نبش الذاكرة

لـ

(عمان بين عالمين)

 

يُحييك الروائي والنقابي العُماني البارز أحمد الزبيدي في أول صفحة من عمله الموسوم بـ “نبش الذاكرة، عمان بين عالمين” بعبارة مكسيم غوركي:” جئت لهذا العالم لكي أعترض”.

ثم يفتتح سرده السيري بهذا المشهد السينمائي الدالّ:

“في ربيع 1962م كنت في مزرعة والدي ” بيير عبود السم ” والتي اشتراها والدي حديثا. ومن الواضح إن مؤسس هذه المزرعة يمني “حضرمي” شأنها شأن اغلب المزارع في ظفار, والتي ارتبطت بعرى وثيقة بالوطن اليمني حضرموت.

كنت اعمل في المزرعة. وأدير “وابور” الطحين. واسعد في هذا المكان برؤية الفتيات والنساء يحملن سلال قمحهن لطحنه في ” ماكينتنا العتيدة “.

بعد ذلك بأشهر كان هناك من دس لدى والدي، بأنني استخدم مطحنتنا لمداعبة النساء، وأنني أتساهل في ثمن الطحن إن بادلتني بعض النساء غزلا بغزل.

في الواقع لم يكن مكان الطحن يتسع للإنسان حتى واقفا. وكانت النسوة بائسات. وجائعات. والفتيات ضامرات. وشرسات. ولم أكن اعلم شيئا من أمور الجنس والحب. ربما كانت في هذه المطحنة ثمة ابتسامات. ونظرات طفولية. وبروق تلمع في العيون. وعلى الخدود. ثم تزوي إلى هاوية جحيم المرحلة……..

تم إقصائي عن المطحنة.

وعوقبت بجلدات من عصى غليظة.

بعد ذلك بأيام دلف والدي إلى المزرعة, حيث كنت هناك. أتجه نحوي قائلا :

  • أذاع راديو لندن أن ثمة انقلابا في اليمن. وان الجيش أطاح بالإمام. وان الرئيس “عبدالناصر” قد أعلن تأييده للثورة ….

همت في سهل صلالة حاملا بشارة الثورة لأقراني. وكان اغلبهم لم يعلم بعد بالحدث.”

ثم يأخذ الزبيدي قارئه إلى مشاهد متنوعة من تاريخ نضال الإنسان العربي؛” إن الذين نهبوا هذا الوطن تخيفهم ذكرى الإمام الشهيد عزان. ويؤرقهم  حتى قبره المتواضع في جبروه.

بإسقاط حكومة الإمام عزان واصلت بريطانيا نهجها التدميري في عمان.

أعيد السيد تركي على رأس نظام السلطنة في مسقط.

تم تدمير مؤسسة الري العمانية.

أقتلع البيادير “عمال الأرض” من قراهم. والقي بهم عمال إجراء على قارعة مدن النفط في الجزيرة العربية.

دمر الأسطول الحربي العماني. وكان من أعظم الأساطيل الحربية في الشرق. وكذلك التجاري تحت شعار مكافحة القرصنة.

شرد العلماء. وأغلقت دور العلم.

ساد ظلام.

وعم جهل.

وفتكت الأوبئة في الناس.

وحاصرت الأساطيل البريطانية الموانئ حتى لا تتسلل حبة أسبرين واحدة. قد تشكل سابقة خطيرة في هذا البلد التعيس.

لا أحد بريء من تبعات هذه الجرائم التي ارتكبت بحق هذا الشعب الأبي.

كانت بريطانيا تتذرع بالأكاذيب. وتتوسل بالدعايات. كي تخفي جرائم كانت بريطانيا فيها الفاعل. والمدبر. والمخطط.

وكما قال لنا الكولونيل دنسون حيث كنا معتقلين لدية في معسكر بيت الفلج “حامية مسقط” عام 1971م:

  • أنا لا أعتقل أحدا…. أنا خادم السلطان…. أنفذ أوامره. وأتمر بأمره.”

