الجزء الرابع من مقال “الربيع العربي” بين مطرقة الأعداء وسندان المثقفين

لـ

وهذا يعني أن هذه الطبقات أو العوائل الحاكمة لم تخرج عن عباءة الفكر والسلوك الإقطاعي، حتى عند تقمصها في بعض المجتمعات لدور الطبقات الكمبرادورية والبرجوازية الطفيلية المترهلة، بل وبعضها لدور القيادات المستنيرة في بلدانها، وإنما بقيت عقلياتها أسيرة ذلك الفكر المتخلف والمنغلق الذي لا يتيح لها الرؤية أبعد من أنفها؛ الأمر الذي وجدت فيه القوى الاستعمارية أرضية خصبة تقيم عليها مشروعاتها الخبيثة في المنطقة، القائمة على النهب و السلب للثروات، والسيطرة على مقدرات الشعوب و بلدانها؛ “فوافق شن طبقة ” كما قال المثل، وحصل “التحالف الاستراتيجي” بينها وبين تلك الطبقات أو العوائل الحاكمة، وصار كل منهما مكملاً وداعماً لوجود وبقاء الآخر.
ولقد استثمر الغرب هذه العقلية الضيقة والمتخلفة التي تتحلى بها هذه العوائل والأنظمة في بلداننا العربية خير استثمار لخدمة مآربه، متخذاً منها الكومبارس الذي ينفذ من خلالها خططه الاستعمارية، بل وعملا معاً (القوى الغربية والأنظمة الحاكمة) على نشر وغرس تلك الأفكار والقيم السقيمة الهادفة إلى تعطيل طاقات الشعوب وسلب إرادتها وبث الوهن في جسدها وتفتيتها وتمزيق لحمتها وتكريس التبعية والخضوع الأعمى للحاكم وللغرب من ورائه، وترسيخ “العصبية الجاهلية” والسلوك القبلي العفن، في أعماق النفوس، وتحسين القبول الطوعي لسلوكيات “العبودية المختارة”، أي أن تكون عبداً بمحض إرادتك و اختيارك، التي أشار إليها “إيتيان دي لا بويسيه” في مقالته الشهيرة (المنشورة في كتاب الدوحة، ترجمة مصطفى صفوان ، وتقديم محمد الرميحي) بين أفراد مجتمعاتنا منذ نعومة أظفارهم ؛ وعمدت تلك العوائل والأنظمة في الوقت ذاته إلى تبني “النظرية الميكافيلية” في السيطرة السياسية، القائمة على تبرير غاياتها الأنانية والاستبدادية لأي عمل أو سيلة تستخدمها للحكم والتحكم في شعوبها.
وقد تجسدت تلك العقيدة في اتخاذها سلسلة من الإجراءات والخطوات الاستراتيجية التي تهدف في مداها البعيد إلى تحقيق ثلاث غايات أساسية هي:
بقاء تلك العوائل أو الأنظمة الحاكمة أطول فترة ممكنة.
- استمرار الأوضاع المتردية والرؤى السقيمة والعقيمة في بلدانها، وترسيخ سلوكيات الجهل والتخلف في نفوس أبناء الشعوب التي تحكمها.
- إنتاج نفس الأنظمة والأوضاع بشكل تلقائي في حالة ما أجبرتها الظروف الموضوعية أو الاجتماعية على التغير و التبدل.
