قيد

كتب بواسطة حسام المسكري

تنشر الفلقُ النصوص الفائزة في الملتقى الأدبي والفني الثاني والعشرين الذي أقيم في ولاية البريمي من ٢٠ وحتّى ٢٢ نوفمبر ٢٠١٦. وبالأسفل نورد القصة الفائزة بالمركز الرّابع مناصفة للقاص حسام المسكري.

فُوجيءَ برسالتِها : “إذا أردتَ أنْ تراني، تعالَ إلى بيتِنا بعدَ ساعةٍ”، شعرَ لحْظَتَها بكُلِّ شياطينِ العالمِ تركبُ رأسَه، لا يعرفُ كيفَ مرّتِ الساعةُ! لكنّها انقضتْ، وعندما وصلَ وجدَ رجلًا كبيرًا في السنِّ، يُدَخِّنُ أمامَ الباب، الباب الذي عبرَ أمامَه مراتٍ كثيرةٍ؛ علّه يلمحُها ولو لمرةٍ واحدة، ” لا بدَّ منْ أنهُ والدُها”.

نظرَ الرجلُ نحوَ الفتى مُتَفحِّصًا، “من الواضحِ أنهُ حلقَ لحيتَه قبلَ قليل، ودشداشته الملونةُ مكويةٌ جيدًا وممتلئةٌ بالعطرِ أكثر مما يجب، الارتباكُ واضحٌ عليهِ، لقد نظرَ إلى هاتفهِ أربعَ مراتٍ وهو يقطع خمسةَ أمتار من سيارتهِ إلى الباب، وفي المرة الثالثة كاد يوشك أن يعود إلى الخلف”، أخذَ نفسًا عميقًا من سيجارتهِ ونفثَ الدُّخان ببطء.

.

ليسَ هناكَ أيُّ مجالٍ للتراجعِ، فهو ينتظرُ هذهِ الفرصةَ منذُ ثلاثةِ أشهر، لكنْ عندما وقفَ أمامَ عيني الرجلِ المُتفحصتينِ لمْ يدرِ ماذا يقولُ! لا يمكنني أنْ أقولَ لهُ بأنّي أرغبُ في رؤيةِ ابنتِه، لعنَ اللحظةَ التي وقعَ فيها في هذا الفخّ، أنقذَه الأبُ، وقالَ لهُ دونَ أنْ ينظرَ نحوَهُ: ” لنْ أمنعك من الدخول لكني أحذرك الذي ستفقدُه في الداخلِ لنْ تسترجعَه أبدًا”. رفعَ رأسَه ونظرَ نحوَ الفتى بأسىً وأشارَ لهُ بالدخولِ، ثُمَّ أبعدَ عَينيهِ وأخذَ يتأمّلُ الغروب.

رأتْ أباها وهو يُحدِّثُهُ في الخارج، ابتعدتْ عن النافذة، غطتْ وجههَا وتركتْ شعرها الأسودَ مُنسابًا على كتفها، اتخذتْ قرارها بالأمس، وانتظرتْ إلى أنْ أشعلَ أبوها سيجارته:  ” سيأتي شاب ليراني غدًا، إما أنْ تسمحَ لهُ بالدخولِ، وإما أنْ أمتنعَ عنْ تغطيةِ وجهي بعدَ اليوم”،  ألقتْ بجملتها دفعةً واحدة، الجملةُ التي تدرّبتْ على قولها آلافَ المرات، منتظرةً أنْ تأتيَ الفرصةُ المناسبة.

تجمّدَ الأبُ في مكانهِ، ونظرَ نحوَ ابنتِه بفزع، عرفَ من النظرةِ في عينيها، أنها قدْ اتخذتْ قرارَها ولنْ تتراجعَ عنْهُ، فهي لمْ تَعُدْ تِلكَ الطفلةَ المطيعة. وهو بدأ يشعرُ بالتعب، ولنْ يقدرَ في هذا العُمرِ على مواجهةِ تمرُّدها، أتتِ اللحظةُ التي كان يخشاها أربعةً وعشرين عامًا، وابنته ثقلٌ على كاهِله، لمْ يدّخرْ أيَّ جُهدٍ ليخفيها عنْ أعينِ الناس، والآنَ دونما أيَّ إنذارٍ تتمردُ على كلِّ شيء؟! “منْ هذا الفتى؟” قال متلعثمًا.

