الإله يُعلن النهاية 

لـ

إننا هنا لا نزال كما نحن، لا نعرف إلى متى سنظل بعد على هذه الأرض. أرضنا تبدو صامدةً حتى هذه اللحظة، ومُعلقةً بين متاهاتٍ وفوضى كونية لا تنتهي، تُدمر لتبني، تموت لتُحيي!!. أديانٌ تلاشت بعد أن عجزت عن تقديم أجوبةٍ كافيةٍ وشافية تُقنع أتباعها حول ماورائية هذا الكون، بمن فيه نحن البشر، معنى حياتنا، موتنا و” أبديتنا الموعودة “. في حين تواجه أخرى كماً مربكاً من علامات الاستفهام من قِبل أتباعها، نجح القائمون عليها في إخماد نيران تساؤلات بعضهم، لكنهم فشلوا عند البعض الآخر. الصراع من أجل البقاء مُستمر على كوكبنا، ربيعٌ ثوري هنا يجتاح دولاً، مُسقطاً أنظمةً حاكمة لطالما كتمت نسائم الحرية على أنفاس شعوبها، ومُخلفاً خريفاً هناك تتساقط ثمار حصاده في أيدي عصاباتٍ ثملة بهوسها العقائدي، ووهمها بإقامة خلافة فاسدة الصلاحية في عصرنا هذا. بورصات الأسهم العالمية تترنح بين صعودٍ وهبوط، فهاهو النفط من جديد يعصف بأسواق مصدريه ومستورديه، مُسبباً قلقاً عاماً حول مصير استقرارية اقتصادات دول، لا سيما دولنا المعولة عليه بنسبة أكبر إلى الآن. الصورة هي هكذا تبدو ظاهرياً في عالمنا من على كوكبنا، بينما تعكس من خارجه ضآلة وحقارة أفتك أسلحتنا النووية، بل لا شيء يمكن مقارنته بهذه العظمة، وبهذا الجبروت المحيط بنا في الفضاء من ألغازٍ وأخطارٍ تهدد في أي وقت حياتنا ونظامنا الشمسي برمته. هيا فلنبدأ وقت العرض حالاً، [محذراً ذوي القلوب الضعيفة بعدم المتابعة].

في البدء وعند اشتعال أولى شرارات الانفجار الأعظم (Big Bang)، كانت بداية نهاية القصة، فمنذ ذلك الحين والكون في حالة من التلاشي والزوال بفعل نسيجٍ لا متناهٍ، لا نزال نجهل مكنوناته. لغز جرثومة الحياة على كوكبنا الأزرق (الأرض)، ربما يكمن خلف جارنا الكوكب الأحمر (المريخ)، الذي لطالما سمعنا قصصاً، وشاهدنا أفلاماً خيالية عنه تروي عن مخلوقاتٍ فضائية تغزو كوكبنا على متن صحونٍ طائرةٍ عملاقة. يُعد المريخ من أكثر الكواكب التي أجرى العلماء دراساتٍ مكثفةً عنه، أملاً في التوصل إلى إثبات وجود أثر لأية حيواتٍ عليه. المعادلة الصعبة تنتظر من يفك سر إمكانية وجود حياة على هذا الكوكب الميت، بناءً على وجود دلائل لمياه من خلال وجود مجاري أودية وعوامل حت!!. أحد نتائج تلك الدراسات هي نظرية التبذر الشامل (Panspermia)؛ ” التي تقترح أن الحياة يمكن لها أن تنتقل بصورة طبيعية بين الكواكب، وأن الحياة لم تنشأ على الأرض بل قدمت من مكانٍ آخر من الكون (من كوكب المريخ على سبيل المثال) ” 1. وتكمن الفكرة في أنه كان هناك كويكبٌ ارتطم بالمريخ، وفجر منه أجزاءً ورماها، كما رمى الجراثيم الصغيرة عبر الفضاء إلى داخل أرضنا حيث خاطت بذور الحياة نفسها عليها.

