حرائق “اسرائيل” ..سوء التفسير في ظل غيبة الوعي

لـ

هناك غزارة في الإنتاج المعرفي من حيث التنظيرات والشروحات التي تتناول وبأساليب تفصيلية أوجه التطور الثقافية والسلوكية ذات الصلة بالمجتمعات العربية، نلمس هذه الغزارة من خلال نشر سلسلة كبيرة من الدراسات المتخصصة في سوسيولوجيا الإنسان العربي، وكذا من خلال هذا التكثيف الإعلامي في الشرح للمسألة والتي تشير بمجملها إلى مواطن التغير التي لامست التكوين المجتمعي العربي وطرق تفكيره، سلبا أو إيجابا. إنه جهد معرفي يستحق الجاد منه التقدير والثناء بغض النظر عن الاستخلاصات التي خرج بها، والأفكار التي تبناها وسعى إلى نشرها، وهي في الغالب تشير إلى تطورات ايجابية كثيرة تحققت على مستوى سوسيولوجيا الجمهور العربي والقفزات التي أنجزها في هذا المجال.

 

الكلام المنشور في هذا الإطار، وإن صدر عن أساتذة متخصصين، وأحيانا سياسيين أو رجال دين، الا أنه، وعلى الأقل من وجهة نظر مغايرة، ليس سوى حالة ادعاء مضللة ومحاولة تزييف لواقع مرتبط بأماط التفكير السائدة في مجمل الوسط العربي، ووجهة النظر هذه، وفقا للعديد من التحليلات والشواهد العيانية تشير وعلى نحو حاسم إلى أن جوهر الإنسان العربي هذه الأيام وهو يفتتح القرن الحادي والعشرين، هو ذاته الإنسان  الذي افتتح القرن العشرين، وأن التغير الحقيقي يمس الشكل أما الجوهر والمضمون فهو هو والى درجة لا بأس بها.

 

هذا التعارض الحاد في الاستنتاج لذات المسألة استحضره الذهن على نحو مباشر أثناء الحريق الكبير الذي التهم مؤخرا مساحات واسعة من “إسرائيل”، والذي جاراه على التوازي نشوب حرائق كلامية عبر كافة وسائل التواصل الاجتماعي في الوسط العربي، ناهيك عن الأحاديث الحماسية للناس في جلساتهم ولقاءاتهم، والتي تمحورت كلها حول نقطة واحدة، أن غضبا سماويا قد حل بإسرائيل بسبب سياستها وممارسات الغطرسة والتعالي التي ينتهجها هذا الكيان تجاه الإنسان الفلسطيني وأثر هذه السياسة في مجمل المحيط العربي، إضافة للعداء المستحكم في هذه السياسة للإسلام والمسلمين، والتي كان آخر مظاهرها محاولة فرض قرار يقضي  بحظر رفع الأذان من على مآذن المساجد في القدس، وأنه نتيجة هذا التوجه جاء العقاب الإلهي بحرق مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن هذا العقاب ليس سوى اشارة سماوية باقتراب ساعة انهيار وسقوط الخصم.

 

التمني، رفض الواقع، إنكار المشكلة، عاطفية الطرح، كلها سمات لازمت أسلوب التعاطي الفكري للإنسان العربي في القرن الفائت، إلا أن هناك سمة إضافية بالغة الأهمية إن لم تتفوق على سابقاتها كانت ولا زالت حاضرة في صميم هذا النمط في التفكير، إنها المرتبطة بهذا الإحساس العميق والواثق بدنو انهيار عموم الحضارة الغربية وكل من اتخذ موقفا يغاير في توجهاته أحلام وتطلعات المواطن العربي أو المسلم بأي مجال من المجالات ، السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية… والملاحظة الكبرى أنه وعلى امتداد القرن الماضي فان الغالبية العظمى من الذين أسهموا في صياغة هذا النمط من الخطاب الديني، وبدرجة أقل نسبيا، الذين اعتنقوا الفكر القومي، كلا المدرستين لم تنفكا في الترويج، بل والتبشير بسقوط وانهيار الأعداء والخصوم، ودنو اللحظة التي تمكّن العرب أو المسلمين للنهوض من جديد بدورهم الحضاري. والنقطة الحاسمة في هذا التوجه المعرفي كان يركز على فكرة أن هذا الانهيار سيكون من داخل هذه المنظومات المعادية، باعتبارها كيانات غير طبيعية وقابلة للسقوط والانهيار من داخلها، وأن الأدوار الخارجية يبقى دورها هامشيا ومحدودا.