عرفَتْ لحظتَها بأنّها كسبت، وأنَّ النَّارَ التي تشتعلُ بداخلِها ستَنْطفىءُ أخيرًا، نظرتْ إلى السيجارةِ التي تحترقُ في يدِ أبيها دونَ أنْ يرفعَها إلى فمِه، ” كنتُ أسيرُ خارجةً منَ المجمعِ التجاريّ أمامَ البوابةِ وهو يتجِهُ إلى الداخل، عندَها رفعَ الهواءُ برقعي فأسدلْتُهُ بسرعة، رفعتُ رأسي فرأيتُه مُتجمدًا في مكانِه، هربتُ مسرعةً وعدتُ إلى المنزلِ وهو يتبعني، بعدَ شهرٍ وجدتُ رسالةً في سيارتي”.

وقفَ أمامَ البابِ مترددًا، مضى أكثرُ منْ ثلاثةِ أشهر منذُ أنْ لَمحهَا أمامَ المجمعِ التجاري، ليسَ مُتأكدًا مِن ما رآه؛ فالأمرُ لمْ يَدُمْ سِوى ثانيةٍ واحدةٍ، الوجهُ الذي رآهُ في تلكَ اللمحةِ الصغيرة، كانَ أجملَ ما رأتْه عيناه، وقبلَ أنْ يستجمعَ حبْلَ أفكارِه وجدَ نفسَه يتبعُها، وعندما دخلتْ منزِلَها بقي عالقًا في مكانه، وبعدها انسحبَ بصمت، عادَ للمنزلِ كالمخمورِ ودخلَ غُرفتَهُ دونَ أن يُحدِّثَ أحدًا، ونامَ كما لمْ ينمْ مِنْ قَبْلُ.

قَبْلَ أنْ تَنامَ أخذتْ تسترجعُ صورةَ الفتى الذي رآها في المجمعِ التجاري، باستثناءِ أبيها هو الوحيدُ الذي رآها منذُ أنْ أتوا مِنْ القرية، لقدْ كانَ وجْهُه شاحِبًا جدًا؛ لا بُدّ مِن أنهُ صُدِم، رغمَ معرفتِها بأنّها مُختلفةٌ عن الآخرين، إلا أنّها لمْ تَتَصورْ بأنْ تكونَ ردةُ فعلِه هكذا! سيكونُ الأمرُ ماتعًا إذا أحبَّها، وَأخذَ يَبْحثُ عَنْها مِثلما يحدُث في التلفاز، ابتسمتْ للفكرةِ التي خطرتْ ببالها، وأخذتْ تُخططُ ما الذي ستفعلُهُ إذا أتى حقًا؟! إلى أن غلبَها النعاسُ ونامتْ.