لا شك أن الثورة الصناعية قد جلبت فوائد جمة إلى البشرية، قادت الدول المصنعة إلى مصاف دول العالم الأول، من حيث تصنيف جودة الحياة ودخل الفرد فيها، كما هو الحال في أغلب الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، أستراليا واليابان. لكن خلف هذا التقدم الصناعي وآثاره الإيجابية على الاقتصاد العالمي، يتراكم مع مرور الوقت ثمنٌ مستحق الدفع على البشرية جمعاء، يتمثل في الدمار الذي تسببه انبعاثات الغازات السامة الناتجة عن التلوث الصناعي، والتي تقف خلف حدوث ظاهرة خطرة تهدد حياتنا وحياة كل الكائنات الحية على الأرض تُسمى بالاحتباس الحراري(Global Warming)؛ ” تتمثل في ازدياد حرارة الغلاف الجوي للكرة الأرضية. هذا الاحتباس هو نتيجة ارتفاع مفرط للغازات الدفينة، وهي على الأرجح نتاج الثورة الصناعية ” 2. حيث تتسبب النشاطات والصناعات البشرية القائمة على استخدام طاقة الوقود الأحفوري (نفط، غاز وفحم) في إطلاق غازاتٍ دفينةٍ سامة وملوثة للغلاف الجوي: كبخار الماء، ثاني أكسيد الكربون، الميثان وأكسيد النيتروز. تقوم هذه الغازات بعدم السماح للأشعة الحمراء (أو للحرارة عموماً)، بالنفاذ عبر الغلاف الجوي، فتُعيد بثها إلى الأرض بدلاً من التخلص منها خارج الغلاف، مما يُؤدي إلى زيادة درجة حرارته. مهلاً، الأمر لا يتوقف عند هذا الحد فقط، بل يتعداه إلى قطع الأعشاب وإزالة الغابات، وهنا تتفاقم أكثر درجة الخطورة. هذا ما يتعلق بالشق المسؤول عنه بنو البشر، أما الشق الآخر الأخطر، كونه خارج سيطرة يد البشر، المُتمثل بالبراكين الثائرة، الغابات المشتعلة أو بأي تغير قد يطرأ لمدار الأرض حول الشمس، وما ينتج عنه في المقابل من تغير في كمية الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى الأرض، وبالتالي يؤثر على المناخ عموماً. يُمكن أن أُمثل مستقبل نهاية كوكبنا في هذه الحالة بما يجري حالياً على كوكب الزهرة؛ نجم الصباح والمساء، ذو حجم جاذبية مقارب إلى الأرض، سُحبه مصنوعةٌ من حمض الكبريتيك المميت، وغلافه الجوي مُشبعٌ بثاني أكسيد الكربون السام الذي يحبس حرارة الشمس، مُسبباً احتباساً حراريا به. إنه عكس ما يبدو لنا، فهواه ضارٌ، وضغطه لا يحتمل، وحرارته مرتفعةٌ جداً تصل إلى 500 درجةٍ مئوية، أما سطحه فكأنما يبدو مرصعاً بفوهات البراكين. بمعنىً مختصر، هو ودودٌ من بعيد، لكنه لدودٌ جداً من قريب. نحن نشهد اليوم بوادر ظواهر هذا الاحتباس الحراري، مُنذراً بوقوع كوارث طبيعية عما قريب، ما لم يتم تدارك الأسباب المؤدية له. أستعرض بعض هذه الظواهر فيما يلي أدناه:

 

  1. ارتفاع درجة الحرارة ما بين 0.4 _ 0.8 درجةٍ مئوية خلال القرن الماضي، حسب تقرير اللجنة الدولية لتغير المناخ التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، مما أدى إلى قصر طول فصل الشتاء، وطول فصل الصيف خلال الثلاثة عقود الماضية عن ذي قبل، مما يعني احتمالية انتشار الجفاف والتصحر، احتراق الغابات وانخفاض المحاصيل الزراعية، داقاً ناقوس حدوث مجاعةٍ بشرية وانقراض عدة أجناسٍ حيوانية تدرجياً.
  2. ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات نتيجة ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، وقمم الجبال في أستراليا، وبالتالي إمكانية غرق الجزر المنخفضة، والمدن الساحلية على المدى البعيد.
  3. التيارات المائية غيرت مجراها داخل المحيطات، مما أثر على تغير التوازن الحراري بها، مُؤدياً إلى تكون عواصف وأعاصير في أماكن لم تشهدها قط، وبشكلٍ أعنف، مُحدثةً فيضاناتٍ مدمرة، بدأت نتائجها تظهر، وقد تشتد أكثر فأكثر مستقبلاً.

