيه، والحق امتناعه”[12].

ويشتد امتناع الأمر عند الأصوليين في قضايا العقيدة؛ فالاعتقادُ مبني على النظر والتأمل؛ لا سيما وأن العقيدة الإسلامية في حقيقتها بسيطة تعتمد على ما يطلق عليه بـ”علم الكلام الطبيعي[13]؛ والغريب أنك تجد مؤلفات كبيرة في “فتاوى العقيدة”[14]؛ يدّعي أصحابها أنهم لا يقلدون فيها أحدا ، وإنّما يُتبع “النبي” و”السلف” ثم ما تلبث أن تجد تقليدهم في العقائد اعتماداً على تحليلات شيوخهم وذلك مما استقر في أصول الفقه بمنع التقليد فيه؛ يقول الآمدي: “واختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد في وجود الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه، وما يجب له، وما يستحيل عليه؛ فذهب عبيدالله بن الحسن العنبري، والحشوية، والتعليمية إلى جوازه، وربما قال بعضهم أنه الواجب على المكلف،وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام، وذهب الباقون إلى المنع منه، وهو المختار”[15]، وقد تقع العصبيات المذهبية بين المسلمين بسبب تقديس الشيوخ وتعظيم أقوالهم دون النظر في ما يجب النظر فيه بعيدا عن الجمود.

يبدأ الصراع الفكري والمذهبي، وصراع “الحقيقة” أو “الحق” من الفصل الأول لرواية “الإمامة”، فهو صراعٌ من أجل السلطة ومن أجل التأويل؛ إذ تظهر طائفة محددة من الناس تدعي حقّها في الإمامة أو الخلافة، وتظهر تبعا لذلك طائفة تناصر صاحب “الحق الوهمي”؛ ليدخل المجتمع برمته في صراع أبدي وهمي يتحول إلى الصراع الفكري والدموي العنيف؛ فهو إذاً في حقيقته صراعٌ من أجل السلطة والدنيا، ولكنّه مصطبغ بصبغة الدين ينخدع به المجتمع بفعل الدعاية والإعلام، واستدرار العطف دونما حجج منطقية تجعلني أخوض حربا، لا تعد إلا مغامرة فاشلة أصلُ بها إلى إنهاء الحياة؛ وانطلاقا من أصل هذا الصراع تولدت الأفكار اللاهوتية الزائفة التي ألصقت بالدين مع ما تتسم به من جدلية واضحة لا يمكن التوصل عبرها إلى حقيقة تستحق الصراع، وقد تنبّه الحسن البصري (ت110هـ) إلى هذه القضية؛ إذ أتى إليه رجل من الخوارج (الثوار بالمعنى الحديث)؛ فقال له ما تقول في الخوارج؟ قال: “هم أصحاب دنيا”، قال: ومن أين قلتَ، وأحدهم يمشي في الرمح حتى ينكسر فيه ويخرج من أهله وولده؟ قال الحسن: حدثني عن السلطان أيمنعك من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والحج والعمرة؟ قال: “لا”، قال: فأراه إنّما منعك الدنيا فقاتلته عليها[16]. ونلاحظ إذاً:

  1. أن العلاقة الإيمانية مع الله تعالى “علاقة شخصية” لا بشرط الآخر، أو بشرط وجود السلطة؛ فما استقمت في أمرك وإيمانك؛ فذلك أهم مقاصد الدين؛ بل إن المجتمع بحاجة إلى استقامتك أكثر من حاجتك إلى المجتمع في إيمانه.
  2. أن “الفرد” إذا ترك الغاية المتمثلة في المسؤولية الأخلاقية والاستقامة الشخصية، والتي تتميز عبر “الضمير الإنساني” إلى الانشغال والتنظير، والجهاد من أجل بناء سلطة يعتقد أنها هي الحق وهي ظل الله في الأرض؛ فإن هذا الادعاء لا يخلو من شبهة، ولا يمكن أن يقدم ضمانات ضد الانحراف والاستبداد؛ لأنه خارجٌ من الذات الإنسانية، وهي معرضة للانحراف، وإنما تستقيم الحكومات بالمؤسسات والقانون، وفصل السلطات، بعيدا عن دعاوى الإيمان وخوارق العادات من الكرامات الملصقة بالأئمة كما يلحظها قارئٌ في تحفة الأعيان، أو اللؤلؤ الرطب.