عندما استيقظَ في اليومِ التالي سألَ نفسَهُ: ” كيفَ أتبعُ فتاةً لا أعرفُها هكذا؟” ضحكَ منْ تَصرُّفِهِ، وقررَ أنْ ينساها، استطاعَ أنْ يُبعدها عنْ تفكيرِهِ طِيلةَ اليوم، إلى أنْ ذهبَ للنومِ، وفي اللحظةِ التي أغلقَ فيها عَينَيْه رآها أمامَه، فتحَ عينيهِ مدهوشًا، عندما اعتقدَ بأنَّ الأمرَ انتهى عادت، لمْ يستطعْ أنْ يُغلقَ عَيْنَيْهِ في تلكَ الليلةِ؛ فقدْ كانتْ تأتي لَهُ فِي كُلِّ مرةٍ يغلقهما فِيها، استمرَّ الأمرُ لعدةِ ليالي وبعْدَها أصبحَ يَراها في النَّهارِ أيضًا، في كلِّ مرةٍ يرمِشُ فيها كانتْ تَظهرُ لَهُ، وفِي ليلةٍ مِن ليالي السهرِ، قررَ أنْ يترُكَ لها رسالةً فِي سيارتها، لمْ يعرفْ ماذا يقول؛ لذا اختصرَ كلَّ شيءٍ فِي جُملةٍ واحدةٍ ” رأيتُكِ في المجمعِ التجاريّ قَبلَ شهرٍ، ولمْ أستطعْ أنْ أنامَ من يَومِها. أحمد مسعود”، وتركَ رقمَ هاتِفَه، استجمعَ كلَّ مهاراتِه في الخَطِّ؛ ليكتبَ تلك الكلماتِ القليلةَ، وزخرفَ اسمَهُ مِثْلَمَا اعتادَ أنْ يفعلَ في الابتدائية، وبعدَ أربعةِ أيام اتصلتْ به، وتوالى الاتصالُ بينهما، إلى أنْ أصبَحا يتحدثانِ يوميًا، نجحَ فِي جَعلها تعترفُ بِحُبِّه، لكنّها لمْ تقبلْ أنْ ترسلَ صُورتَها، كانَ يَحترقُ شوقًا لرؤيةِ وجهها، ليتأكدَ مما رآهُ؛ فالأمرُ لمْ يدمْ سوى ثانيةٍ واحدةٍ عندما ارتفعَ البرقع، وتلكَ الثانيةُ كانتْ أقصرَ مِن أنْ يتأكدَ، لكنّها كانتْ كافيةً لأنْ تجعلهَ يعيشُ في عذابٍ لياليَ طويلةً، يخشى كثيرًا أنْ يكونَ قدْ وقعَ في مكيدةٍ مِنْ نسيجِ مخيلتِه، خلفَ هذا البابِ توجدُ الإجابة، طرقَ البابَ.

-ادخل.

إنها هي، إنهُ الصوتُ الذي كانَ يتحدثُ إليهِ لياليَ طويلةً، أمسكَ مقبضَ الباب، أدارهُ ودخل.

رأى الفتى وهو يختفي خلفَ الباب، أسندَ رأسَه على الجدارِ وأغمضَ عَيْنَيْهِ، لمْ يَعُدْ يَشعرُ برغبةٍ في التدخينِ، كانَ سماحُهُ للفتى بالدخولِ أمرًا مؤلمًا جِدًا، والآنَ بَعدَ أنْ دخلَ لا يَشعرُ بِشيءٍ، لا يعرفُ  لمَ استسلمَ بِكلِّ سهولةٍ؟ كان بإمكانهِ أنْ يرفضَ ويُجبرُها على اتباعِ أوامِرِه لكنّهُ لمْ يفعلْ، اعتقدَ بأنهُ سيستطيعُ أنْ يُخفيَ ابنتَه عنِ العيونِ للأبد، فِي مرحلةٍ ما، أصبح متعبًا من القصةِ كُلِّها ويتمنى أنْ تنتهي، لكنّه كانَ يرفضُ الاعترافَ لنفسِهِ بذلكَ، توفَّتْ زوجتُه وتركتْهَا له، جَعَلَها ترتدي البُرْقعَ في سنٍّ مُبكرة، وغادرَ قريتَهم وأتى إلى مسقطَ حيثُ لا يعرفُهم أحدٌ، وبحثَ عنْ مُديرةٍ تسمحُ لها بتغطيةِ وجهِهَا طوالَ الوقت، لقدْ نفّذتْ كلَّ أوامرِه كأنَّ الأمرَ لا يَعنيها، هدوؤها كانَ يُشعرُهُ بالأمانِ ورؤيتها تملؤه بالسكينة، لكنَّ خوفَهُ منْ أنْ يرى أحدًا ابنَتَهُ كانَ يغلفُ قلبَه ويسيطرُ عَلى كُلِّ تفكيرِه، والآنَ بعدَ أنْ تحقّقتْ أكبرُ مخاوفِهِ ورآها هذا الفتى وأصبحَ بالداخلِ مَعها، لمْ يعُدْ هناكَ مَا يَقلقُ بشأنِه.

