نحو النهوض بالمسؤولية الشخصية

لـ

إننا لا نكاد نخلو بأنفسنا إلا وتنتابنا الكثير من الخواطر، وتختلف تلك الخواطر باختلاف مراحل حياتنا، إلا أن الخواطر التالية لا تزال تتردد علينا في كل حين: “لم أعش الحياة التي تمنيت، لم أحظ بعلاقات ممتازة، لياقتي ليست جيدة، مثقل بالديون، دخلي المالي متواضع، لست ناجحا في حياتي“.

لكن الذي يحدث في أغلب الأحيان، أنه لا تكاد تمر بنا تلك الخواطر، إلا ونحقنها مباشرة بجرعة التخدير المتمثلة في القول بأنه: “الأمر ليس بيدي، فالظروف والأحداث هي السبب في ما أنا فيه، وهي التي تحول دون ما أبتغي“.

دائما ما يتكرر ذلك السيناريو، وبذلك نتملص من مسؤوليتنا تجاه حياتنا، ونلقي بها على أي شيء سوى أنفسنا.

وفي الواقع، فإن تحمل المسؤولية هو خيار، كما أن التملص منها هو أيضا خيار. وإن علينا أن نتفكر جيدا قبل أن نقرر مع أي الخيارين نود أن نمضي بقية حياتنا.

ماذا يعني أن نتحمل مسؤولية حياتنا؟

إنه يعني أن نتفاعل بوعي مع ظروف وأحداث حياتنا، فنحن مسؤولون عن أنفسنا، وعما نفعله في حياتنا وما سبق أن  فعلناه فيها. صحيح أنه ليس لدينا القدرة على التحكم في جميع ظروف وأحداث حياتنا، لكن لدينا القدرة على التحكم في تفكيرنا وردود أفعالنا تجاه تلك الظروف والأحداث.

3 فوائد لتحمل مسؤولية الحياة

عندما نتحمل مسؤولية حياتنا فإننا سننظر لأنفسنا وللعالم من حولنا بطريقة جديدة، وذلك من شأنه أن يعود علينا بالعديد من الفوائد، ولعل من أهمها الآتي:

 

  • الحرية 

 

عندما نتحمل مسؤولية حياتنا فإننا نتحرر من فكرة المؤثرات الخارجية، ومن العقلية الانهزامية والنفسية المسحوقة، وبذلك فلن نجد فرصة للوم الظروف والآخرين، الأمر الذي يدفعنا للاجتهاد لعيش الحياة التي نريد، وأثناء تلك المسيرة سنكتشف إمكاناتنا فنستثمرها، ومناطق ضعفنا فنسعنى لتطويرها، ولن نلقي بالاً للظروف الخارجية، فمهما حصل ومهما تفاوتت سرعة تقدمنا فنحن مستمرين في السير بالاتجاه الذي تحدده بوصلتنا الشخصية.

 

  • ثقة واحترام الآخرين 

 

فلنفترض أن شخصا أخطأ أثناء إنجازه لأحد الأعمال الموكلة إليه، فاعترف بخطأه بكل وضوح. ألا يخلق ذلك انطباعا لدى الجميع بأنه شخص صادق ومحل للثقة؟! بالإضافة إلى ذلك فإننا في الغالب نميل إلى احترام الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية أفعالهم، كما ننظر لهم بعين التقدير، ونشعر بأن لكلماتهم معنى لا نجده في كلمات المتملصين من المسؤولية.

 

  • مشاعر سلبية أقل 

 

عندما لا نتحمل المسؤولية فإننا نلقي باللوم على الآخرين، وذلك كفيل بأن يولد لدينا مشاعر سلبية تجاههم، فنشعر بالغضب أو الاستياء لأنهم في ظنناسبب ما حدث أو يحدث لنا، وربما يتحول الشعور إلى سلوك سلبي تجاههم، وبعد فترة من الزمن سوف نشعر بالذنب والندم على سلوكنا، فندخل في دوامة من المشاعر السلبية التي ما كنا لنشعر بها لو اخترنا تحمل مسؤوليتنا.

إن عدم تحمل المسؤولية يشعرنا بأننا لا نملك السيطرة على حياتنا، وأننا عاجزين عن فعل أي شيء، الأمر الذي قد يكون سببا للإصابة بالاكتئاب وما إلى ذلك من آثار وخيمة.