وكانت تلك الاستراتيجيات تتمثل فيما يلي:
1) السيطرة والاستحواذ على وسائل الإعلام بشتى صورها المقروءة والمسموعة والمرئية الموجودة في كل زقاق وبيت، وتسخيرها أبواقاً للحكم يبث من خلالها، بشكل دائم ومركز، الأفكار والقيم القائمة على “تدجين” المحكومين، و”تبجيل” الحاكم و”تفخيم” شخصه و”تعظيم” أمره إلى حد إكسابه “صفات الألوهية ” واعتباره خطاً أحمراً لا يجوز لأفراد “الرعية” تجاوزه أو الاقتراب منه، فهو المنزه عن الخطأ، المعصوم من الزلل، المشرع الأول والأخير للقوانين، وصاحب الفضل والمنة لكل خدمة تقدم في البلد؛ وبذا أُلغيتْ من الأذهان “حقوق المواطنة المشروعة” وأُلغيتْ معها “الأوطان” كعقيدة للانتماء والولاء والتضحية، وحل محلها “الحاكم السلطان”، فصار كل نقد له أو معارضة لتوجهاته وقراراته، هو خيانة وطنية عظمى يستحق من يتجرأ بها، العقاب الذي قد يصل إلى السجن والنفي أو حتى سحب الجنسية و الإعدام. فصودر بذلك “الرأي الآخر”، وأُخرِس كل صوت يخرج عن معزوفات جوقة الحاكم. وعندما شب الوعي الجماهيري عن الطوق في زمن الفضاء المفتوح، عمدت هذه الأنظمة إلى تجيير هذا الوعي وتحويل مساراته الأصيلة، وجعله في خدمتها عبر ركوبها لموجته العارمة واتخاذه وسيلة لتحقيق ثلاثة مآرب لها هي:
- جعله وسيلة “لتنفيس الجماهير” عن الضغوط المكبوتة التي تعاني منها، تجنباً أو تأجيلاً على الأقل للحظة الانفجار الجماهيري المحتوم. واتخاذه، في الوقت ذاته، في أدبياتها الإعلامية والإعلانية، واجهة لتجميل صورتها في أنظار العالم، بإبرازها إياه كأنموذج لما تتحلى به هذه الأنظمة من حرية التعبير، الذي لا يتجاوز مداه في حقيقته، عن حرية “الوهوهة”، وليس بقصد تشجيع الرأي الآخر أو الأخذ به والاستفادة منه في الارتقاء بهذه الأوطان. – كما استغلت هذه الموجة المفروضة من الانفتاح في “إلغاء فكرة  الديمقراطية الحقيقية” وشطبها من عقول الناس، الديمقراطية التي تعني حق الشعب في انتخاب حاكمه وصياغة الدستور الذي يحتكم إليه، واستبدالها بما تقمصته من فكرة “الليبرالية الشكلية”، التي تتيح للناس حرية التعبير عن قشور مكنونات الصدور، دون أن يكون لها أي أثر أو تأثير في التطوير أو التغيير اللازم لأوضاع البلدان التي تعيش فيها.
اتخاذ تلك الليبرالية الشكلية ” مجهراً لرصد الأقلام الوطنية الشريفة” التي تغرد بفكرها خارج سرب النظام الحاكم، فتعمل على اصطيادها والكبح من جماحها وتعطيل فعلها وتأثيرها بكل صورة من صور القمع المعروفة.
2) السيطرة على مؤسسات التربية والتعليم في البلاد، وإتخام البيئة المدرسية بأفكار”الخضوع و الخنوع”، و قيم “تقديس” الحاكم جيلاً بعد جيل، وصياغة المناهج التعليمية صياغة سطحية مهلهلة، لا عمق فيها ولا مجاراة لروح العصر، وفرض تدريس المناهج الأكاديمية في الجامعات والكليات باللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية والفرنسية، بدلاً من تدريسها باللغة القومية الأم، كما تفعل باقي شعوب الأرض، وذلك لتغييب الثقافة الوطنية الأصيلة، وتجسيد بل وتعظيم الوجود الثقافي الغربي في عقول الناشئة؛ الأمر الذي أفضى ويفضي بالأجيال الدارسة في نهاية المطاف، إلى تعطيل قدراتها الدراسية، بتشتيت عقولها في فك طلاسم ومفردات هذه اللغات الأجنبية على حساب فهمها للعلوم التي تدرسها وتمكُّنها منها، ومن ثم كمحصلة نهائية إلى إنتاج و تخريج “أنصاف وأشباه متعلمين”، وليسوا بالمتعلمين أو العلماء الحقيقيين؛ والدليل على ذلك المؤشرات العالمية التي تقيس مستويات التحصيل العلمي في بلداننا، فلا نحصد منها غير الأرقام المتهاوية في أسفل القائمة أو حتى خارج القائمة. كل ذلك من أجل إبقاء هذه البلدان والشعوب في دائرة العجز وناعور الحاجة الدائمة للعقول العلمية الأجنبية، وخبراتها العملية في تسيير أمورها في شتى مجالات الحياة لاسيما الاقتصادية منها والتكنولوجية.
