أوان الحصاد.. انفجار الكبت الطائفي والمذهبي بوجه زارعيه

لـ

مع تراكم علامات الفشل والتجارب المثبطة، وانكشاف الوعود العريضة والآمال الكبيرة التي مضى على إعلانها عشرات السنين وعايشتها أجيال وراء أجيال، وكل جيل يبني على هذه الوعود أحلامه وتصوراته وأمانيه، والآن وفي هذه اللحظات المزلزلة التي تعصف بالعالم العربي، لحظات انكشاف زيف الدعاوى السياسية والثقافية، أخذت معالم الحقائق الكبرى والواقع الحقيقي الجديد وليس الافتراضي، بالانكشاف شيئا فشيئا، وليظهر للجميع أن هذا التراكم اللامحدود من مظاهر وعلامات الفشل، كان مقصودا لذاته، وأنه كان بمقدور صانعي السياسات ومروجي الأفكار والأنماط الثقافية بعد فشل أول محاولة وأول عرض أو ثانيها وربما حتى ثالثها، أن تأخذ الأمور بالاستقامة والنضج، وأن تتعلم هذه الفئة المتسيدة والمؤثرة ولو من خلال المنطق المعرفي الذي اعتمده الإنسان البدائي، التجربة والخطأ، أن يستفيدوا من أخطائهم، ويعيدوا تقييمها، الا أن المتتبع لعموم هذا النهج، الحكمي والثقافي  في العالم العربي يلحظ أن هناك إصرار وتعمدا على مواصلة الخطأ والفشل، لا لشيء إلا لأن هناك إدراكا واعيا مفاده أن تعميم الصواب والنهج الرشيد، وغلبة المنطق والتفكير السوي السليم، واقعا لا ترديدا بالخطابات والأقاويل، معناه بداية تراجع سلطة ومكانة، ومن ثم ثروة ونفوذ كل من أصر وجهد في سبيل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه،  والابقاء على المواقع السياسية والاجتماعية الأخرى ضعيفة وضمن حدود مصالح الوضع القائم، ونطاق ألاعيبه في تغييب الوعي والجهد الهادف.

كانت المجتمعات التقليدية في العالم، قبل نشؤ الدولة القومية الحديثة، محكومة في علاقاتها بأطر عصبوية: طائفية، مذهبية، عرقية، عشائرية، لاهوتية، وأخذت هذه العلاقات بالتراجع والتبعثر شيئا فشيئا مع بروز الدولة القومية بمفهومها الحديث وعلى وجه الخصوص بعد ثورات التحرر التي شهدتها أوروبا منذ القرون الوسيطة، وتوصلت هذه المجتمعات بعد كثير معاناة وبذل غير منقطع من التضحيات، وبفضل الجهد الدؤوب والمخلص لفلاسفة هذا العالم ومفكريه، ونتيجة تبدل عناصر الإنتاج الاقتصادي، خصوصا مع بدايات الانتقال من عهد الإقطاع إلى الصناعة، بعد كل هذه التبدلات والتغيرات ونتيجة طبيعية لها، توافق المجموع ضمن تعاقد اجتماعي حقيقي وعقلاني، أنه بات لزاما تجاوز مرحلة التقسيمات الاجتماعية بكافة صورها، بل واعتبار هذه التقسيمات أو حتى الدعوة إليها والإشارة إليها على نحو ايجابي أو محاولة إحيائها من جديد هو عمل جرمي يُعاقب عليه فاعله، وبرزت عناصر جديدة أخذت بها الدولة الحديثة في عملية تقييمها للإنسان المواطن، ولم تعد كما في السابق مقومات مثل المذهبية أو الأصل العرقي أو مكان الولادة مجالات التقييم أو الفرز المجتمعي، وإنما غدت مقومات أكثر واقعية هي محل توافق وإجماع الكل مثل إمكانات الفرد وإمكاناته وقدراته ومدى النفع والخير الذي يمكن أن يقدمه للمجموع، وعلى هذا الأساس انطلقت المجتمعات المتحضرة تخطط لحاضرها ومستقبلها، وعلاقاتها فيما بينها بالحد الأدنى، وإن لم ينسحب هذا الأصل في النظرة المتقدمة والمتحضرة مع نظرة هذه الثقافة للثقافات الأخرى.