كما لا ينسى الزبيدي التأريخ لسيرة مدينته/ معشوقته صلالة، فيقول “السيدة صلالة …. السالوما ….. العاهرة…. المتبرجة… الآنسة والمقاومة كما طفول. والقائدة. الكادر الحزبي كما فوطمت. والثورية الحسناء كما العرافة رغبيت. والمناضلة حين عز النضال كما فجر. والرفيقة الطيبة كما راية… لكل مرحلة قناع… ولكل دور زيه… السيدة صلالة سيدة السواقي. وربة الغدران والينابيع… عودها ابنوسي…. في عيونها اشتهاء… وفي مقلتيها تقرأ تاريخ القبائل الحميرية الباسلة… وهي تتابع زافة الملكة بلقيس الى قصرها الراقد بين بحر العرب… وروابي العرافات, الفاتنات, الشبقات… وهن يسكرن من خمر متدفق من عضوي الالاهان سانلي… وواسنلي.

السيدة صلالة هذه كانت حتى اواخر الخمسينات تتنفس الفنون…. سهرة لحبريش هنا. وأخرى للقعيطي هناك. وكان طبل بن شمسة يقرع في مرباط,  فتجفل شياة الرعاة في الجبال البعيدة. كان ديوان, وهو الشاعر الشعبي الأمي يبدع أشعاره. مطورا منظومة الشعر الشعبي. وكانت حفلات الزواج تملأ الساحات بفن الشرح. وفن الربوبة. وفن البرعة. وطبل النساء. وعبرت رقصة الزنوج الجماعية. والتي يحتشد لأدائها المئات من النساء والرجال. والفتيه والفتيات هازجين:

ماليندي

الله ياملندي

انه صوت “العبيد” المقهورين.

بل صوت شعب ظفار كله. وهو يرج الأرض رجا. حتى تخشى أن تطرب الجبال. فتتمايل. وتميس.”

يواصل الزبيدي رواية سيرته “وكما في حكاية النبي يونس الذي ألقت به الأمواج في سواحلهم الظفارية، أو كما يقول البعض أنه شق بطن الحوت الذي كان فيه بسكين و ذهب سابحا نحو الشواطئ الظفارية. هؤلاء الظفاريون أيضا شقوا بطن النظام الاستبدادي بأسلحتهم ودمائهم من أجل أن يسترخوا أحرارا على رمال شواطئهم البيضاء.

قاوم الناس طويلا النظام الاستبدادي. وسلطة الطاغية. بالغناء والنشيد. بالفنون. وبالمدافع. وحيث كانت النساء يتمايلن. كما نخيل شجر النارجيل الباسقات على شطوط الزرقة الصافية. كلما هبت “كوس”. أو عبق عبير النسيم العليل. وكانت الحلقات الضيقة لرقصة الزنوج الصاخبة. لا يدخلها إلا أولئك الذين بلغت بهم النشوة حدود البرزخ. حيث لا سلطة إلا لسلطة الجسد. ولا حدود لرقته, أو عنفوانه, وهو يتماها مع ايقاع قوي وجبار, لموسيقى تعيد انتاج الحياة. وتهزم الموت بمعناه المبتذل. والطقوسي. وتؤسس لحياة في الموت. وموت كما قيلولة في تحولات الجسد.

تحت سلطة الطغاة. وأنظمة الاستبداد. لم تعد كلمات الشعراء الشعبين تحلق في فضاء المخيلة… بل هي كلمات تافهات, مبتذله. بلا صور. وبلا عزم. وبلا شوق للحياة.

صمتت الساحات في الحارات. ولم تعد الأرض ضجيج. وخبت أصداء هبوت القبائل. ولم تعد الخناجر تلمع في رقصة البرعة “رقصة النصر”. مس الدمار الإنسان. والفنون. ورقدت أجداث المهاجرين المكدسة في سفن شراعية في لجة المحيط…. في “غبه سلامة”. وفي اليم العميق, كلما هبت أعاصير المحيط تفتك بالسفن الشراعية البدائية وركابها.”