3) ارتباط السلطة السياسية، لتثبيت دعائمها و استمرار بقائها “بزواج  كاثوليكي” مع فئتين أساسيتين في البلاد؛ تشد أزرهما بالقوانين الداعمة لهما  والحامية لوجودهما، ويشدان أزرها بالمنافحة عنها وترسيخ وجودها بكل ما لديهما من سطوة وحضور قوي في حياة الناس؛ وتلكما الفئتان هما: – الطبقة الأوليغارشية المتمثلة في أصحاب المال والجاه والمناصب، وكبار شيوخ القبائل والموظفين، لضمان اصطفافهم إلى جانبها في السراء والضراء، بما للمال والجاه والمنصب من سيطرة واستحواذ قوي على حياة الناس.
 – والفئة الأخرى التي أقامت معها السلطة السياسية زواجها الكاثوليكي هي أصحاب السلطة الدينية الموجودة في البلاد، بما للدين من سطوة في النفوس  ونفوذ متوارث عبر الأجيال في عقول “العباد” ، فسخرت رجال الدين، أصحاب العمائم والجلابيب والطرابيش، كأبواق ومزامير لها، ليس لهم في كل محفل، إلا اللهج بالحمد و الثناء على الحاكم، وربط الطاعة له بالطاعة لله ولرسوله، عبر تكرارها الدائم، في كل مناسبة، لظاهر الآية الكريمة ” ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ” دون ذكر أي شرط أو صفات على الحاكم أن يتحلى بها لوجوب تلك الطاعة له؛ وبذا اكتسب لنفسه العصمة والحصانة، فطاعته في كل أمر مقرونة بطاعة الله ورسوله، وعصيانه أو الخروج عليه، عصيان وخروج على الله و رسوله؛ وسعت هذه السلطة جهدها لتعميق الإيمان الأعمى لدى الجمهور، من خلال هذه الفئة، بمقولة:
“دع الأيام تفعل ما تشاء … و طب نفساً بما حكم القضاء”
مجسدة بذلك، في تنفُّذها وتغوُّلها، مقولة ابن رشد: “إذا أردت أن تنشر أو تسوِّق لأية فكرة باطلة، فما عليك سوى أن تغلفها بغلاف ديني “، فكل معاناة يعيشها الناس وكل حيف أو ظلم وإجحاف يقع عليهم، إنما هو قضاء وقدر من الله، لا مرَدَّ له ولا مندوحة للخلاص منه، فلابد من قبوله والرضا به، لأنه واقع يمثل الإرادة الإلهية التي لا حول ولا قوة لمخلوق إزاءها. مدركة هذه الأنظمة أن العرب، كما قال عنهم ابن خلدون في مقدمته الشهيرة “بأنه لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين” .. كل ذلك بقصد الزرع  في العقل الباطن للأجيال روح الاستكانة والقبول والاستسلام للمرارات التي تكابدها في الحياة؛ وصرفها عن أي فكر أو تفكير في أمورها الدنيوية يفضي بها إلى تحسين أوضاعها والتأسيس لحياة أروع و مستقبل أفضل.