 

4 ممارسات تتنافى مع المسؤولية

ما من طريق إلى النجاح إلا وتعترضه تحديات وصعوبات تجلعنا نتأخر أحيانا ونحيد عن الطريق في أحيان أخرى، إلا أن الوعي بتلك التحديات يجعلنا أقدر على تجاوزها أو التغلب عليها.

عندما نقرر تحمل مسؤولية حياتنا، فإننا سنبدأ في التركيز على أنفسنا بدلا من التركيز على الظروف والآخرين، وإن من شأن التركيز على أنفسنا أن يكشف مناطق ضعفنا وقصورنا، وإن ذلك يقتضي أن نجتهد سعيا للتطوير وسداً للخلل، الأمر الذي يعني الخروج من منطقة الراحة الخاصة بنا، وذلك ما لا تهواه النفس.

لذلك وحتى نعفي أنفسنا من تولي زمام المبادرة، فإننا نقوم بالممارسات التالية، وهي في جوهرها تهرباً من المسؤولية، وإن الأشخاص ذوو المسؤولية العالية لا يقومون بهذه الممارسات:

 

  • إلقاء اللوم على الآخرين 

 

إن إلقاء اللوم على الآخرين يحمينا على المدى القريب من الشعور بالذنب، ذلك أنه يجعلنا نرى بأن المشكلة لا تكمن فينا وإنما في الآخرين، وأنه ليس بمقدورنا السيطرة عليهم، وبالتالي فلا قدرة لنا على حل المشكلة لوقوعها خارج دائرة تأثيرنا، وتلك في الحقيقة هي أكبر مشكلة.

إن عواقب إلقاء اللوم على الآخرين لا تقتصر على إعاقة النجاح، لكنها تتجاوز ذلك لتشمل خلق الضغائن والكره والحقد؛ ذلك بأننا نرى أن الآخرين هم السبب في إخفاقنا.

 

  • اختلاق الأعذار 

 

عندما نختلق الأعذار فإننا نلوم الظروف. وهذا يعني عجزنا عن إحداث أي تأثير، وفي الواقع فإن الشعور بالعجز هو الفشل الحقيقي.

علينا أن نعي جيدا بأنه مهما سيطرنا على حياتنا فإنها لن تخلو من الظروف المعرقلة أو المنغصة، ونحن لا نملك إلا أن نتجاوز تلك الظروف أو أن نقلل من وطأتها علينا أو أن نتقبلها بنفس راضية، والخطأ كل الخطأ في الوقوف عندها وكأنها منتهى الحياة. إن علينا أن نستأنف نشاطنا بعد أي اصطدام، فالحياة ماضية ونحن ماضون معها.

 

  • التشكي 

 

التشكي يجلعنا نركز على الأخطاء والنواقص والزلات، ويجعلنا نراها أضخم مما هي عليه، كما أنه يصرف نظرنا عن الأمور الجيدة التي تحصل في حياتنا.

قد يصبح التشكي عادة من عاداتنا، عندها فإننا سوف نرى الحياة بنظّارات سوداوية، كما أن تركيزنا سوف يكون على الجانب السلبي من حياتنا، بدلا من التركيز على ما يمكننا تغييره وتطويره فيها.

إن التشكي يصرفنا عن تحمل مسؤولية حياتنا، وينعكس ذلك في المثال التالي حيث نسمع المتشكي يقول منزعجا: “الغرفة غير نظيفة!” بدلا من أن يقوم بتنظيفها!

 

  • لعب دور الضحية 

 

عندما نلوم الآخرين، ونختلق الأعذار، ونكثر من التشكي، فإننا في الواقع نقوم بتنمية عقلية الضحية.

إن عقلية الضحية تناقض على طول الخط النهوض بالمسؤولية الشخصية، ذلك أن عقلية الضحية تجلعنا نستسلم للحياة، بدعوى أن ليس لنا أي تأثير على مجرى الأمور.

قد لا تخلو حياتنا من لحظات نعيش فيها دور الضحية، لكنه ينبغي علينا التنبه لذلك والتقليل منه إلى أقصى حد، وإلا أصبحت عقلية الضحية عادة تؤرق حياتنا وتفقدنا بهجتها.

