هدايا بنت البلدان

لـ

تنشر الفلقُ النصوص الفائزة في الملتقى الأدبي والفني الثاني والعشرين الذي أقيم في ولاية البريمي من ٢٠ وحتّى ٢٢ نوفمبر ٢٠١٦. وبالأسفل نورد القصة الفائزة بالمركز الخامس مناصفة للقاصّ حمد بن عبدالله المخيني.

ضحكت زوينة ساخرة رغم حزنها حين بدأت تجمع بعضًا من حاجيّاتها في حقيبة مهترئة استعدادًا للرحيل؛ فقد ربطت الأمر بعادتها اليومية في جمع قمامة البيت. وحين وقفت تنتظر سيارة أخيها أمام منزلهم الشعبي في إحدى القرى البعيدة عن مسقط بعدًا كافيًا للعيش على قدر عال من البساطة، تخيلت عبثًا أنها تنتظر فرسًا أبيضًا يجر عربة نحو جزيرة الأحلام كما في المشاهد التلفزيونية العابرة التي تلتقطها فيما تفصل حبات العدس الفاسدة عن الجيدة أو تخيّط كمة. سقطت دمعة حارقة على خد زوينة حين تذكرت كيف ودعتها أمها بجفاء مانعة إياها عن تقبيل يدها، قائلة وهي تصد وجهها:” انتبهي على نفسك!”

الآن تغادر زوينة إلى مسقط

منكمشة على تساؤلاتها مثل دودة. تتساءل عن سبب هذا النفي القاسي؛ فهي لم تفارق القرية أكثر عن ثلاثة أيام منذ أن وُلِدت قبل تسعة وعشرين عامًا. ماذا فعلت ليحدث كل هذا؟ تريد إجابة لكنها حين تتأمل الطريق الممتد تدرك أنها تسير نحو مكان اختير لها بعناية. كلما ابتعدت، ضاق صدرها الشفيف نتيجة الفقد الذي بدا أبديًا، واتسعت مخيلتها التي اعتادت التسلّي بها، بفعل ما تراه حولها من صور ومشاهد جديدة. وحين دخلت شقة أخيها في الطابق السابع في إحدى العمارات في منطقة الخوض، تخيلت أنها منشورة مثل ثوب تقليدي شاحب يتأرجح على حبل غسيل متآكل؛ لذا بقيت لساعات تتحمل حالات الدوار الفجائية عاقدة حجابًا حول جبهتها، ولم تتهاون عن ربط مزالج نوافذ الغرفة المعلّقة، بسلك ثخين؛ فقد تموت في أية لحظة بضربةٍ واحدةٍ من منقار صقر جارح شاهدته يحلّق عاليًا بترصدٍ.

الشقة هذه غير مريحة بالنسبة لها؛ لأنها مرتفعة ولأن زوجة أخيها المتحضرة التي ترتدي الجينزات الضيقة والقمصان الغريبة، سليطة اللسان وحادة الطّبع، فعندما عادت إلى البيت وشاهدت زوينة تجلس بخجل على الكنبة الجلدية السوداء لم ترحب بها؛ بل رمقتها ببغض من الأعلى للأسفل ثم فحّت للزوج:” لن أحتمل أختك.” أجاب فيما ينظر نحو أخته المنشغلة في قضم أظافرها:”ستقضي طيلة اليوم في محل الهدايا أسفل العمارة. ينتعش مشروعنا قريبًا؛ فنستجلب عاملًا فلبّينيًا.”

وفي أول زيارة لمكان عملها وقبل أن يضيء أخوها النور في المحل -الذي تفوح منه رائحة خانقة تصدر من أكياس وبضائع جديدة ممتزجة مع رائحة غير مركزة لورود طبيعية- تخيلت الفتاة أنها تدخل مخزنًا للتبضع يشبه المجمعات التجارية الكبيرة التي تزورها بين سنة وأخرى كلما قدمت إلى مسقط ثم تخرج منها بعطر مقلد رخيص تعشق رائحته وتستعمله في المناسبات المهمة. وعندما سكب الضوء ألقه على المكان تخيلت للحظة انسكاب القهوة على الفنجان في القرية كل عصر حيث يجتمعن النسوة ليتكلمن في أمور لا معنى لها، منها تعاسة حظ زوينة وتأخرها في الزواج بعكس قريناتها. لكن الأشياء المتناثرة في المحل بعناية شتتت تلك الصورة من مخيلتها وتركتها غارقة فيما تراه أمامها. يا إلهي! أَكلُّ هذا تحت تصرفها؟ عطور، دمى وقلوب، ورود طبيعية، ساعات أنيقة، تماثيل وبطاقات زاهية؟ تيقنت زوينة من أمرين: الأول أن لعبة التخيلات ستصبح أكثر إمتاعًا، والثاني أنها ستجيد هذا العمل. هي الآن في مكانها؛ فهي تمتلك شغفًا كبيرًا بالهدايا رغم أنها لم تتلق في حياتها سوى هدية واحدة من صديقة لها في مرحلة الإعدادية، (ألا يُوْلد الشغف من رحم الحرمان؟) كانت عبارة عن ورقة منزوعة من دفتر مدرسي، رُسِمت فيها ورود وكُتِب عليها بقلم لمّاع وخط سيء:” أكتب لكي بالمقلوب ليدوم الحب في القلوب، أكتب لكي بالأحمر علامة الحب الأكبر. مخلصتك/ عدوّة الفراق.” لقد فارقتها الصديقة بنهاية العام الدراسي لكن زوينة متأكدة أنها لو واصلت دراسة المرحلة الثانوية عوضًا عن الجلوس في البيت لحصلت على هدايا كثيرة.

