أسس الخطاب الديني بين التشدد والتسطيح  

لـ

الخطاب الديني هو ركيزة مهمة من ركائز الدين الحنيف، وأحد المصادر المهمة لنشر الدين. والخطاب الديني هو خطاب بحثي يبحث في جميع جوانب الدين، من عقيدة وأخلاق وقيم و أصول وتشريع. وكونه خطاب بحثي فهو أيضا خطاب متجدد بحسب المكان والزمان .

 

يعرف الخطاب الديني بأنه: الخطاب المسند في ركيزته على أصول الدين وهما (القرآن والسنة) وهو الخطاب الذي يوضح للناس ما أشكل عليهم كما أنه يقدم نقاش علمي يتقبله العقل في فهم أمور الدين. وهو في مقام الوعظ الذين يجب أن يرشد الناس ويحببهم في دينهم ويقودهم إلى أداء العبادة بشكل سليم.

 

وللخطاب الديني أهمية بالغة في الوصول إلى جميع شرائح المجتمع. فالمتلقي قد يكون طفلا أو شيخا، وقد يكون رجلا أو امرأة، وقد يكون متعلما وقد يكون جاهلا. وإذا تحدث الخطيب على المنابر عليه أن يعي أن هذا الخطاب مهم لأن المستمع ينتظر رسالة وينتظر توجيه ويبحث في ثنايا الخطاب عن إجابة سؤال أو تفسير وليس فقط مجرد أن يقال له قال الله وقال الرسول. كما أن المتلقي ينتظر من الخطيب أو الإمام أو المتحدث أن يلامس قضاياه ويفسر ما أشكل عليه ويهديه إلى الطريق الأفضل حسب رؤية دينية وعلمية مبنية على اجتهاد ديني وعلمي وإنساني يتوافق مع أصول الدين، وليس حسب اجتهاده الشخصي البحت أو التفسير والفتوى حسب رؤية شخصية أو إيعاز سياسي تغلفه المصالح الخاصة.

 

أيضا يجب أن يكون منهج الخطاب الديني وسطيا بين التبسيط الحذر والجدية البعيدة كل البعد عن الغلو أو التشدد، وعلى الخطباء توصيل الرسالة بصورة واضحة وعلمية ودينية سليمة لأن الخطأ في هذا الجانب قد يتسبب في أمرين هما:

 

  • الأول: جعل الدين محل تشدد وتشدق ونفي للمخالف، كما يحدث عند البعض أو من يسمّون أنفسهم رجال الدين، والذي له بلا شك انعكاسات غير حميدة على المجتمع المسلم مثل ظهور بعض الجماعات الدينية المتشددة.
  • الثاني: تسطيح الدين وتقديمه بصورة هزلية، كما جرت عليه العادة مؤخرا في بعض البرامج التي تقدمها وسائل الإعلام.

 

إن من مظاهر التشدد في الدين هو الخروج عن منهج الاعتدال والتشديد في مخاطبة الناس وترك التيسير وإطلاق الفتاوى المعلبة التي تخرج عن أطر أخلاق وسماحة الإسلام. فبعض الخطباء يقدمون الفتاوى حسب قناعاتهم وقد يغيرونها بعد فترة عندما تتغير تلك القناعات أو الأهداف، وبعض الخطباء يتحدثون مع عامة الناس بلغة فوقية تصعب على أفهامهم ويطالبونهم بما لا يطيقون. بل إن البعض يُلزم الناس بما لا يلزمهم به الشرع ولا يراعي قدراتهم وتفاوتها وطاقاتهم واستطاعتهم وتباينها، كما أن البعض من القائمين بأمر الدين لا يراعي اختلاف فهم الناس واختلاف درجات الوعي لديهم، فيخاطبونهم بما لا يفهمون ويطالبونهم بما لا يستطيعون. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك حين يقصي من يختلف معه أو يكفره أو يتكلم باسم الرب ويصدر قرارا بدخوله النار حتى قبل الحساب الإلهي.

 

أن الدين لا يقصي الآخر بل يأمر بالرفق واحترام الطرف المختلف أو المتفق على حد سواء. قال تعالى (لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين).

 

في المقابل هناك من يسير بالدين إلى حدود الهزلية بدعوى التبسيط والبعد عن التشدد. إن تبسيط أمور الدين يجب ألا يصل إلى حدود الهزلية كما يفعل بعض الخطباء الذين أكثروا على الناس من فكرة تبسيط الدين، بل وألصقوا به صفة الضحك وذكر فئات من الناس لجعلهم محل سخرية كما حدث في أحد البرنامج الإذاعية في رمضان المنصرم والذي هدف القائمون عليه كما يعرّفون أنفسهم إلى الوصول إلى قلب المستمع! نعم نحتاج إلى أن نتواصل مع الناس بأسلوب مبسط ولكن يجب أن تكون هناك خطوط لهذا التبسيط، فالسخرية بالناس أيا كانت فئتهم ليست تبسيطاً، وتفسير خطوط الدين الرئيسية بلغة ركيكة ليس تبسيطاً، وقراءة الآيات بغير طريقتها المعروفة والصحيحة ليس تبسيطاً، وسرد ما ورد في السنة النبوية بطريقة شعبية مضحكة أيضا ليس تبسيطاً، بل هو دخول في حدود الهزلية التي يجب أن يبتعد الخطباء عنها وعليهم أن يكونوا في حدود سمو الدين ورفعته. كما يجب أن يعلم القائمون على هذه المنابر الإعلامية بأن لها متابعون من داخل وخارج البلاد وهي تعكس بلا شك هوية الخطاب الديني القائم في البلاد وهنا يجب “ومن وجهة نظر شخصية” إعادة النظر في مثل هذه البرامج وتقييمها.

 

نعم نحن بحاجة للتجديد في الخطاب الديني بحيث يكون المتلقي فاهماً لدينه واعياً لتشريعاته. والتجديد يجب أن يكون بمعرفة الفكر الديني والإنساني والحكمة التي ينشدها الشارع وإسقاط العلوم الإنسانية والتجريبية على مصطلحات العقيدة والأصول الدينية وجعل الخطاب الديني مقبول عقلاً وقلباً للمتلقي. وهذا يجعل المتلقي أكثر وعياً وتمسكاً بدينه. لأن دينه دين العلم كما نعرف والعلم بطبيعته متجدد وليس ثابتاً أو تقليدياً. كما يجب أن يكون للخطاب الديني دور في تصحيح المسار العقدي والأخلاقي للناس وأن تكون المناسبات الدينية فرصة لتوظيف منابر الخطاب الديني بشكل صحيح خصوصاً مع كثرة اهتمام الناس بالبرامج الدينية بعيداً عن التشدد أو النهج باتجاه الهزلية. كما يجب أن يكون الخطاب الديني تنويرياً منفتحاً على الجديد ومتجدداً وليس تقليديا فالإسلام دين حياة والحياة بطبيعتها متغيرة ومتجددة.

 

ختاماً نقول أن الدين هو منهج وسطي ونحن أمة وسطية، وعليه يجب أن يكون خطابنا وسطياً ويكون موجها لكل الفئات من البشر وبأسلوب يحترم قدسية الدين ويستوعب الاختلاف والرأي والرأي الآخر. كما يجب أن يكون الخطاب الديني مستمراً ولا يقتصر على المناسبات الدينية فقط، محافظا على سماحة ويسر الدين من جهة وعلى قدسيته من جهة أخرى.

0 2038 07 سبتمبر, 2016 الخامس والسبعون, ثقافة وفكر سبتمبر 7, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.