 

 7 خطوات لتنمية عادة تحمل المسؤولية

علينا أن نصدر، الآن ودون أي تأخير، قراراً واعيا ًبأن نكون المسؤولين عن حياتنا، ومع ذلك فإنه ليس بإمكاننا أن نكون كذلك بمجرد القول بأننا سنصبح مسؤولين عن حياتنا، ذلك أن التخلي عن المسؤوليةأصبحت عادة متأصلة في كثير منا، ومهمتنا تكمن في التخلص من هذه العادة. وهنا في النقاط التالية نقترح خطوات نأمل أن تساعدنا على ذلك:

 

  • رشّد تفاعلاتك 

 

في الحقيقة، فإنه أيا ما كانت الأوقات التي نمر بها أو الظروف التي نعيشها، فإنه دائما ما تكون  لنا القدرة على التحكم في كيفية تفاعلنا معها

وإذا ما تأملنا في التاريخ والواقع من حولنا، فسنرى أناسا يقبعون في السجون وآخرون على الأسرة البيضاء، غير أنهم استمروا يسيطرون على وضعهم النفسي وتوجههم العقلي، وجعلوا من محنهم منحاً أفادوا واستفادوا منها، كما نرى آخرين اختاروا أن يسلموا أمرهم لظروفهم، فاستسلموا وسلّموا، فعاشوا نفسية المنهزم وعقلية الضحية.

إننا جميعا بلا استثناءيمكننا التركيز على ما يمكن فعله مهما كانت الظروف، ولا شك أننا حين نفعل ذلك فسوف نجد مساحة للتأثير فيها، كما أنه إذا ما اخترنا التركيز على ما لا يمكننا فعله، فلن نرَ مساحة للتأثير مهما كانت ظروفنا جيدة، وسنعيش بنفسية أن لا خير فينا ولا في الناس من حولنا.

وبما أن حياتنا قصيرة جدا، فإنه من الأفضل لنا ألاّ نتأخر في اختيار التركيز على ما هو ممكن.

 

  • ابدأ سياسة “صفر لوم” 

 

علينا أن نعترف علنا بأننا السبب في أي خطأ اقترفناه، أو أي أمر لم يتم كما كان ينبغي له أن يكون، علينا أن نقوم بذلك حتى لو كان هنالك مؤثر خارجي تسبب في ذلك.

ذلك أنه لا يهم إن كان غيرنا هو من تسبب في الخطأ، المهم أنه إذا تخلينا عن المسؤولية  فإننا سنفقد السيطرة على الوضع، وذلك سيشعرنا بالضعف، ونحن لا نريد أن نشعر بذلك، ولذلك علينا أن نتوقف عن اللوم.

بدلا من السؤال عن من هو الملوم في أي مشكلة تحدث، علينا أن نسأل ما الذي يمكننا فعله في سبيل المساهمة في حل تلك المشكلة. إن التفكير بهذه الطريقة يجعل تركيزنا موجها نحو إمكانياتنا، وذلك خير من عيش دور الضحية.

 

  • تقبل نفسك وظروفك 

 

علينا تقبل مسؤولية ما نحن عليه الآن، ذلك أن أفكارنا وأفعالنا هي السبب في وضعنا الحالي، وليس الآخرين.

صحيح أن بعض الأفكار التي نتبناها والأفعال التي نصنعها هي نتيجة تأثير الأسرة والمجتمع والأصدقاء، لكنه يبقى باستطاعتنا مراجعتها وإعادة صياغة موقفنا تجاهها.

إن ذلك لا يعني أنه ينبغي أن نشعر بالسعادة لوضعنا الحالي، ولكن يعني أن نتقبله وأن نتصالح مع أنفسنا، وأن نسعى بعد ذلك لتغيير ما نستطيع تغييره.

مهما كان تأثير الظروف السيئة علينا، فإن التذمر واللوم لن يغير شيء، لكن عندما نقرر تحمل مسؤولية حياتنا، فلربما استطعنا فعل ذلك.

 

  • لا تتمركز على أشياء خارجية 

 

علينا أن لا نستمد تقديرنا لذواتنا من استحسان وثناء الآخرين علينا، أو من وضعنا الاجتماعي، أو الوظيفة التي نشغلها، أو المال الذي نحوزه، أو السمعة التي نحظى بها، أو غيرها من الأمور التي لا نضمن استمرارها وبقائها، فالاعتماد على تلك الأمور يجعل تقديرنا لذواتنا مرهونا ببقائها، وهذا يعني أنه بفقدها فإننا نفقد تقديرنا لذواتنا.