كانت الأيام الأولى لزوينة في المحل مُحبِطة حيث أن البيع ضعيف ومن يدخل يتفحص المعروضات ثم يغادر دون أن يشتري، وهي تحاول أن تبدو متمرسة؛ فقد اكتسبت خبرة من بيع البخور والمشغولات السعفية ببسطة أمها في سوق الجمعة. تبدأ زوينة في تقديم الإقتراحات عن نوعية الهدايا المناسبة وفي الأغلب ينتبه الزبائن القليلون إلى تواضعها؛ فهي برأيهم لا تبدو مناسبة لهذا العمل بمظهرها الخارجي الخالي من الأناقة، كما أنها تصف الهدايا التي تتعدى قيمتها العشرة ريالات بالمكلفة. أجابها أحد الزبائن والحرج يأكله:” لا بأس. الغالي للغالي!” ردت بلكنة بدت غريبة على مسمع الزبون: “بو يحبك ما يبغالك الخساير والدنيا تو نار!” وحين لمحت علامات الاستخفاف في وجهه، ارتأت أن تُظهِر حرفيتها مستعملة أسلوب أمها في ضرب الأمثال مع القليل من بهارات الثقافة التي استخلصتها من مجلات زوجة أخيها المتناثرة في الشقة فقالت:” خبيء شبيْعاتك لجويعاتك. أحلام استغانمي حتى مرة كتبت: الهدية بِكَدْرِ ما يَبذِلُ فيها المرءُ من نفسِهِ، لا بكَدْر ما يُنفِكُ فيها من مالِه.” و لم يفكر الزبون في كلامها الحكيم بل انسحب من المكان محافظًا على ابتسامته وظل يفكر فقط في الطريقة التي تلفظ بها هذه البائعة حرف القاف!

وبعد عدة أشهر قابلت خلالها نماذجًا مختلفة من الزبائن، وفي الساعات الطويلة التي تقضيها في المحل، تسلي زوينة نفسها بعادة التخيل. فمرةً، تخيلت نفسها صغيرة جدًا مثل السيدة ملعقة حين رمت إحدى الزبونات باقة الورد عرض الحائط؛ لأنها غاضبة من بطء التنفيذ، سوء تنسيق الباقة، وكتابة زوينة إسم المُهدَى إليه بشكل إملائي خاطيء، حيث كتبت:” الى حبيبي/ مورتظا” ولم تكن ملامة فهي للمرة الأولى تتعامل مع إسم كهذا. وحين تفكر زوينة بالوحدة تتخيل نفسها سمرة جافة تقف وحيدة محنية الجذع في الطريق المؤدي من قريتها إلى مسقط. وتتساءل زوينة وتتخيل الأسئلة تغلي في صدرها، لمن يشتري هذا الرجل المسن ذو الشعر الأبيض والمظهر الأنيق هدية ثمينة وباقة ورد حمراء؟ بينما مسن آخر من قريتها:” يكوم من الفجر يصلي في كرسي، يتكهوى ويلف على الغرف يتكمكم ويسكر المكيفات.” ولم تتوقع زوينة أن تذهب بها خيالاتها بعيدًا إلى حد أن تتأمل الشعيرات النافرة من يد شاب أثناء دفعه الحساب، فقد تخيلتها خيوطًا سوداء ناعمة، تلعقها بطرف لسانها، ثم تشكها في خرم إبرة وتغرزها في قماش الكمة الأبيض. لم تستفق إلا حين طلب منها الشاب إعادة الباقي من نقوده! وبعد مغادرته، لطمت زوينة رأسها كي تنقشع تلك الغيمة السامة عن دماغها. أيعقل؟ بدت غبية جدًا وخائنة؛ لا يمكن أن تفرط بثقة أخيها! لكنها فكرت مجددًا، لو أن تلك الغيمة في سقف غرفة موصدة وحدث أن أمطرت ماءً عذبًا لترقص هي تحتها مثل طفلة نزقة، هل كان ليكتشف أخوها أمرها؟ مهلًا، هي تعرف جيدًا، يمكن لأي أحد أن يقرأ صمتها بطرف عينيه فهي فتاة أسرارها أسماكًا نافقة على سطح بحر. غازلها ابن الجيران مرةً وهو يصعد سيارته فيما تنشر هي الغسيل على السطح، ابتسمت له، أحست بشيء ما في قلبها، شيء يشبه نفضها لغطاء نومها كل ليلة، أو تفتح ريحاناتها المزروعة عند مدخل المنزل. تشقلبت بهجةً ومن ثم تسائلت إذا ما أمكن أن يموت الإنسان من فرط السعادة؟ نزلت تعاون أمها التي ما إن وقعت عينيها على وجه زوينة حتى اقتربت تتفحصها، ارتعدت الأم كما لو أن مصيبة وقعت على رأسها، ثم أحكمت لف حجاب ابنتها بشدة حتى كادت تختنق! في اليوم التالي سلمتها حقيبة وقالت عابسة:” ستعيشين مع أخيك في مسقط. لملمي ثيابك!”