 

هل تخيلتم ذات مرة وضع كوكبنا وسط ما تُسمى ب ” الكويكبات الطليقة “؟ تمتاز هذه الكويكبات بخصائص معينة، فهي عبارةٌ عن كواكب صغيرة ومختلفة الحجم، كلما صغر حجمها زاد عددها، ليس لها قرصٌ مستدير على غرار الكواكب العادية، يُعتقد بأن الكثير منها يعود أصله إلى بقايا متشظية من كواكب مصغرة نجت من الاندماج بها، كما يٌعتقد بأنها تكونت في بداية عمر شمسنا عندما كانت سديماً، ولم تحصل على الفرصة المناسبة لتتحول إلى كواكب أكبر حجماً.  تتخذ هذه الكويكبات حول الشمس مداراً لها، أو حول أحد كواكب المجموعة الشمسية. (سيريس، فيستا وبالس)، أشهر هذه الكويكبات. إنها من الناجين من شظايا ذلك الاندماج المدمر. تتشابه في خصائصها مع باقي الكواكب التقليدية، ولكنها تختلف في شكلها البيضاوي نسبياً الذي يشبه البطاطس عن باقي الكويكبات الأخرى. إلى متى يمكن أن تبقى أرضنا بمأمنٍ منها يا تُرى؟ وماذا يمكن أن يحدث حالما يصطدم أيٌ منها بها؟؟ حسناً ما رأيكم أن نلقي نظرةً خاطفةعلى الوضع في كوكب عطارد، ونقارنه بالنتيجة المتوقعة على كوكبنا في حال _ لسوء الحظ _ حدث اصطدامٌ كارثي ما كهذا. تتحرك درجة حرارة عطارد بجموحٍ، فأثناء الليل تصل إلى -170 درجةٍ مئوية، وفي منتصف النهار ترتفع إلى 400 درجةٍ مئوية. يبدو محروقاً ومتجمداً في آنِ معاً، كم هو مليءٌ بالندوب! ما يشير إلى أن له ماضٍ عنيف. بالنسبة لحجمه، تُعد جاذبيته قويةً جدا، فهو أثقل مما نظن. إنه أشبه بكرةٍ حديديةٍ ضخمة، مغطاةٍ بقشرةٍ خارجية من الصخور، ربما.. ربما لُب ما كان في الماضي كوكباً أضخم حجماً، اصطدم به كوكبٌ ضال، مُؤدياً إلى انفجار طبقاته الخارجية، وجاعلاً منه يبدو كما هو عليه الآن. لم ننته بعد،فثمة شيءٌ هام يتعلق بهذه الكويكبات. أتوصلتم إلى علاقة ما بين كم هذه الكويكبات المتناثرة في أرجاء الكون وأصل تكون كواكب مجموعتنا الشمسية، بما فيها كوكب الأرض؟؟ لقد اتضح بأن الحصى المتساقط من هذه الكويكبات قد اتحد ليشكل الكواكب بما فيها كوكبنا، لذا بتحديد تاريخ عُمر النيازك على الأرض استطعنا أن نعرف بأن الكواكب قد وُلدت قبل أربعة مليارات ونصف مليار سنة، فيما توقف تشكل بقية حصى هذه الكويكبات إلى كواكبٍ أخرى لسببٍ ما، ألا وهو قوة جاذبية كوكب المشتري الذي يتجاوز حجمه حجم كوكب الأرض بآلاف المرات على الأقل، ويتسع إلى جميع كواكب المجموعة الشمسية.