 

هذه الطروحات التي كانت تنتشر على نحو مقبول ومستساغ لدى الجمهور العربي عززت بداخله ومنذ صلته بالعالم الغربي والجسم الإسرائيلي بعد زراعته في قلب الاقليم الأوسطي، أي قرابة من مائة عام، لا زال بانتظار تدخل الغيب في اللحظة المناسبة وبصورة منحازة وحاسمة لتنهي كافة أوجه المعاناة التي تعترض حياتنا، تدخل يدمر أعداءنا من داخل كياناتهم السياسية، الحقيقية أو المصطنعة. مارست الشعوب العربية هذا الاحساس الواهم في اللحظات التاريخية الكبرى والصغرى من الصراع ولا زالت تمارسه إلى اليوم.

 

بجهد علمي باحث عن جذر أصل هذه الفكرة وتبلورها على النحو الذي عليه في الفترة المعاصرة، من خلال هذا الجهد يمكن لنا الوقوف على الأصول النظرية لهذه الفكرة، وهذا بالطبع يستدعي التوجه إلى المدارس الدينية المؤثرة في المنطقة والتي سعت إلى نشر وإشاعة هذه الفكرة على نطاق واسع، فنجد آثارا وإفاضة في هذا المجال في الحركة الوهابية ابتداء، التي تنامى دورها مطلع القرن العشرين، وكذلك  في حركة الأخوان المسلمين التي تشكلت في الربع الأول من القرن ذاته. فقرات طويلة تتسم بالوضوح والمباشرة تضمنها خطاب الحركتين تجاه تعزيز فكرة دنو انهيار الخصوم والمنافسين اضافة الى الحلفاء الذين يدورون في هذا الفلك، وأن العالم سيشهد صعود القوة الإسلامية على نحو مباشر من هذا السقوط، وكلتا الحركتين أكدتا على مسألة أن انهيار هذه الحضارة، إنما سيكون من داخلها، نتيجة غضب الله وسخطه لتحلل هذه الحضارة وتهتكها الأخلاقي، ناهيك عن ظلمها واستبدادها الكوني، الأمر الذي يجعل الفرصة مهيأة تماما لصعود إسلامي يحكم العالم بالعدل والأخلاق من جديد. وبذلت كلتا المدرستين كافة جهدها المؤثر في سبيل ترسيخ هذه الفكرة بذهن الأتباع والمريدين. والمفارقة الغريبة أن لكلتا الحركتين اتصالات سرية وثيقة، وأوجه تعاون مباشرة وغير مباشرة مع ذات القوى التي بشرت بسقوطها، وأن هاك توافقا على الخطوط العريضة للسياسات في المنطقة، وهي اتصالات يمكن لمن شاء الوقوف على تفاصيلها مراجعة أرشيف الوثائق البريطانية لتلك الفترة.

 