4) إفراغ المجتمعات المحلية من أية خبرة تنظيمية أو سياسية، وذلك  بإبعادها عن أية مشاركة في الحكم، عبر منع قواها الفاعلة من إنشاء الأحزاب السياسية، وحرمان أفرادها من تكوين تنظيمات المجتمع المدني المستقلة بكافة أشكالها لفترة طويلة من الزمن؛ وعندما انتشر الوعي، برغم كل محاولات التغييب والطمس والترهيب، واضطرتها الظروف الموضوعية للسماح بتكوين تلك التنظيمات المدنية، بما في ذلك تلك المجالس البرلمانية المسماة بالشورى، (مع استمرارها في منع تكوين الأحزاب السياسية) عملت تلك الحكومات على “احتوائها”، أي احتواء تلك التنظيمات المدنية، ومصادرة فعلها وتحويلها إلى “واجهة” دعائية أخرى لها، تلمع بها صورتها “الديمقراطية” في نظر العالم، وذلك عبر تبنيها لتلك التنظيمات والإشراف على أنظمتها ولوائحها الداخلية بما يتناسب ومصلحة الحكم، ووضع ميزانيات لها، تشمل مكافآت ورواتب لعناصرها الإدارية أحياناً، عملاً بمقولة “املأ البطن تستحِ العين” و “اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي”؛ كل ذلك من أجل الإبقاء على شعارها القائل “بجهل الشعب و عدم نضجه” لأي نوع من المشاركة السياسية أو في صناعة  القرار الوطني (*2)، الذي يغطي به الحاكم تفرده بالحكم واستبداده بالأمر ومقدرات البلاد؛ بل ومنح لنفسه صلاحية “فلترة” المترشحين لعضوية تلك التنظيمات، بالإقصاء والإبعاد المعلن وغير المعلن للعناصر التي يتوجس منها، ونزع الحصانة عنها واعتقال أي منها، كلما رأى فيها أي خروج على سياساته وعن الأطر المرسومة؛ كما حدث في اعتقال عضو مجلس الشورى طالب المعمري بعمان، وحل مجالس الأمة في كل من الكويت والبحرين بجرة قلم من الأمير، وتعليق العمل بالدستور وحل البرلمان المنتخب كما فعل الجنرال السيسي إبان انقلابه على مرسي في جمهورية مصر.
ولقد قامت هذه الأنظمة الحاكمة “بحماية سيطرتها وهيمنتها على تلك المؤسسات الحيوية” الفاعلة والمؤثرة في صناعة الرأي العام وصياغة التفكير الجمعي “بسلسلة من قوى القمع” المختلفة المتمثلة في الجيش والشرطة والحرس والأجهزة الأمنية الموالية لها والمدللة بامتيازاتها المادية والمعنوية، كما عمدت تلك الحكومات إلى “شراء القضاء” ووضعه تحت إبطها وتسخيره لخدمتها وتنفيذ مآربها وخططها الداعمة لوجودها وتسلطها على الأوضاع تحت مسمى “حماية الشرع والقانون”. ذلك بالإضافة إلى دخول هذه الأنظمة في تحالفات استراتيجية خارجية مع شتى الدول والمنظومات التي تلتقي معها في المصالح وتقف على نفس الخط؛ فما عادت الشعوب تواجه حكوماتها الظالمة المحلية فحسب، وإنما صار عليها أيضاً أن تواجه حلفاء السلطة الخارجيين الذين يقفون خلفها، مما زاد الأمر صعوبة وتعقيداً في تحقيق الحرية والخلاص المنشود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال جزء من سلسلة تضم:
الربيع العربي” بين مطرقة الأعداء و سندان المثقفين ” الجزء الأول”

الربيع العربي” بين مطرقة الأعداء و سندان المثقفين ” الجزء الثاني”

أسباب انتكاسة انتفاضات الربيع العربي

0 1460 19 أكتوبر, 2016 الثامن والسبعون, سياسة أكتوبر 19, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.