سُنَنِية رسالة موسى عليه السلام

(عصا موسى) ج1

آيات الرسل ليست مادة للتسلية، هي مادة للتعقل الإنساني بما أضافته إلى الرصيد الإنساني من معارف ساهمت في برئ حياة الناس وتطوير معايشهم، كما هو الحال في بقية آيات الكون كالفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس والسحاب المسخر بين السماء والأرض.

الطريقة التي اعتمدها غالب المفسرين للتعامل مع القرآن هي ربط كلماته بالبيئة الاجتماعية بظرفيتها الزمنية وهي محدودة وضيفة، الطريقة المقترحة عند عدد من الفلاسفة واللسانيين قديماً وحديثاً هي ربط كلمات القرآن واللسان العربي عموماً بالطبيعة وسننها، وهذا يعطي اللسان بقاءه وتجدده، ويتفق تماماً مع عالمية الخطاب القرآني.

-1-

عصا موسى؛ تلك الآية التي عُلِّمنا منذ الصغر في المناهج الدراسية أنها تتحول إلى الزاحف المعروف بالأفعى، بالطبع لم يعلمنا أحد المبدأ الفيزيائي أو الكيمائي الذي يقوم عليه هذا التحول، اكتفاء بإحالة الموضوع برمته إلى قدرة الله التي لا يحدها حد، آيات الرسل كبقية آيات الله لقوم يعقلون، الناس تعقل معناها وطبيعتها من قراءة كتاب الكون (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) النحل:12.

عصا موسى من الآيات (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى، لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) طه:17-23

وعد العصا من الآيات يعني أنها داخلة في دائرة التعقل الإنساني (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، أما نظرية تحولها إلى زاحف (أفعى) فلا أراها مقبولة بأي منطق معرفي إنساني تراكم حتى اليوم، وإن كانت هي النظرية المعتمدة في كتب اللغة والتفسير والفقه.

(قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) لم تحدد الآيات طول العصا ولا سمكها ولا المادة التي صنعت منها، كل ذلك يفتح المجال للبحث في طبيعة العصا.

والسؤال: من أين ابتدأت قصة هذه العصا؟

تبدأ القصة عند رجوع موسى من أرض مدين (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) النمل:8-10.

منشأ العصا من أرض مدين، ولم يكن موسى يعلم بخصائصها، وعندما نودي بأن يلقي عصاه فرآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب، وهذا الاهتزاز في العصا هو من خصائص الحياة فيها، لذا ستوصف في مناسبة قادمة بأنها (حَيَّةٌ تَسْعَى).

تشبيه عصا موسى بالجان هو تشبيه غير مرتبط بعرف اجتماعي، بمعنى أن الجان هنا لا تدل على معنى كائنات ما ورائية ذات طبيعة خارقة، كلمة (جان) لا تخرج عن دلالة الجذر (جن) ومنها (جَنة، جُنة، جِنان، جنات، مجنون،…)، فنقول: وجَن عليه الليل، الصوم جُنة،…وكلها تدور حول ارتباط عنصري: القوة والطاقة.

الجنة الأرضية بستان فيه موارد قوة وطاقة مادية ومعنوية، والصوم جُنة بما يمده للنفس من قوة وطاقة تصون النفس، والمجنون زادت أحمال القوة والطاقة النفسية عليه فأفقدته عقله، فتشبيه عصا موسى بالجان يعني أنها ذات قوة وطاقة كبيرة أخافت موسى الذي لم يعهد مثلها في حياته.

وإذا كنا نقول إن آيات الرسل هي إضافات معرفية معتبرة ونوعية في المعرفة الإنسانية، فما الذي أضافته آية عصا موسى إلى المعرفة والتجربة الإنسانية، وكيف نشأت؟.

-2-

المشهد الثاني في عصا موسى، هو وصفها بـ(حَيَّةٌ تَسْعَى) في الآية (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) طه:17-21.

