أسباب انتكاسة انتفاضات الربيع العربي 

لـ

بناءً على كل ما سبق من حيثيات وجود ” الهشيم الثوري” في المجتمعات العربية، يتضح ” أن انتفاضاتها، كانت انتفاضات وطنية صادقة أصيلة ” ناجمة عن عوامل الظلم والقهر والقمع والإحباط الذي عاشته الجماهير العربية عقوداً من الزمن في بلدانها المختلفة الممتدة من المحيط إلى الخليج . فكان انفجارها أمراً حتمي الوقوع، شاء من شاء و أبى من أبى، و أياً كان ما قيل فيه أو يقال قدحاً أو مدحاً ؛ فأينما يوجد الظلم والقمع والقهر والاستعباد، تخرج من قبرها، روح ” أبي ذر الغفاري (*1)، منذ الزمن القديم، وترفرف في سماء الأحداث روح  “جيفارا”  في الزمن الحديث، وبالتالي توجد الثورة .

 

وفي لحظة فاصلة من عمر الزمن بدأها محمد البوعزيزي في تونس، في 14 يناير 2011 حين أحرق جسده احتجاجاً على الذل والهوان الذي يعيشه، فكان بمثابة الشرارة التي أشعلت النار في كل السهول العربية، فتجاوبت معه الجماهير المسحوقة والمقهورة، في فورات عارمة متفاوتة القوة، وانتفضت في شوارعها الكبرى وميادينها العامة، فحطمت عروشاً، و أزاحت أصناماً كانت كابسة على صدورها عقوداً من الزمن ، واقتحمت أسوار الخوف فحطمتها، و أصبحت ” الفوبيا” من القياصرة الحكام في خبر كان، بل و جعلتهم هُم مَن يرتعدون خوفاً منها، و يحسبون لها ألف حساب وحساب في كل خطوة يخطونها .

 

غير أنها ، نَعَم ، لم تحقق تلك الانتفاضات الكثير من المأمول و المطلوب، بل ارتكست وانتكست ، وأصبحت أحوالها، في كثير من البلدان تسير بالمقلوب. فما الأسباب الكامنة خلف هذا التراجع التراجيدي يا ترى ؟ و ما السر الذي أفضى بها إلى هذا المآل المؤلم والمخيب للآمال ؟

 

من الممكن أن يقال الكثير في جواب ذلك السؤال العتيد، و لكننا في عصر لا تحتمل فيه أوقاتنا و عقولنا غير ” الساندويشات ” من الأفكار والمعلومات، غير قراءة “المختصرات و الملخصات ” التي تعرض” زبدة ” الموضوع؛ وما عليَّ إذن، سوى احترام خصوصية الزمن الذي أعيش فيه !

 

لقد عالج هذه القضية وحاول الإجابة على أسئلتها العصية الكثير من الكتاب والمفكرين العرب، من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر،  فواز الطرابلسي، في كتابه ” ثورات بلا ثوار” الصادر عن دار رياض نجيب الريس، وإبراهيم عيسى في كتابه ” الطريق إلى يناير ” الصادر عن مؤسسة قطر للنشر ، ومجموعة من الكُتّاب التونسيين في كتابهم ” من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين– الإسلام السياسي في تونس” إصدار مركز المسبار للدراسات و البحوث، و الكاتب الباحث سعيد سلطان الهاشمي في كتابه التوثيقي ” الربيع العماني – قراءة في السياقات و الدلالات ” الصادر عن دار الفارابي ببيروت،  و جوزيف مسعد في مقاله ” الحب و الخوف و الربيع العربي “، المنشور في  public culture في الأول من يناير 2014 ، و قد أدلى صاحب هذه الأسطر بدلوه في هذه الموضوعات، في كتابه ” من وحي الثورات العربية المعاصرة ” الصادر عن دار رياض نجيب الريس؛ و من قبلهم جميعاً تحدث الكاتب اللبناني الشهير، علي حرب، عن نبوءته بنهاية المثقف الرسولي، إثر رصده لفشل المشروعات العربية القومية و العقائدية المختلفة في قيادة الجماهير نحو الخلاص المأمول، و خيباتها التاريخية المتتالية في بناء ” المجتمعات العلمية و التقدمية المنشودة ” في كتابه الرائع” أوهام النخبة أو نقد المثقف ” الصادر عن المركز الثقافي العربي .

 

وأنا هنا لا أريد أن أزايد أو أزيد على ما قيل في تلك الكتب و غيرها من الكتب الرصينة الحَرية بالرصد و الدراسة و التوثيق، و لكني سأكتفي بعرض بعض الحقائق والنقاط التي أراها ضرورية وجوهرية في فهم هذه الإشكالية أو القضية ، قضية الأسباب الكامنة خلف ارتكاس و نكوص الانتفاضات أو الثورات العربية المعاصرة.