حتى نضمن أن يبقى تقديرنا لذواتنا مرتفعا، فإن علينا أن نستمده من المبادئ والقيم التي نؤمن بها، وبذلك فنحن نتحمل مسؤولية سعادتنا وليس الآخرين.

 

  •  كن منفتحا على الأفكار الجديدة 

 

علينا أن نستمر في تجديد أفكارنا وعدساتنا التي نرى من خلالها العالم من حولنا، ذلك أن البقاء رهن أفكارنا المحدودة من شأنه أن يصعّب مسيرة تحمل المسؤولية، وربما يتجلى ذلك في المثال الشهير بأنه لم يكن أحد يقطع مسافة الميل في أقل من أربع دقائق، حيث كانت الفكرة الشائعة أن جسم الإنسان لا يقوى على ذلك، واستمر الوضع على ذلك الحال، حتى تمكن العداء البريطاني روجر بانستر من قطع مسافة الميل في أقل من أربع دقائق، عندئذ تحطمت الفكرة الشائعة، وقام العدائون بتجديد أفكارهم، فتمكن عدد من العدائين من قطع تلك المسافة في ذات العام.

كذلك المريض الذي لا يسعى للعلاج، ظنا منه بأن قوى غيبية تسيطر عليه، فتراه يقضي حياته تحت وطأة المرض دون أن يبحث عن العلاج، حتى إذا علم بأن لمرضه وصف علمي وعلاج موثوق، عندها سوف يسعى للاستشفاء من ذلك المرض.

من ذلك نتبين أهمية تجديد الأفكار في مسيرة تحمل المسؤولية.

 

  • اغفر لنفسك والآخرين 

 

جميع الناس يخطئون، إذ لا مفر من الخطأ، فعلينا إذاً أن نتعود على أن نغفر لأنفسنا وللآخرين.

عندما نخطئ علينا أن لا نبقى في حالة جلد الذات، إنما علينا أن نتعلم من خطئنا، وأن لا نعود لتكراره مرة أخرى، وأن نتجاوزه ماضين إلى الأمام في مشوار الحياة.

كذلك عندما يخطئ الآخرون، علينا أن لا نعاديهم لذلك، فإن عداء الناس يستهلك تركيزنا وطاقتنا، وإذا قمنا بذلك فنحن إذا نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه حياتنا التي هي أوسع بكثير وأقصر من أن نقضيها في معاداة الآخرين.

 

  • أنت لست مسؤولا عن الآخرين 

 

كل منّا مسؤول عن نفسه، لذا فإن علينا أن لا نحشر أنفسنا في شؤون الآخرين. نحن لا نستطيع أن نسيطر إلا على ذواتنا، فليس من الحكمة أن نشعر أنفسنا بالمسؤولية تجاه أفكار وتصرفات الآخرين.

يمكننا دائما أن نقدم النصح، وأن نقوم بنشر الأفكار التي نعتقد بأنها جميلة، لكن لا يمكننا أن نتحكم في طريقة تفاعل الآخرين مع ذلك.

لذا فإن من تمام المسؤولية أن نعرف أين تنتهي حدود مسؤوليتنا.

 

الخلاصة

على المدى الطويل، نحن نقوم بتشكيل حياتنا وأنفسنا، ولا ينتهي ذلك إلا بانتهاء حياتنا، وفي نهاية المطاف فإننا مسؤولون عن جميع الخيارات التي اخترناهاإليانور روزافلت

أن نتحمل مسؤولية حياتنا هو تحد يستمر مدى الحياة، غير أنه لا بد من ذلك في سبيل حياة نشعر فيها بالرضى والسعادة.

لن نتمكن من أن نحيا وفق المبادئ والقيم التي نؤمن بها ما لم نتحمل مسؤولية حياتنا.

 

المصدر

http://feelhappiness.com/take-personal-responsibility-for-your-happiness/

0 2248 13 أكتوبر, 2016 الثامن والسبعون, ثقافة وفكر أكتوبر 13, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.