وقد ذهب التفسير القديم الذي نشأ في عهد الصحابة إلى أن (حية تسعى) هي الأفعى الزاحف المعروف، روى الطبري عن وهب بن منبه قال: (ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى، تهتز لها أنياب وهيئة كما شاء الله أن تكون، فرأى أمرا فظيعاً فولى مدبراً، ولم يعقب فناداه ربه يا موسى أقبل ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى).

وهذا التفسير بحمولته المعرفية الزمنية هو الذي لا يزال يتداوله طلاب المدارس والكليات والجامعات ويخطب به في المنابر، وقد يصل بمن يتساءل عن مدى صوابه إلى الحكم عليه بالكفر والمروق من الدين.

وكون العصا حية تسعى؛ هذا يدل على نشاط متوسع ومتعاظم، وهذا المآل معقول من القرآن:

1. (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) الحديد:20

مظاهر (الْحَيَاةُ الدُّنْيَا): لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، ويلاحظ من مظاهر الحياة الدنيا أنها تشمل: ما له نفس وما ليس له نفس، طالما أنها تنتمي إلى عنصري الاتساع والتعاظم الزمني.

2. (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت:64

الحياة الدنيا وصفت بأنها لعب ولهو، ومفردات الحياة الدنيا التي وصفت بهذا الوصف يشمل ما له نفس وما ليس له نفس.

وبناء على ما تقدم من أن الجذر (حي) دال على نشاط متسع متعاظم؛ يشمل ما له نفس وما ليس له نفس؛ فإن كلمة (حَيَّةٌ) في وصف العصا تدل على نشاط متعاظم لها، وصيرورة عصا موسى حية تسعى يعبر عن اتساع وتعاظم لها بدرجة ما يدوم زمنياً، وهذا الاتساع متدرج في درجته، ولأنها تسعى فهي ذات طبيعة حركية تستمد طاقتها من مصدر كامن فيها.

لذا أرى أن الأقرب إلى الصواب أنها آلة ميكانيكية، ووجود آلات في تلك الأزمنة السحيقة ليس بدعاً من الأمر، القرآن ذكر أن قوم عاد كانوا أهل حضارة متقدمة زمنياً (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) الشعراء:129 متمثلة في مصانع يتخذونها، وهذه الآلات وإن كانت متطورة فهو تطور محكوم بالطبيعة الزمنية، فهي إضافة معرفية كبرى وتطور هام في التفكير الإنساني.

وقد اتهم فرعونُ موسى بالسحر (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) الشعراء:34-35 وهذا شأن الناس من قديم عندما يواجهون العلم وأدواته يواجهونه باتهام السحر.

وعندما تقابل موسى مع السحرة (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الشعراء:44-47، لقفت العصا حبال وعصي السحرة، ولقف عصا موسى الحبال والعصي هو التحام بها ثم ضغط عليها من كل الاتجاهات بما يؤدي إلى تمزيقها أو انحلالها.

الشائع في الجمع (الروائي/اللغوي) أن (حية تسعى) هي الأفعى، الزاحف المعروف، ونسجت حول هذه الفكرة الكثير من القصص والحكايات من تراث ما قبل القرآن، روى الطبري: (عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قيل لموسى ألقها يا موسى ألقاها فإذا هي حية تسعى ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت بشجرة فأكلتها ومرت بصخرة فابتلعتها. قال: فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها. قال: فولى مدبراً. فنودي أن يا موسى خذها. فلم يأخذها. ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف فلم يأخذها. فقيل له في الثالثة إنك من الآمنين فأخذها…

عن السدي قال: قال له يعني لموسى ربه ألقها يا موسى يعني فألقاها فإذا هي حية تسعى. فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب. فنود: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون…

عن وهب بن منبه قال: ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى تهتز لها أنياب وهيئة كما شاء الله أن تكون. فرأى أمراً فظيعاً فولى مدبراً ولم يعقب. فناداه ربه: يا موسى أقبل ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج16 ص156، وصار هذا المعنى هو الراسخ في الثقافة الشعبية.