 

من بديهيات القول بأنه لكل ثورة، ثورة مضادة ، وأن غلبة هذه أو تلك، في ميدان الصراع، و انتصار أحداهما على الأخرى، مرهون في نهاية التحليل بعوامل القوة التي تمتلكها أي منهما في وجه الأخرى، و عوامل الضعف الكامنة في جسد هذا الطرف أو ذاك، المؤثرة سلباً في صراعه مع الطرف الآخر. فلننظر عن كثب في تلك العوامل لنتبين سر الجزْر الذي تمر به الحركات الوطنية في الوطن العربي ، و بالمقابل سر المد الذي تعيشه القوى المضادة لهذه الحركات .

 

لعله من المفيد هنا أن نذكر أولاً، و نتذكر، قاعدة علم الاجتماع التاريخية الشهيرة القائلة : بأن الأفكار والقيم، و العادات والتقاليد والمعتقدات السائدة في أي بلد أو مجتمع، هي أفكار و قيم وعادات وتقاليد ومعتقدات الطبقة السائدة فيه،المتحكمة في حياته وسلوكه؛ وقديماً قالوا: الناس على دين ملوكها، فتجدها- أي تجد الناس- غير قادرة على الفكاك من أسار تلك الأفكار و المعتقدات و القيم، لأنها ممسوكة مشدودة بالناصية للطبقة الحاكمة، التي صيرتها أجساداً ” مسلوبة العقل و الإرادة ” ليس لها من الأمر شيء سوى الانصياع بالسمع و الطاعة لمشيئة الحاكم المستبد .

 

والطبقات السائدة أو بالأحرى الأسر الحاكمة في مجمعاتنا العربية، من أقصى غربها للشرق، هي طبقات أو أسر إقطاعية – رعوية الأصول والمنشأ، يعود فكرها و سلوكها و نظرتها للحياة، إلى زمن الحقبة الإقطاعية و الرعوية البائدة التي مرت يوماً عليها المجتمعات البشرية، غير أنها لا زالت تسحب قيمها و أفكارها على هذه العائلات أو الأسر، رغم التغير و التطور الذي يلف حياتها ؛ فلا تنظر إلى أفراد المجتمعات التي تحكمها إلا على أنهم مجموعة من الأقنان والعبيد التابعين لها، و لا ترى البلدان التي تسودها، بمن فيها وما عليها، سوى أنها إقطاعيات لها، تتصرف بها و بمقدراتها كيفما تشاء بلا أدنى قبول لمعارضتها على ما تفعل من قِبَل أي حسيب أو رقيب، فذاك حق طبيعي لها، كما تراه، فهي العائلات المقدسة الحاكمة بأمر ” الله “. وهي طبقات أو عائلات بطبيعة تكوينها، قبلية النزعة، منغلقة الفكر، محافظة، محدودة الرؤى متخلفة التفكير، لا تسعى للأخذ بشيء من أسباب التغيير و التطوير في بلدانها، إلا ما يعزز بلهنية عيشها وسلطتها ومكانتها في السيادة والسيطرة والحكم؛ فأقصى غاياتها في الحياة هو أن تتوافر لها وتتميز عن باقي أفراد المجتمع، ببذخ العيش وامتلاك أفضل وسائل الترفيه وأدوات اللهو والانغماس في المتع الحسية، وإحاطة نفسها بعوامل القوة والمنعة، وإحاطة عروشها بالبهرجة والأبهة والهالات الملكية الشكلية؛ وليس في وارد تفكيرها شيء اسمه” بناء أو تطوير الإنسان أو الأوطان “ التي تعيش فيها.

 

والسلطان سعيد بن تيمور إبان حكمه لعمان، بقوانين المنع والقمع والتحريم الألف، التي حاصر بها الشعب العماني، ليبقيه كقطيع من نعاجه، أسير الجهل والفقر والتخلف والعزلة عن العالم، كان خير مثال لتلك العقلية الضيقة والتفكير الرجعي المتخلف لهذه الطبقات أو العائلات الحاكمة؛ و كذلك الحال مع حاكم المغرب الملك محمد السادس الذي أصدر عفوا عن 7179 سجينا، بمناسبة احتفاله” بختان ” ولي عهده الأمير مولاي الحسن، أي أن حُرَّيَة ذلك العدد من البشر تساوي عنده ” قَلفَة ذَكَر نجله ” !!
( المصدر جريدة الشرق الأوسط الصادرة بتاريخ 16 إبريل 2005 العدد 9636)، والعفو عن آلاف غيرهم من السجناء يوم ” ميلاد ابنته خديجة “، وطقوس التبجيل والركوع له التي فرضها على الشعب وولاته للقيام بها في ” يوم تجديد الوفاء للملك ” بشكل يذكّر بما كان  يقوم به عبيد و حاشية ملوك الرومان في قديم الزمان .