أما بخصوص التجربة العربية الحديثة في هذا المجال، وبالرغم من كافة التأكيدات والتعهدات التي كانت الدول الغربية تتلقاها من رموز وشخصيات عربية إبان وبعيد فترة الانسلاخ عن الدولة العثمانية، ولا زالت هذه التأكيدات والإصرار عليها تصدر من كافة أرجاء الوطن العربي في خطابه للعالم الغربي، والمتضمنة بث رسائل تطمينية أن المواطنين بمختلف اتجاهاتهم السياسية والدينية يعاملون على نحو متساو وأن الجميع يشارك في عملية التنمية والتقدم، بالرغم من هذا الزخم والسيل المتواصل من   الشعارات والكليشهات العريضة، إلا أن حال التجربة السياسية لغالبية الدول العربية في أساليب تعاملها مع الاثنيات منذ أكثر من مائة عام والى اليوم ينطق بخلاف ما جرى التصريح به وإطلاق وعود بشأنه، بل إن واقع التجربة التاريخية والمعاصرة يشير على نحو أكيد إلى أن النهج المعتمد لدى العدد الأوفر من السياسات العربية هو الإبقاء على الفروق الاجتماعية بناء على تقسيمات طائفية ومذهبية على النحو الذي كانت عليه مذ عهود قديمة، ليس ذلك فحسب إنما يكشف واقع الممارسة السياسية أن هناك سعيا في أكثر من مكان إلى تحقيق مزيد من الانقسامات الطائفية والتشرذم المذهبي.

كافة الدساتير العربية وأنظمتها وقوانينها الأساسية تؤكد وبصيغ تكاد تكون متطابقة على فكرة أن المواطنين بكافة انتماءاتهم الدينية أو المذهبية هم أمام القانون سواء، إلا أن واقع التجربة يوضح حقيقة أكيدة وهي أن قلة من الدول العربية تعمل على تطبيق منطوق هذه المادة الدستورية، ولا أدل على ذلك الفشل، أو الإفشال المقصود من هذه الظاهرة التي تجتاح عددا لا بأس به من الدول العربية التي باتت مهددة بالانقسام والصدام الطائفي، لسبب بسيط هو أن هذه السلطات لم تخلق روحا وطنية جامعة لدى شعوبها، وإنما سعت إلى تعميق علامات التفاوت والتنافر، وغذت بشكل منهجي أوهام المشاعر الدينية والطائفية المشحونة بالكراهية ورفض الآخر وعدم التسامح معه.