-3-

المشهد الثالث في قصة عصا موسى؛ وصف العصا بأنها (ثعبان مبين):

(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) الشعراء:32-34

في الجمع اللغوي:

ثعبت الماء أثعبه ثعباً أي فجرته فانثعب، ومنه اشتق المثعب وهو المرزاب.

وانثعب الدم من الأنف.

والثعبان الحية الطويل الضخم ويقال أثعبان.

والثعبة ضرب من الوزغ لا تلقى أبداً إلا فاتحة فاها شبه سام أبرص، غير أنها خضراء الرأس والخلق جاحظة العينين والجميع الثعب.

والثعب الذي يجتمع في مسيل المطر من الغثاء.

وربما قالوا: هذا ماء ثعب، أي جار للواحد، ويُجمع على ثعبان (الخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، مادة “ثعب”)

ما أراه سُننياً في مآلات الجذر (ثعب) أنه يدل على معنى التفكك الذي يتضح ثم ينبثق عياناً، من خلال أمثلة:

– الجرح (يثعب) دماً.

– إطلاق (ثعبان) على الزاحف من الأفاعي؛ لأن جلدها (يثعب) وينسلخ عن جسدها.

– وجاز القول: (ثعب الماء) إذا تفكك من مصدره بوضوح ثم انبثق، والجمع اللغوي لم يجد غضاضة في جمعه على (ثعبان).

وبناء على ما سبق؛ فإن التعاقب (ثعبان) في القرآن يحتمل مآلين:

1. الزاحف المعروف بالأفعى؛ وهذا ما شاع في الجمع الروائي/اللغوي

2. آية من عند الله؛ والآية تشمل مظاهر كونية، وهذه الآية تثعب وتسعى، وتلقف الحبال والعصي، مستمدة ذلك من طاقة كامنة فيها، وفقاً لعلوم ومعارف عُلِّمت لأهل ذلك العصر وهو الغرض من الآية.

والثاني هو المآل الأقرب إلى سُننية القرآن، وهو تتبع لمآل الكلمة من داخلها بما يعقل من طبيعة اللسان، خاصة أنه ارتبط بوصف (حية تسعى) التي وصفت بها العصا، والجذر (حي) عبر به عما له نفس وما ليس له نفس، وحمل كلمة (ثعبان) على الأفعى الزاحفة تحكيم لأعراف الناس على مآلات القرآن.

-4-

مما تفرضه السياقات التاريخية، أن عصا موسى ذات الطبيعة الميكانيكية ليست من صنع موسى (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) النمل:8-10.

فوجئ موسى بالعصا ولم يكن عالماً بطبيعتها وخصائصها، الذي يظهر أن منشأ العصا هي أرض مدين، حيث قضى موسى أجلاً هناك بعد أن تزوج احدى ابنتي الرجل الصالح في مدين، وبعد مغادرته أرض مدين برفقه أهله وفي طريق قدومه إلى (مصر) القرآنية كلمه ربه، وألقى موسى عصاه فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً، كل هذه الشواهد تدل على أن العصا كانت في أرض مدين، وأخذها موسى من هناك، ولعلها كانت من بقايا حضارة متقدمة، وإيتاء موسى الآيات هو من جملة الكتاب ببراهينه التشريعية والكونية  (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) البقرة:53، العصا نتاج حضارة متقدمة صنعتها وأودعت فيها خلاصة معارفها وتجاربها، وهي حضارة مدين، وقد نُسخت عصا موسى من بعد في صورة معرفة استفاد منها الناس في فهم طبائع وخصائص المواد وكيفية توظيفها في نفع الناس.

0 3695 02 يناير, 2017 العدد الثمانون, ثقافة وفكر يناير 2, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.