لقد انطفأ شغف زوينة الذي كانت تعول عليه وبات العمل متعبًا ومؤلمًا. يحترق فؤادها الآن وهي تقارن نفسها بمتلقِّيات الهدايا، أخت من أخ، ابنة من أب، زوجة من زوج، فيما لم تحصل هي على هدية واحدة… واحدة فقط! لكن هل حصولها على الهدية سيغير شيئا؟ استطاعت أن تجمع مبلغا لتهدي نفسها بروازا أنيقا-ستضع فيه صورة تجمعها ووالديها مع المعزة الرضيعة في درس الغنم- لكنها لم تشعر بالنشوة وأحست أن البرواز في الغرفة المعلقة لا يختلف في شيء عن بقية أثاث أخيها وزوجته، وحين رأته بعد ذلك موضوعًا في ركن الصالة يحيط بصورة زوجة أخيها- وهي تستلم شهادة تقدير وتبدو مثل مسؤولة رفيعة المقام-صمتت ولم تعترض.

وتكلّم زوينة الجمادات المصفوفة على أرفف المحل. تواسيها وردة صفراء بصوت ناعم:” الأهم من حصولنا على هدية، هو الشخص الذي يهدينا إياها.” تقف يائسة أمام العروسين اللذين يرقصان حول كعكة وتقول:” فاكد الشيء لا يعطيه! ما بكمّل الشغل.” فيجيبانها:” نحن نرقص رقصة مملة على موسيقى واحدة، ورغم ذلك نهب الأزواج لحظات عديدة “.وتحتضن الدب البني الذي يحمل قلبًا أحمرًا وتتنهد فتسمع صوته الغليظ يقول: “ليست لدي قوة الروح، لكن يمكنني وهبَ الحب والأمان لفتاة عاشقة.” تبكي حسرة وتقول أنها تعبت وما عادت تحتمل كل هذه الغربة، هذه الوحدة، وهذا الخوف. أدركت أنها ليست في مكانها. جربت أن تتخيل نفسها شيئا ما في غير مكانه ولم تستطع. لقد بدأت خيالاتها تخفت في ضجيج المدينة الهادر وهي تشعر بالخطر والتهديد هنا فهي ابنة الطين والفلج والمزرعة. لن تصمت، يجب أن تفعل شيئا!

بعد أن أغلقت المحل ليلًا، أطلقت

خطواتها بإتجاه الشقة لكنها لم تكن لوحدها هذه المرة. إنها تمتلك قرارها ولطالما تساءلت كيف يكون هذا الشعور. راقبت بسعادة ثقة مشيتها وانتصاب أرنبة أنفها وقررت أنها لن تستعمل المصعد لتصل للشقة في الطابق السابع بل ستصعد السلالم. لعبة سخيفة مع القدر. سُلّمة تقول: ابقي والتالية تقول:عودي، ليكون القرار الحاسم للسُلّمة الأخيرة التي لم تتمكن زوينة من سماع ما قالته فقد انشغلت في التقاط أنفاسها المختنقة. ولما واجهت أخيها لتعلمه عن قرارها بالعودة إلى القرية، قاومت رجف قدميها وابتلعت ريقها وهي تتلقى جوابه المقتضب:”ادخلي غرفتك و نامي.”

لكنها لم تنم. وبصعوبة تمكنت أن

تتخيل نفسها سمكة جامدة بعينين مفتوحتين على اتساعهما في حوض بارد ومظلم. حتى إذا رمت الشمس شباكها على الكون، تسللت زوينة من باب الشقة لتبتلع طُعم الضوء وتسير حاملة حقيبتها المهترئة نحو أقرب محطة نقل وطني.

***

في يوم تسليم مهرها في القرية الوديعة، محفوفة بحنان أبيها ورضا أمها، شعرت زوينة بالنصر العظيم وهي تمزق أغلفة هداياها المتواضعة بجوع ونهم غريبين. وببساطة بنت بلدان، فكرت في الحياة التي تنتظرها بعد ذلك…

تمت

0 1474 28 ديسمبر, 2016 أدب, التاسع والسبعون ديسمبر 28, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.