كافة أشكال الحكم القديمة التي مارست سلطتها لفترات طويلة وفقا لمفهوم عصبوي لمذهب أو عرق وضبطت حركة السياسة والاقتصاد وفقا لمصالحها، لم تتمكن في النهاية من التسليم أمام حقائق التغيرات والتبدلات الاجتماعية والسياسية المفاجئة. حقائق برزت على نحو غير متوقع كانت صادمة للأقلية المتحكمة باعتبارها ممثلة للأغلبية، حقائق أذهلتهم ولم يعد بمقدورهم في نهاية المطاف سوى التسليم والاعتراف بهذه اليقظة التي عبر عنها مؤسس علم الاجتماع فرويد من خلال معالجته لإحدى  حقائق وثوابت علم النفس، التي يمكن أن تنسحب خلاصتها ليس على الأفراد فحسب وإنما على المجتمعات وبالتالي على مجمل حركة التاريخ. نبّه فرويد لحقيقة أن كل ما كُبت على مدار التاريخ سوف يستيقظ يوما ما، وأنه في لحظة ما سوف يستيقظ من تعزّز بداخله وتملكه إحساس الظلم والتهميش وأن حركة الاستيقاظ هذه لن تكون هادئة ووديعة، وإنما هي أشبه بيقظة البركان الهامد. وعليه فان التحليل المحايد والهادئ يرفض فكرة إلقاء تبعات حركة التململ الطائفي التي تشهدها أكثر من دولة عربية والمطالبة بالحقوق والمساواة والمشاركة في صنع القرار، باعتبار أن المحرك وعنصر التحريض على هذا التحرك هو الاستعمار الغربي في القرن الماضي، أو التدخل الأمريكي والامبريالي في المنطقة هذه الآونة، باعتبار أن هذه لقوى جهدت ولا زالت في سبيل خلق بلبلة وإثارة الفتن داخل المجتمعات العربية. قد يكون هذا صحيحا على نحو جزئي باعتبار أن القوى الخارجية ساهمت إلى حد ما في تحرير الطاقات والرغبات المكبوتة لدى هذه الشرائح الواسعة من عموم المكون العربي، وتحفيزها على المطالبة بحقوقها ونزعها ولو بالقوة، إلا أن للمشكلة جذورها العميقة في التاريخ لم يرتق العقل العربي إلى هذه اللحظة لمستوى مواجهتها ومراجعتها، ولا زال هذا العقل يتهرب من هذا الاستحقاق على هذا الصعيد، ولا زال مصمما، كعادته، على إلقاء التبعات والمسؤوليات وشرور الأعمال والنتائج على الغير.

كان الأغلبية الكاثوليكية في فرنسا فترة القرون الوسطى يعتبرون البرتستانت المقيمين في فرنسا كفرة ومارقين، وخارجين عن خط المسيحية الصحيح، وبالمثل كان البروتستانت يتعاملون باستعلاء وازدراء مع الكاثوليك المقيمين ببريطانيا، ونشبت بين الطرفين حروبا واقتتالات دامية استمرت عشرات السنين، ولم يتوقف النزف إلا بعد مناشدة المفكرين والعقلاء من السياسيين ضرورة توحيد الوعي المسيحي على اختلاف مكوناته، والقفز ع الاختلافات الدينية وعدم إثارتها على أي نحو وفي أي مكان، ابتداء من البيت مرورا بالشارع وانتهاء بمواقع العمل أو الدراسة، وواقعنا في العالم العربي اليوم شبيه إلى حد بعيد بواقع أوروبا قبل أربعمائة سنة أو أكثر، إلا أن الفارق الجوهري بين واقعنا العربي والتجربة الغربية في هذا المجال يكمن في التعاطي مع هذه المعضلة الكبيرة، ولا زالت التجارب الوطنية التي حققت نجاحات على هذا الصعيد    قليلة ولا يكاد عددها يتجاوز أصابع اليد الواحدة، عبر اعتماد وإقرار نهج معلن ومعمم وحقيقي لا لبس فيه ولا غموض، نهج  أسس لتربية وطنية غدا بمقدورها استيعاب كافة المتناقضات والمتعارضات الثقافية، ونجاح هذه التجربة في موطن عربي أو أكثر يؤكد صوابية هذا النهج وإمكانية تعميمه بأنحاء مختلفة وتحديدا أماكن الغليان والتفجر الطائفي أو العرقي.

كل ما نحن بحاجة إليه اليوم ليس أكثر من تشخيص الواقع وتحليله وتفكيك القضايا التاريخية العالقة تمهيدا لازالتها، وليس القفز عن المشكلة بدلا من مواجهتها، وبذل جهد سياسي حقيقي ومخلص في سبيل إزالة الجدران العازلة بين المكونات المجتمعية، عندئذ فقط يمكننا القول إن الدولة لعربية أخذت بالتشكل على نحو الدولة الحديثة المعاصرة

0 1482 26 أكتوبر, 2016 الثامن والسبعون, ثقافة وفكر أكتوبر 26, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.