ما أجملها ونحن نترقب قدومها كل صباح! كعادتها تُعلن عن اقتراب قدومها بتصاعد إشعاعاتها التي تلوح في الأفق، لتصبح أفتح فأفتح كلما حانت لحظة الإشراق. ذاته هذا المشهد الجمالي يتكرر بشكلٍ عكسي كل مساء، عند الرحيل، لحظة المغيب. شمسنا هي جميلةٌ حقاً، لكن من بعيد فقط. ضوئنا، وحياتنا وكل ما نفعله محكومٌ بالشمس؛ دورة الحياة على الأرض، التوازن البيئي، خضرة الأشجار والانقلابات الفصلية، كُلها تعتمد على الشمس. تبعد الشمس عن الأرض مئةٍ وخمسين مليون كيلومتراً، برحلةٍ تستغرق 120 سنةً بالطائرة، إن فقدت حرارتها، لن نعرف عنها شيئاً لمدة 8 دقائق كاملةً. إنها كبيرةٌ جداً لدرجة أنها تتسع إلى 100 كوكب بحجم الأرض داخلها، فثقلها الهائل يجعلها تتحكم بالنظام الشمسي بأكمله. هي أشبه ما تكون ببحرٍ متموج من الغازات المتقدة، تصل درجة حرارتها فقط عند سطحها إلى 5000 درجةٍ مئوية، وعند مركزها تتضاعف إلى ملايين الدرجات، ما يُمّكنها بما في الكفاية لتُطلق ردّٓ فعلٍ نووياً، محولةً ملايين الأطنان من المادة إلى طاقة في كل ثانية،  أكثر من كل الطاقات التي صنعها الإنسان مجتمعةً. يُمكننا رؤية هذه الطاقة على كوكبنا على هيئة ضوء، والإحساس بها على هيئة حرارة. ماذا بعد..، إنها مليئةٌ بالنشاطات الإلكترونية والمغناطيسية التي تنفجر على شكل إنشوطاتٍ غازيةٍ متهيجة تُدعى ب ” النتوءات “، كل منها تُطلق طاقات ما تطلقه 10 براكين معاً. الشمس ليست دائماً مرتبطة بمصدر الحياة على الأرض، فقد تتحول عكس هذا إلى مصدراً للموت. يكمن هذا في التوهج الشمسي من الغازات المكهربة ذات الحرارة المرتفعة والمتدفقة التي تُرسل بدورها إشعاعاتٍ مميتة إلى الكون.

أخبرونا ذات مرة عندما كنا صغاراً بأن من يلمح شهاباً ساطعا في السماء، ويتمنى فور رؤيته له حلماً ما، فقد يتحقق فعلاً ذلك الحلم. لم نكن نعلم بعد آنذاك كُنه هذه الشهب، ولا السبب وراء تلاشيها فور سقوطها، حتى أصبحنا كباراً، وأدركنا بأن هذا بسبب غلافٍ جوي يلعب كدرع يقي أرضنا من مخلفات المذنبات المتمثلة بالنيازك. سأُبين الفرق أولاً بين النيازك والشهب. ” النيزك ” عبارةٌ عن جرمٍ أو جسيمٍ سماوي يوجد في النظام الشمسي، يتكون من حطام الصخور، قد يكون بحجم حبة رمل صغيرة، أو صخرة كبيرة. أما المسار المرئي أو الشعاع الضوئي للنيزك الذي يدخل مجال الغلاف الجوي للأرض، أو أي كوكبٍ آخر تحت تأثير الجاذبية، والذي ينتج احتكاكه بالغلاف ارتفاعاً في درجة حرارته، ومن ثم تلاشيه في الجو، فيُعرف هذا المسار أو الشعاع ب ” الشهاب “. في حال وصول النيزك إلى سطح الأرض، يُعرف ب ” الحجر النيزكي “. من جهةٍ أخرى، يُعرف الحطام المتخلف لمعظم النيازك نتيجة تدمرها عند مرورها بالغلاف الجويب ” الغبار النيزكي أو بغبار الشهب “. فلنعد قليلاً إلى أصل هذه النيازك والشهب لنعرف القصة منذ البداية، إلى المذنبات. تنتج ” المذنبات ” عن تسخين حرارة الشمس لها، وإبعادها على شكل ذيل يمتد إلى ملايين الكيلومترات. درجة برودتها تصل إلى حد التجمد، وأصل تكونها يعود إلى الفضلات الثلجية في الفضاء، الماء، والحبيبات الصغيرة التي تبدو كموادٍ عضويةٍ محفوظة على الثلج منذ.. فالحقيقة لا أحد يعلم منذ متى على وجه الدقة. ربما تكون عناصر تكَوُّن الحياة هذه قد انتقلت إلى الأرض عندما ضربها مذنبٌ ما منذ مليارات السنين، مشكلةً بذور الحياة الأولى عليها. كما يمكن أن يكون كذلك اصطدام النيازك بالأرض وراء انقراض الدينصورات قديماً منذ خمسةٍ وستين مليار سنة.