في عام 1947 وجه المرشد العام لحركة الأخوان المسلمين ومؤسسها، حسن البنا، رسالة إلى الملك فاروق تحت عنوان “نحو النور”، ومقصد الرسالة التي تكاد تقارب بعدد صفحاتها كتيبا صغيرا، تنبيه مقام الملك وتوجيهه في سبيل إقامة الحكم الصالح، كما وبينت الرسالة للملك المنهج السليم والصحيح في سياسته المحلية والدولية، وسلطت الضوء كذلك على واقع المدنية الغربية :” التي زهت بجمالها العلمي حينا من الدهر، وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم لدوله وأممه، تفلس الآن وتنتحر، وتدك أصولها وتنهدم نظمها وقواعدها”، ويمضي البنا مفصلا بالحديث عن أوجه انهيار الغرب بعموميته ويبشر باقتراب هذا السقوط، وفقا للرسالة المذكورة. وكان كلما تعمق المأزق الحضاري، كان المنظرون العرب والمسلمون، يغالون في لاواقعية الطرح، على النحو الذي أطر له منظر الحركة الإسلامية سيد قطب، الذي اتسمت أفكاره بحالة من التضخم الوهمي عندما قفز عن فكرة اللحاق بالغرب وسائر الدول المتقدمة، من خلال دعوته إلى فكرة قيادة البشرية والمجتمع الدولي. بمعنى أن مسألة مشاركة الدول المتقدمة كانت مرفوضة، وليس سوى القيادة العالمية انسجاما مع مقولة الشاعر العربي:

 

ونحن أُناس لا توسط بيننا     لنا الصدر دون العالمين أو القبر

 

هذه الآلية في تفسير المعطى السياسي والاجتماعي والثقافي لا زال حاضرا وبقوة حتى يومنا هذا، اقتراب لحظة السقوط من خلال التقاط أي حدث بغض النظر عن أهميته أو شروط تحققه أو حتى ظروفه المحيطة، حتى وان كان هذا الحدث مظهرا طبيعيا أو مسألة عادية تتعرض لها كافة الدول أو الكيانات، الا أن التفسيرات تتجه على نحو مباشر باعتبار هذا الحدث الطبيعي إشارة باقتراب ساعة السقوط. وبالرغم من تكذيب الواقع ونتائج الأحداث لكافة الأمنيات التي سوغها ما يمكن تسميته بـ ” غيبوبة الوعي” إلا أن العقل العربي ومع خروجه خاسرا من كل رهان لا زال مصمما على مسألة أن يحقق نصرا من دون معارك، أو أن يكسب مكانة دونما جهد حقيقي يفضي إلى هذه النتيجة رغم خساراته وخيباته المتتالية، ولا  زال إلى اليوم متمسكا بذات الآلية العتيقة في التفكير والنظر إلى المسائل الحداثية بالغة الخطورة.

 

مسألة ذات صلة بالموضوع تقتضي الإشارة أن هناك من داخل الجسم العربي من يعتاش على غيبوبة الوعي والتفكير بلاعقلانية، بل ويسعى هذا الفريق  إلى تعميق الأزمة وتعزيز هذا النمط في التفكير، والمقصود هنا بشكل أكثر تحديدا: السياسي ونسبة غير قليلة ممن يسمون أنفسهم  بـ “الدعاة”، الذين يمارسون تأثيرهم من مواقع الحداثة من أجل تعزيز التفسيرات الخاطئة باعتبارهم يعتاشون ليس فقط من خلال تنظيم وإدارة العداوات المذهبية والطائفية، بل هم حريصون كذلك على  التجهيل وتعميم منهجية سؤ التفسير. أما السياسي فان أداءه الأحادي ينتعش ويزدهر في حال غياب الوعي، كما أنه يكسب نقاطا إضافية من قبل الدول المانحة والمهيمنة عالميا، باعتباره مسؤولا عن تهيئة وتنمية شعوب لا زالت تلجأ الى أساليب مغرقة في القدم من خلال الأخذ والتمسك بتفسيرات منسلخة بالكامل عن الواقع وحتى عن القوانين الطبيعية الناظمة لحركة الكون والتاريخ والشعوب، والأهم حركة النهضة واشتراطاتها، جماهير وفقا لهذه النظرة لا زالت تفكر بطرق وأساليب   بدائية، فيما يكسب السياسي التعاطف والاعجاب بعبقريته وتقديرا لتضحياته في سبيل تمدّن محيطه رغم أنه من الناحية الواقعية الأحرص على ديمومة وإطالة أمد حالة الغيبوبة هذه.

0 2152 26 نوفمبر, 2016 التاسع والسبعون, سياسة نوفمبر 26, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.