مليارات الإنفاق العسكري.. ترف من نصيب الفقراء

لـ

تجنح الذات العربية، وخصوصا في الدول الغنية ومتوسطة الغنى، إلى إشباع رغباتها وتلبية حاجاتها الاستهلاكية على نحو مفرط، وبالعادة يترجم هذا الجنوح  من خلال الإنفاق المبالغ فيه في غالب الأحيان على مواد سلعية وخدمية وترفيهية عديدة، وبات هذا السلوك معلما واضحا من معالم  الشخصية العربية التي تعلق نشاطها وارتهن حضورها بكل ما تنتجه دور ومراكز التصنيع العالمي في شتى أشكال الانتاج، حتى باتت هذه الشخصية تصنف باعتبارها تملك بداخلها نزعة قوية ومبالغ فيها لما يعرف بنزعة الاستهلاك، وليغدو هذا السلوك في عمق هذه الشخصية هدفا بحد ذاته.

وبنظرة أوسع للواقع العربي، فان نزعة الاستهلاك المفرطة تتجاوز نطاق الأفراد والجماعات  لتطال الأنظمة والدول ذاتها، وغدت هذه النزعة الاستهلاكية على المستويين الفردي والجمعي بمثابة ترجمة حرفية وواقعية لسياسة ابتزاز الدول الصناعية الكبرى والمتوسطة لثروات الدول التي لا زالت تصنف منذ ما لا يقل عن سبعين عاما باعتبارها دولا في طور النمو، وبالتالي فان هذه الدول النامية لا زالت عرضة وقابلة لابتزاز الدول الصناعية حتى آخر نفس. إلا أن الجانب الأخطر في المسألة أن أكثر القطاعات على المستوى العربي خضوعا واستجابة لهذا الابتزاز هو القطاع العسكري، باعتباره أكثر القطاعات استهلاكا واستدعاء لآخر ابتكارات عالم التسلح والتسليح، وباعتباره القطاع الذي تمنح له الأولوية القصوى لدى إعداد الميزانية الوطنية في أي من الدول، حتى غدا إنفاق الدولة في الشرق الأوسط والإغداق على قطاع التسليح هو الأعلى على المستوى العالمي مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول.

المفارقة في مسألة التسلح وسباق الأسلحة، التقليدية على وجه الخصوص، أن  الدول المصنعة في حالة سباق محموم لإدخال تعديلات والإعلان عن نماذج جديدة أكثر تطورا وأشد فتكا، ليس لغايات استعمالها واستخدامها في صراعات إقليمية فيما بينها، إنما لغايات مختلفة تماما، غايات اقتصادية وربحية بصورة مطلقة، ولا تتحقق هذه الغاية إلا من خلال الإبقاء على حالة النزاع في مناطق بعيدة قائمة أطول فترة ممكنة، ومن ثم عقد صفقات تسليح وإمداد عتادي مع كافة أطراف النزاع، وكلما أخذت نار الحرب تخبو شيئا فشيئا أوقدتها من جديد تحالفات اقتصادية كبرى وأطراف دولية تشكلت وتسعى للمحافظة على بقائها وديمومتها من خلال إثارة نزاعات وحروب وتحديدا في الأطراف والأماكن الرخوة من العالم القابلة أصلا أن تتحقق على أرضها وفي نطاقها مخططات ومشاريع القوى المهيمنة.

هذه الدول والجماعات المهيمنة المالكة لقرارها وقرارنا معا، تنظر إلى الحروب ليس فقط باعتبارها مجالا خصبا للاستثمار، وإنما تنظر اليها باعتبارها ترف، وفقا لما يشخصها بسخرية  عدد من مفكريها ومتخصصي العلوم الاستراتيجية، وأن هذا الترف لم تعد الشعوب الغربية تحتمله، خصوصا بعد تجربتها المضاعفة في حربين كونيتين، والآثار المدمرة التي خلفتها على مختلف الصعد: الانسانية والاقتصادية، وبالتالي فان النظرة الجديدة تشكلت على أساس أن شعوبا أخرى وأماكن أخرى في العالم جدير بها أن تعايش هذا الترف وتخوض التجربة، وفي ذات الوقت تبقى آلة التصنيع الحربي شغالة دونما انقطاع، الأمر الذي استدعى أن تبقى القوى السياسية والاقتصادية في حالة بحث دائم عن بدائل تضمن ليس فقط استمرارية دوران آلة التصنيع الحربي،  بل نمائها وازدهارها أطول فترة ممكنة، ولم يكن ذلك بالمقدور إلا من خلال تفعيل غريزة القتل وإثارة الحروب والاقتتال بأنحاء مختلفة من العالم، وبالطبع كان نصيب الشرق الأوسط وعلى وجه الخصوص الدول العربية من هذه الأثرة النصيب الأوفى.