بمجرد تفكيري بالحديث عن هذا الأمر، أشعر بجسدي يقشعر، حديثي عن ولادة وموت النجوم!!. أقرأتم ما كتبت؟ نعم إنها تُولد وتموت في أعظم المشاهد الكونية دراماتيكية وواقعية في آنٍ معاً. فهي تُولد في مكانٍ ما أشبه بعشٍ، تُولد وتُحتضن فيه، آلا وهو ” سحابة الجوزاء المعتمة “. هذه السحابة عبارةٌ عن طيفٍ شبحي يبعد عن الأرض 1300 سنةٍ ضوئية، الغبار والغاز فيها كثيفان جداً، لدرجة أنهما يُغلفاننا ويُغلقان علينا الكون من الخارج. تُوجد بداخل هذه السحابة كراتٌ ضوئية تجتذب الغبار والغاز نحوها، مسخنةً ودامجةً إياهما في كرةٍ من الغاز الحارق. النجوم المتكونة بداخلها نظراً إلى درجة حرارتها العالية جداً، قد تُبدي سلسلة تفاعلاتٍ نووية من النوع الذي يمكن أن يُبقي شمسنا منيرةً، ويصنع طاقةً، وإشعاعاً وضوء. نستطيع أن نُشبه هذه السحابة كذلك بالمصنع النجمي الضخم. من جانبٍ آخر، المكان الذي تموت فيه النجوم يمكن أن نشبهه بمقبرةٍ، تموت وتُدفن فيها، إنه ” سديم السرطان “. هو عبارةٌ عن بقايا متشتتةٍ لنجمٍ ميت، يبعد6000  سنةٍ ضوئية. يبدو كسحاباتٍ مضيئةً متدلية في الفضاء، مُحاطةً بما كان يوماً من الأيام نجماً كشمسنا. كل ما تبقى منها غازاتٌ ساطعة تُمثل عناصر تشكلت بفعل صهيرٍ نووي في عمق النجم، وأُطلق سراحها إلى الفضاء أثناء موتها. تتكون هذه العناصر من ذرات الهيدروجين والهيليوم الخضراء، مواد الكون الخام، بالإضافة إلى ذرات الأكسجين والنيتروجين الحمراء والزرقاء. من أجل أن نحيا نحن، توجب على نجومٍ كهذه أن تموت. كلنا نعلم جيداً أن الأكسجين الذي في رئاتنا، والنيتروجين الذي في حمضنا النووي، هما الأساس في استمرار الحياة. فالأكسجين يعمل على تنقية الدم في الأوردة والشرايين، وهو مهمٌ أيضاً في عملية التمثيل الضوئي، أما النيتروجين فهو مهمٌ جداً في تغذية النباتات.

إنها هنا وهناك تنصب أفخاخها حولنا من حيث لا ندري. نحن لا نراها لأنها السواد والسواد هي. لا شيء يمكننا أن نصفها به، فكل قوانين الطبيعة تعجز عن الصمود أمامها. لا تكشف عن نفسها إلا بعد فوات الأوان الذي لا مفر منه حتماً، حالما وقع أيُ شيءٍ في شباكها. لا مادة، لا طاقة لا شيء أبداً يمكنه الإفلات من قوة جذبها الجنونية التي لا مثيل لها إطلاقاً.إنني أتحدث عن ” الثقوب السوداء “، أكثر الأخطار الكونية رعباً وغموضاً. إنها بغاية السواد لدرجة أنها قد تلطخ النجوم التي حولها. هي عبارةٌ عن بقايا نجمٍ عملاق، فعوضاً عن تقلصه ليصبح قزماً أبيض، أو مستعراً أعظم، واصل المسيرة وتقلص ليصبح صغيراً جدا عرضه بضعة كيلومترات. من المستحيل مقاومته، فإن حام حوله أيُ شيءٍ عن قرب، فلن يكون هناك مجالٌ له للعودة. هو ثقبٌ أسود لأن قوة جذبه قويةٌ جداً، حتى أن الضوء نفسه لا يمكنه الفرار منها. لا توجد مادة في الداخل، ولا وقت أو مساحة، فكل قوانين الطبيعة تنهار فيه. تكمن الخطورة في احتمالية وجود ملايين الثقوب السوداء المختبئة حول مجرتنا، ربما أكثر من النجوم الموجودة في السماء، التي لا يمكننا رُؤيتها إلا عند فوات الأوان. من منا لا يستطيع القول بأننا لا نعيش داخل ثقبٍ أسود ضخم، وبأن الكون لا يوجد داخل إحداها أيضاً، أو داخل كونٍ آخر!! ربما كان الفاعل في جريمة إبادة كل الأجناس على الأرض قبل أربع مئة وخمسين مليون سنة مضت، هو الإشعاعات القاتلة المتولدة نتيجة موت مستعرٍ أعظم قبل أن يتحول إلى ثقبٍ أسود.