 

وليس أدل على مصداقية هذا التحليل من طبيعة و نوعية المُلكيات و الثروات التي بيد هذه الفئات وتستحوذ على اهتماماتها ونشاطاتها الاقتصادية المحلية والدولية، المتمثلة أساساً في امتلاك الضِياع والعقارات والمنتجعات والقصور، واقتناء آخر صيحات العصر من وسائل النقل و الترفيه ، كالسيارات الفارهة واليخوت الباذخة والطائرات الشخصية المرفهة، والقيام بأعمال السمسرة التجارية والمضاربات المالية في أسواق البورصات العالمية، وامتلاك الشركات المعنية أساساً بالمنتجات الاستهلاكية، الحيوانية والزراعية والإنشائية والاحتياجات المنزلية الضرورية وغير الضرورية و ما شابهها، و من ثم تخزين مدخراتها النقدية وتسمينها في البنوك الأجنبية الخارجية ؛ وليس في قاموسها الثقافي أو الفكري أو الاقتصادي، بل و لا تؤمن في عقيدتها بتشغيل أو استثمار هذه الأموال الطائلة التي تملكها، في تطوير بلدانها، عبر قيامها بمشروعات  “صناعية ” تعود عليها و على مجتمعاتها بالنفع و الخير العام؛ ولا في توظيف تلك الثروات في  بناء ” قاعدة اقتصادية ” تقوم على ” الصناعات الثقيلة ” القائمة على التطبيقات العلمية و التكنولوجية الحديثة ؛ أي أن هذه الطبقات الإقطاعية الرعوية معنية في حياتها الاقتصادية بالموضوعات ” السطحية و الهامشية الطفيلية ” المتمثلة في تعاملها مع ” المنتجات من البضائع والسلع الاستهلاكية ” فقط، وليس بالأمور “الصناعية والإنتاجية الجوهرية “،” فالإنتاج الصناعي ” ليس له نصيب من تفكيرها، بل و تعتبره مهدداً لوجودها و كيانها، لأنه يخلق، في نهاية المطاف، طبقة ” برجوازية وعمالية صناعية ” خارجة عن إطار تفكيرها الضيق المحدود، فالفكر الإقطاعي والرعوي بطبيعته الواهنة المنغلقة الضيقة الأفق يتعارض مع الفكر الرأسمالي الصناعي المنفتح الباحث عن فرص الإبداع والابتكار العلمي اللازم لتطوير صناعاته ووسائله الإنتاجية المختلفة . و” الفكر” ، كما هو معروف، نتاج وسائل الإنتاج الموجودة بأي  مجتمع ، هو انعكاس لها و هي المتغير المشكل لطبيعة الرؤى والتفكير فيه . ولذا، لم نجد بين أفراد تلك الفئات و العائلات العربية الحاكمة من هو بعقلية و تفكير ” بيل غيتس ” مؤسس مايكروسوفت، و لا بعقلية ” روكفلر” الصناعية، عملاق الصناعات النفطية الأمريكي، ولا حتى بعقلية قيصر روسيا ” بطرس الأكبر“، المشهور بمشروع ” غربنة روسيا ” الذي ألحق بلاده بركب الحضارة الغربية صناعياً و ثقافياً، بعد قيامه برحلات بحث و تقص عن أسرار النهضة الأوروبية وتطبيقها في بلاده ، ناهيك عن أن نجد بينهم من هو بعقلية و طموح ” محاضير محمد ” في ماليزيا أو ” لي كوان يو ” في سنغافورة.

 

وحتى عندما هبت على هذه العائلات الحاكمة، رياح الثورة الصناعية، و حاصرتها إبداعاتها ومنتجاتها النوعية المختلفة، و اجتاحت العالم أفكار الحداثة و التنوير و التغيير، لم تسع إلى ” توطين” المعارف العلمية و الصناعات الحقيقية أو العلوم التكنولوجية في بلدانها، أي أنها لم تعر أي اهتمام إلى سُبُل “امتلاك الآلة المنتجة للآلة” أو التفكير في امتلاك وسائل” اقتصاد المعرفة “ الذي سيمنح بلدانها الاستقلال الحقيقي، والخروج بها عن دائرة استقطاب وهيمنة الدول الصناعية الكبرى، بل اكتفت بإقامة ” الصناعات الخفيفة ” المعنية بالتجميع و ليس بالتصنيع لأدوات و وسائل الإنتاج، فأصبحنا بما نراه من مصانع في مدننا  المسماة ” بالمدن الصناعية”  كالطِّوَل المُرخى و ثنياه في يد ” الصناعات الثقيلة و الدقيقة ” الموجودة في الدول الغربية والشرقية، واقعة تحت سيطرتها وهيمنتها في” آلية تشغيلها و صيانتها “، وصارت بلداننا، لرخص العمالة فيها، بسبب فقرها و ضخامة حجمها السكاني أكبر مجمع لإنتاج وتسويق البضائع والسلع الاستهلاكية، و بالتالي جني الأرباح الطائلة من قبل شركات الرأسمالية العالمية و ربط هذه البلدان، بالنتيجة، للدوران في فلكها دوران الإليكترونات حول النواة.

0 2088 18 سبتمبر, 2016 الخامس والسبعون, سياسة سبتمبر 18, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.