كانتْ هناكَ تنتظرُهُ في غُرفةٍ بإضاءةٍ خفيفةٍ، ترتدي الثوبَ الأسودَ المطرزَ بوردٍ ملونٍ، يُخفي بعضَ أجزاءِ جسمها ويلتصقُ ببعضِها الآخر، وشعرُها حرٌّ مِنْ كلِّ القُيود، وغطّتْ وجهَهَا بشالٍ أسود، رأتْهُ وهو يتقدمُ نحوَها بارتباكٍ، ابتسمتْ بداخِلِها، طوالَ حياتِها لمْ تعرفْ أحدًا، غيرَ والدِهِا وبعضَ الأقرباءِ منَ القريةِ ولا تتذكرُهم جيدًا، فهيَ لمْ ترَهم بعدما غادروا، بالنسبةِ لها كانَ التلفازُ يروي كلَّ عطشها للعالمِ الخارجي، إلى أنْ أتى أحمدُ، أسعدَها ارتباكُه وشوقُه لَها، وأشعلَ بداخلِها نارَ لذةٍ لمْ تعرفْها مِن قبلُ، تعرفُ جيدًا  ما الذي تريدُهُ مِنهُ، وتعرفُ بأنه لنْ يرفُضَها، نَظَرتْ في عَيْنَيْهِ وقالتْ له: ” عليكَ أنْ تختارَ ترى وجهي وتتزوجني، أو تنسحبَ وأنا سأنسى كلَّ شيءٍ عنكَ وأتركَكَ لخيالاتِكَ والسهر”.

صَعِقَتْهُ كلماتُها، استرجعَ لحظَتَها كلماتِ أبيها ” الذي ستفقدُه في الداخلِ لنْ تسترجعَهُ أبَدًا” شعرَ بالخوفِ وقررَ أنْ ينساها ولا يعودَ إلى هذا المنزلِ الغريبِ أبدًا، نظرَ نحوَها مُتفحصًا جسدَها بعَينيْه، الشعرُ الطويلُ والرقبةُ البيضاءُ، والصدرُ النافرُ والخصرُ المُمتلئُ، كلُّ شيءٍ يقولُ له، إنه يقفُ أمامَ ملكةٍ مِنْ مَلِكاتِ الجمالِ، لكنْ لا يزالُ الوجهُ مَخفيًا، لا بُدّ لهُ أنْ يَراها قبْلَ أنْ يُغادرَ، قال لنفسه، بأنّ كذبةً صغيرةً لنْ تضرَهُ، وهذهِ ليستْ بالمرةِ الأولى التي يَعدُ فيها فتاةً بالزواج: “سأبقى وأتزوجُك”، أجابَ مرتبكًا، أمسكتْ طرفَ البُرقعِ بيدها اليمنى ورفعتْهُ ببطء، عندما رأى وجهَهَا أدركَ أنّ ما رآهُ في المجمعِ التجاري وعّذبه شهورًا لمْ يكنْ سوى لمحةٍ صغيرةٍ منْ جمالِها، وأنّهُ لنْ يستطيعَ رفضَ طلبَها، أو أيَّ شيءٍ آخرَ تأمرُ به، شعرَ بألمٍ شديدٍ في قلبِه، كأنّ شخصًا ما يقومُ بنحتِه على صورتِها، وضعَ يدَهُ على قلْبِهِ وسمحَ لدموعِه بالنّزولِ.

وفي الخارجِ كانَ الأبُ يمشي مبتعدًا نحوَ الجبالِ، بعدَما تركَ عُلبةَ السجائرِ أمامَ بابَ المنزل.

أدب التاسع والسبعون

عن الكاتب

حسام المسكري

اترك تعليقاً