لقد وصلنا إلى مرحلة الخطر الأخير الذي يهدد، لا أقول فقط أرضنا، وإنما مجرتنا درب التبانة بكل من فيها وما فيها، أرضنا، الكواكب السيارة الأخرى وشمسنا. سأقوم بتمثيل ما يُتوقع حدوثه من خلال استعراض هذه المشاهد: مجرةٌ في طريقها باتجاه مجرتنا، تزحف بحنينٍ وكأنما تفي بلقاءٍ قاتل وعدت بوفائه على مر سنين. تقترب أكثر فأكثر إلى حد العناق بلهفة، إلى أن تصطدم بمجرتنا. لتبدأ نهاية البداية، نهايتنا نحن، وبدايتها هي. تؤدي إلى سحب شمسنا عن موقعها الحالي، لتستلم الشمس المهمة من ثم. تلفح الشمس بحرارتها كوكبنا، فتتسبب بحرق وسحق كل من وما عليه تدريجياً، ليتحول من كوكبٍ حيٍ نابض إلى ميتٍ هامد، قبل أن تدمره بالكامل، وإلى الأبد. إنها قادمةٌ على بُعد مسافةٍ بيننا تُقدر ب مليونين ونصف المليون سنةٍ ضوئية. تتحرك عبر الفضاء بسرعة مليون كيلومترٍ في الساعة تقريباً. بعد ثلاثة مليارات سنة من الآن ستصطدم مجرة ” إندروميدا ” بمجرتنا، معلنةً عن ميلاد مجرة جديدة على بقايا حطام مجرتنا، لم يحن الوقت بعد لتسميتها. شمسنا وكوكبنا سينجوان، لكنهما سيُقذفان في مدارٍ معقود حول المجرة الجديدة. ستصبح الشمس عملاقاً أحمر، وتبلع عطارد والزهرة، وتحرق سطح الأرض، وتُدمر كل الحياة الموجودة عليه. ستموت الشمس، وتتقلص لتصبح قزماً أبيض، وستموت النجوم المجاورة أيضاً، وتُستبدل بالأقزام البيض، والمستعرات العظمى والثقوب السوداء. في نهاية هذا السيناريو الكوني التراجيدي، ستخمد أضواء المجرة إلى الأبد.

لست بمدعي امتلاك الحقيقة المطلقة لكي أهدف من وراء إطلاق مقالي هذا جحد كل تصورات أو تأملات أية ديانة أو فلسفة عن أصل ومآل الكون. أحترم كل مجهودٍ بشري، عقائدياً كان أم فكرياً، حاول وضع فهم حول تفسير هذا الوجود، سببه، معناه ونهايته. أتوقع توجيه أصابع الاتهام لي بالمروق عن الدين، لكنني أتصدى لها على الفور بتأكيدي بأن الله يتجلى مفهومه في حياتي كرمزٍ مطلق لكل معنىً خير ذي قيمةٍ أخلاقيةٍ رفيعة. أستطيع الإحساس برمزيته هذه بكل ما يحيط بي من خلال جمال كل إبداعٍ كوني، سواءً من حيث ماهية التكوين أو آلية العمل.

المراجع:

 

  1. http://www.emkanat.org/global_warming
  2. http://ibelieveinsci.com/?p=3105
  3. بعض المعلومات والأرقام الواردة في المقال مأخوذة من الفيلم الوثائقي (رحلة إلى حافة الكون):
    https://www.youtube.com/watch?v=3v84thQq28g

 

0 2494 22 سبتمبر, 2016 الخامس والسبعون, ثقافة وفكر سبتمبر 22, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.