تجربة الإسلام السياسي بعد الحراك العربي

لـ

برز الإسلام السياسي على الساحة بشكل أكبر بعد عام 2011م كنتيجة طبيعية للوضع السائد في المنطقة العربية بعد ضعف واختفاء الكيانات والمؤسسات الرسمية للدول. وكغيره من التيارات الفكرية والسياسية فقد لاقى رواجاً كبيراً عند شريحة من الناس التي كانت راغبة في خوض تجربة جديدة لم تكن متاحة لها في بلدانها. لقد أشرنا في البداية إلى أن ظهور الإسلام السياسي هو نتيجة طبيعية لفراغ السلطة، وهو ذات الحال مع التيارات الفكرية والسياسية الأخرى التي وإن نزلت إلى الساحات والميادين وعملت في بداية “الحراك العربي” مع تيارات الإسلام السياسي من أجل استبدال الأنظمة السائدة بنظام يتيح لها الظهور والعيش في ظل منظومة تكفل الحريات والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم لمختلف التوجهات إلا أنها تصادمت لاحقاً مع الإسلام السياسي بعد أن انتقلت إلى مرحلة إثبات الوجود من خلال ملئ فراغ الأنظمة التي ظلت سائدة لعقود.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدوافع التي كان يستند عليها الشباب الذين نزلوا للمطالبة بالحرية وبالعدالة وبإقصاء الفساد تبلورت بعيداً عن الأطر التنظيمية والأيديولوجية والوسائط السياسية التقليدية، ومما لا شك فيه فإن التنظيمات الفكرية والسياسية التي ركبت الموجة وتسلقت على جهود هذه الفئة ما كان لها أن تنزل للميادين وهي تقف بعيداً عن آمال وطموحات الشباب الذين هم معول البناء في كل الأوطان. حتى أن بعض القيادات السياسية في هذه التيارات حاولت ربط الحراك الشبابي ببعض مواقفها، وعلى سبيل المثال فقد صرح أحد قياديي حزب النهضة، بعد عودته إلى تونس من المنفى، أن لحركته دور في احتجاجات عمال المناجم في عام 2008، مع أن الوقائع تقول بأن القيادات التي نظمت وبدأت في تلك الأحداث كانت شخصيات يسارية معارضة للإسلام السياسي. محاولات الربط هذه لا يمكن فهمها خارج سياق التسابق على التنظير للحراك الشبابي ومحاولة انتزاع الصفة الشبابية بشكل خاص والمدنية بشكل عام وإضفاء طابع الأحزاب الدينية. ولا تذهب تجربة الإخوان المسلمين في مصر إلى أبعد مما ذهبت إليه قريناتها، فقد اتسمت مرحلتهم بالتخبط في اتخاذ القرارات والاستعجال لبسط سيطرتها ونفوذها معتمدة في ذلك على الشبكة الاجتماعية التي تمتلكها في بعض المدن والقرى المصرية. فقد مرت مصر خلال الفترة القصيرة من حكمهم بأزمات عديدة لم تكن إلا في سبيل ضمان وجودهم لأطول فترة ممكنة على رأس السلطة عن طريق الاستحواذ على المناصب السيادية والتشريعية وإيجاد المسوغات القانونية لذلك كما حدث في دستور 2012م والإعلان الدستوري ومن ثم الصراع مع السلطة القضائية.

وإذاً فقد نجح الإسلام السياسي في بداية مرحلة ملئ الفراغ في إقناع الناس -التي كانت مهيأة نفسياً بسبب فترة القمع السياسي التي استمرت لعقود لقبول أي لاعب سياسي آخر- بأجندته وهو ما أفضى إلى فوزهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أعقبت الإطاحة بالأنظمة السابقة، رافق ذلك موجة من التفاؤل والترقب تجاه التجربة الجديدة. عملت بعض هذه التيارات الإسلامية إلى التحرك باتجاه تغيير أولويات وسياسيات الأمن القومي والاقتصاد والثوابت المجتمعية بعد أن وجدت نفسها في وضع يسمح لها بالإفصاح عن مواقفها الحقيقية، وشاهدنا في بعض الحالات بروز جناح متطرف محسوب على تيارات الإسلام السياسي يدعو بشكل مباشر وصريح إلى تطبيق الشريعة، وتصادم مع الحريات الثابتة التي تتعارض مع منهجه ورؤيته، وانتقل -مدفوعاً بنشوة الانتصار والظهور- إلى فرض ضوابط صارمة على المجتمع المدني وعلى الدراما التلفزيونية والعديد من المكتسبات التي تعززت في التركيبة الثقافية للمجتمع عبر عقود طويلة.

لاحقا واجهت تيارات الإسلام السياسي صعوبات جمّة لا يمكن إغفالها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فقد ورثت سلطة شبه منهارة واقتصاد ضعيف ورافق ذلك ارتفاع سقف مطالبات المواطنين، وطموحات الشباب في ظل دولة العدل والكرامة والمساواة، وذلك ما لم يكن ليتحقق في ظل استحواذ هذه التيارات على السلطة ومنع التيارات الأخرى من المشاركة في الحُكم وهو ما ينم عن ضعف الإدراك السياسي للتيارات الدينية.

وبنظرة استشرافية لمستقبل تيارات الإسلام السياسي فإنه يمكن التنبؤ باحتمالين. الأول أن تنجح الأحزاب الدينية في الوصول إلى السلطة والتصالح مع بقية التيارات التي تختلف معها في الأيدلوجيات مع الارتكاز إلى حقوق المواطنة والتوزيع العادل للثروات والمشاركة السياسية وحقوق الأقليات والتحول إلى دول مدنية وتترك الدين للجميع دون فرضه قسراً وعنوة، وهذا ما سيتيح لها البقاء على رأس السلطة لفترة طويلة. من المهم هنا التركيز على إيجاد دستور يحفظ الحقوق ويمهد الانتقال إلى الدولة المدنية الحديثة بشكل كامل. أما الاحتمال أو السيناريو الثاني فهو دخول تيارات الإسلام السياسي في حرب مع العديد من التوجهات المختلفة في الدولة واستئثارها بالسلطة والعمل على خلخلة بُنية الدولة والتركيبة الاجتماعية وعدم الإيفاء بوعودها والتزاماتها التي قطعتها قبل الوصول إلى السلطة. وهنا عليها إدراك أن تغيير أولويات وسياسات الأمن القومي والاقتصاد والثوابت المجتمعية قد يؤدي إلى صدامات مسلحة يجب أن تنأى عنها هذه التيارات لو أرادت أن تستمر في الخروج للعلن وزيادة حظوظها السياسية.

0 1530 06 سبتمبر, 2016 الخامس والسبعون, سياسة سبتمبر 6, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.