ولعل أكثر العبارات دقة وتكثيفا لهذه الفكرة التي تقع في صميم الفكر الغربي بهذه المسألة، تلك المقولة التي أطلقها واحد من أهم المفكرين في المجال الاستراتيجي، وهو مستشار أسبق للأمن القومي الأمريكي، زبغنيو بريجنسكي، أطلق عبارة وهو يرى الآثار الاقتصادية الحميدة التي انعكست على بلاده جراء حرب الخليج الأولى ” العراقية – الإيرانية” حيث بلغت كلفة هذه الحرب في سنواتها الخمس الأول فقط، الحرب استغرقت ثماني سنوات، ما يقارب الـ 600 مليار دولار، كان نصيب الولايات المتحدة الأمريكية من هذه الكلف والعائدات النصيب الأوفى، ناهيك عن الانعكاسات والآثار الإستراتيجية التي جنتها ممثلة بإضعاف أقوى دولتين في المنطقة بعد إسرائيل؛ قال على نحو مشبع بالسخرية والاستهزاء: ” في زمننا هذا أصبحت الحروب ترفا لا يقدر عليه إلا الشعوب الفقيرة”. وهذا توصيف دقيق إلى درجة كبيرة.

وفي حال إلقاء نظرة خاطفة على التقارير والقوائم التي تعنى بالتوازن العسكري في العالم الصادرة عن  معاهد عالمية متخصصة، رسمية وأهلية، نلحظ ودونما عناء لدى القراءة الأولية لهذه الأرقام، أن الإنفاق الذي تبذله المؤسسة العسكرية بمنطقة الشرق الأوسط عموما والدول العربية على وجه الخصوص يعد الأعلى مقارنة بالمؤسسات العسكرية في مختلف أنحاء العالم، وأن هذا الإنفاق هو الأكبر حجما مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، حيث تظهر قائمة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الخاصة بالتوازن العسكري الصادرة هذا العام لدى تقييمها ومراجعتها للإنفاق العسكري على مستوى العالم للعام 2015، (التقرير منشور على مستوى واسع)، أن المملكة العربية السعودية تحتل موقع الصدارة في القائمة للإنفاق العسكري مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، بنسبة 12,9% وبانفاق يقدر بـ 81,8 بليون دولار، وبذا تعتبر العربية السعودية ثالث أكبر دولة تنفق على الجيش وتسليحه في العالم لا يتقدمها سوى الولايات المتحدة الأمريكية والصين. وتأتي العراق بعد السعودية حيث أنفق الجيش العراقي ما نسبته  12,7 % من الناتج المحلي وبانفاق يقدر بـ 21,1 بليون دولار، يليهما مباشرة جيش الاحتلال الإسرائيلي والقوات المسلحة الإماراتية بنسب 6,2% و 5,7% بانفاق يقدر بـ 18,5 بليون و 22,8 بليون دولار على التوالي. وبحسب ذات التقارير فان حجم الإنفاق العسكري الذي بذلته 14 دولة عربية لعام 2012 قد وصل إلى 181,172 مليون دولار أي أن هذه الدول كانت تنفق 20 مليون دولار كل ساعة على امتداد عام كامل، ومن المؤكد أن حجم الانفاق بعد مضي أريع سوات قد تزايد إلى نحو الربع على الأقل.

من البديهي أن هذا الإنفاق على القطاع العسكري يفوق بكثير الإنفاق الذي تخصصه غالبية هذه الدول وسواها على قطاعات تنموية وحيوية يعود نفعها ويلمس أثرها المواطن العادي بشكل مباشر على نحو حقيقي مثل قطاعات التربية والصحة، إلا أن القضية الأكثر خطورة أن هذا الإنفاق المبالغ فيه لن يفضي في النهاية إلى نتائج ايجابية، ولن يخلق واقعا أفضل، بل العكس من ذلك تماما، فكلما ازدادت نيران الاقتتال اشتعالا كلما تعمقت الفوضى واتسعت مساحة البؤس والفقر. كل هذا في سبيل ماذا ولأي هدف ولأجل أية غاية جوهرية؟ في الحقيقة لا يوجد هدف ولا توجد غاية عظمى وسامية، لا شيء في الحقيقة، وإنما هي حسابات ورهانات لا تمت للسياسة الواقعية بصلة، والأكثر إيلاما ووجعا أن فكرة الجيش تهدف أولا وأخيرا الحفاظ على السيادة الوطنية والذود عن الوطن من أي اعتداء خارجي، هذه الفكرة والغاية الحقيقية والختامية من تأسيس الجيوش وتشكيلها، إلا أنها تخلت عن هذه الوظيفة، أو أرغمت للتخلي عنها بأساليب وطرائق شتى، وغدت في مقدمة أولوياتها الحفاظ على السلطة أو النظام السياسي وحمايته والحرص أن يبقى على النحو الذي هو عليه، وعلى علاته.

لا يمكن لأحد المطالبة بقطع التمويل والإمداد عن الجيش الوطني، فهذا يعني انهياره ومن ثم انهيار السيادة الوطنية برمتها، إنما تمويله والإغداق عليه بالقدر الذي يحفظ للبلاد أمنها واستقرارها وضمان حمايتها من أي عدون خارجي فقط، وفي المقابل بذل جهد أكبر من المال لغايات تحسين شروط السلام في حال تفاقم نزاع أو صراع في إقليم ما، وأن تحول هذه الاتفاقات المهلة من الأموال لتطوير عجلة التنمية والازدهار، والعمل في سبيل صيانة أرواح الفقراء وأنفسهم في اليمن والعراق وسوريا وليبيا… الذين لا زالت آلة  الحرب المجنونة تشتغل شغلها بأبدانهم طحنا وفرما، وهدرا لكراماتهم بدون مبرر ولا هدف.

0 1914 25 سبتمبر, 2016 الخامس والسبعون, سياسة سبتمبر 25, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.