وحتى يعطي الإنسانُ سعيه إلى “السلطة” مشروعية فإن “الدين” خير مطية إليها؛ لأن الغاية من إقامة “الإمامة” هي بناء سلطة دينية تقوم بتطبيق “حدود الله”؛ بيد أن السعي إلى بنائها يواجه إشكالا جوهريا يتمثل في تعدد “نسخ الحق” التي تتمثل في نظام الحكم بسبب اختلاف المسلمين في مقالاتهم وتأويلاتهم؛ فهم مفترقون إزاء “نوعية السلطة الدينية” و”مشروعية إقامتها” وهذا يعني أن المجتمع عليه أن يظل في دوّامة الصراع إلى أن تنتهي الخلافاتُ المذهبية؛ لذا فإن مبدأ الحق والوثوقية هما أساس الادعاء؛ ليدخل المجتمع في دائرة دائبة الحركة لا تنتهي، يرزح تحت وطأتها الإنسانُ المسلم في العالم العربي على وجه الخصوص، والفتوى انبثاق من مفهوم “السلطة الغائبة”، وهي تقوم على ثنائية العالم والجاهل؛ إذ يوهم العالمُ الآخر “الجاهل” متمثلا في شخصية المسلم العادي وحاجته إلى التفسير، وعجزه عن التأويل؛ فهو غير قادر على تنظيم علاقته مع الله، ومع الآخر مهما اتضح ذلك في التراث الإسلامي؛ وهنا يظهر مصطلح “أهل الاختصاص” أو الكهنوت الديني الذي يجتر المقولات السابقة والتعاليم الدينية كما بين ابن خلدون، فيبثّها “أهلُ الاختصاص” إلى المسلم بسبب عجزه عن الفهم؛ كما يزعم الطرف الأول.

[1] فرديناند دي سوسير، محاضرات في علم اللسان العامـ تر. عبدالقادر قنيني، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2008، ص. 42

[2] أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك،  تح. محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، جـ5/ ص. 45، انظر أحاديث قنل عمار بن ياسر في: الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، القاهرة: مؤسسة زاد، 2012، جـ4/ ص. 291- 297

[3] هكذا ورد في المصدر،: “لا يزيدنا اجتماعا”، والصواب ما أثبتّه من: البداية والنهاية لابن كثير. انظر: الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية،  جـ4/ ص. 297

[4] المرجع السابق، جـ5/ ص. 48

[5] المرجع السابق، جـ5/ ص. 65- 66، وابن الأثير، الكامل في التاريخ، جـ2/ ص. 562- 563، وأخرج قريبا منه الحافظ ابن كثير وعزاه إلى أحمد وهو في مسنده برقم (656) بتحقيق أحمد شاكر، طبعة دار الحديث بالقاهرة، ، انظر: البداية والنهاية، جـ4/ ص. 304، وفيه: “فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس، دعا بمصحف إمام عظيم، فوضعه بين يديه يصكّه بيده، ويقول: أيّها المصحف، حدّث الناس!، فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأل عنه! إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روّينا منه، فماذا تريد”، وهو بهذا اللفظ يكون للقراء، ولكن بذات المعنى، ويعد هذا من مرويات البخاري في غير صحيحه. انظر: أحمد هادي شيخ علي، مرويات الإمام البخاري في التفسير في غير صحيحه (رسالة ماجستير) المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، 1414/ 1415هـ، ص. 207- 208، ولعل أمير المؤمنين عليا قد ذكر ذلك في الموقف الأول، وأعاده ممن حفظه من القراء في الموقف الثاني.

[6] تعني بإيجاز شديد: الأصل في الأشياء الإباحة

[7] وائل حلاق، وديفيد باورز، دراسات في الفقه الإسلامي: وائل حلاق ومجادلوه، بيروت: مجلة نماء للبحوث والدراسات، 2016، ص32

[8] المرجع السابق، ص. 34

[9] ابن خلدون، المقدمة، تونس: سيلدار، ص. 347

[10] محمد الكتّاني، موسوعة المصطلح في التراث العربي: الديني والعلمي والأدبي، الدار البيضاء: دار الثقافة، 2014، جـ2/ ص. 1820

[11] أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، بيروت: دار الكتب العلمي، 2005، مجـ2/ ص. 359،

[12] الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، الرياض: دار الصميعي، 2003، مجـ2/ جـ4/ ص. 271

[13] سنخصص له مقالا

[14] ينظر على سبيل المثال: محمد بن صالح العثيمين، مجموع فتاوى ورسائل، المجلد الأول: فتاوى العقيدة، السعودية: دار الوطن للنشر، 1413هـ، ولاحظ القضايا المطروحة من مثل: التوحيد، ومصادر التلقي، وأهل السنة والجماعة، والإيمان والإسلام، والربوبية، والشهادتان، والأسماء والصفات، والنزول، والرؤية، والرسالة، والملائكة، والجن، والقرآن، والرسل، وكلها مسائل تعليمية اعتقادية لا اجتهاد فيها

[15] الآمدي، المرجع السابق، مجـ2/ جـ4/ ص. 271- 272، والقرافي، نفائس الأصول في شرح المحصول، بيروت: دار الكتب العلمية، 2000، مجـ4/ ص. 595

[16] أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر، تح. وداد القاضي، بيروت: دار صادر، جـ1/ ص. 156

الرابع والسبعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

سعود الزدجالي