بعدها يطوف الزبيدي بالقارئ إلى مرتحلاته الكثيرة، مرتحلات الأماكن ومرتحلات الرمز “لا المحيط توقف عن أيام نحسه ولا السفائن توقفت. عن اغتنام أيام سعده وفرحه. ولا رأس نوس الذي عدت علية كل كوس. باح بالأسرار. أسرار مقابر اللؤلؤ والمرجان. حيث عرافات الأعماق. وشهداء رجال الأسطول العماني, يبادلون الساحرات الأنخاب….. أنخاب للحب…… والهوى…… أنخاب مواسم الاشتهاء الجميل”.

وعندما يأتي ليروي قصته مع رفيقة حياته ونضاله يقول “

عندما التقيت مريم الحشار, في منزل أخيها سالم بروي 1977م. كانت السلطات في مسقط. قد شنت أواخر 1971م حملة اعتقالات واسعة. أجهزت فيها على كامل خلايا الجبهه وحزب العمل. وكانت الانسة مريم الحشار على رأس المعتقلات الى جانب أختها فاطمة. وأبيها الشيخ الجليل صالح الحشار.

أعتقلت مريم الحشار أواخر 1973م. ولم يكن عمرها يتجاوز السابع عشر عاما. وتنقلت بين سجون عدة. كان احدها سجن توقيف شرطة بوابة مسقط. وهو سجن يؤمه السكارى كل يوم خميس وجمعة. ويفرغ بقية أيام الأسبوع بانتظار يوم اجازة اخر. ولقد زج بمريم ورفيقاتها في هذا السجن على سبيل الاهانة والاذلال…… ومن سجن لاخر, حتى معتقل المنومة. حيث شهدت خلالها هاته الفتيات الزنازن الانفرادية. وسجون النساء المكرسة للسجينات لأسباب جنائية.

حضرت مريم المحاكمات الهزلية للمعتقلين والمعتقلات. والتي أدارها ضباط انجليز. فيما قبع بعض العمانيين من رجال الدين وشيوخ قبائل يتلون أحكاما جاءتهم مكتوبة من المصادر الانجليزية. هذه الأحكام التي أدت لمجازر, بحق ثلة من أشجع النخب الوطنية العمانية. ثلة كانت جريرتها أنها رفضت الواقع المرير آنذاك. بيد أن الأمر لم يكن يحتمل كل هذه الدماء. وكل هذا الطغيان. وكل هذا العسف. وكل هذا الازدراء للحياة الإنسانية على يد المجرم تيم لندن الذي تسيد المشهد السياسي في عمان يعاونه بعض العمانيين الذين تسلموا مقاليد الأمور في عمان تحت الإدارة المباشرة لتيم لندن.

لقد كانت الطريقة التي نفذت فيها أحكام الإعدام. تشير لانعدام المعايير القانونية والدينية. والى العار الذي لطخ سفارات الدول الكبرى. والتي لطالما باركت بسكوتها هذه الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية.

دم أخر ضيعه أهله

ولم ينبري أحد في لندن. ليتحدث عن “عارنا في مسقط”

مات الضمير الإنساني

بل أنه قد شبع موتا قبل ذلك. في بلدان أخر. وفي أزمان أخرى.

عندما قدت مظاهرة وحيدة في دمشق للطلاب العمانيين. أمام مبنى الأمم المتحدة. وساندنا فيها الطلاب العرب. و أبلغنا فيها القيادة القومية للحزب حسب الأصول المتبعة آنذاك. وبعد ذلك جاءني مسؤول الأمن السوري. يرغي ويزبد قائلا:

  • سترى

أجبته:

  • القيادة القومية وافقت

أستمر في هياجه:

  • سترى

لم يكن ثمة جدوى من أي نقاش

فتحت يافطة الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد, ضد الحزب. والثورة. تمددت أجهزة المخابرات كما سرطان. ينهش في جسد الشعب السوري. وفي جسد الحزب. في أبشع مظهر للفساد والانحراف.”

هذه السيرة مليئة بالأسرار والحكايات والمآسي والمنافي والخيبات… تنتظر قارئها ليسبر عوالم ولغة الزبيدي الخاصة، التي هي ليست سيرة ذاتية بقدر ما هي سيرة وطن وتاريخ إنسان.

 

0 1999 01 مارس, 2017 العدد الحادي والثمانون, سياسة مارس 1, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.