أيامنا في سوانزي

لـ

عند وصولنا مطار هيثرو في صباح بارد من شهر نوفمبر أسرعت بعاطفة الأمومة لتغطية صغيري بملابس شتوية من رأسه لأخمص قدميه. لا يلام من نشأ في بلاد الشمس والقيظ تخوفه من البرودة وحرصه الشديد على الدفء.

كان سائق التاكسي ذا الأصل الأسيوي بانتظارنا وذلك بعد ترتيب مسبق. تطغى لغته الأصلية على اللغة الإنجليزية وتعامله الغربي المحترف عند استقبالنا يؤكد لي أهمية النظام في هذا البلد. وبعد رحلة امتدت لثلاث ساعات وصلنا إلى سوانزي المدينة التي أحببت أن أسميها الـ(sleeping beauty). مدينة تنام بهدوء على ضفة شاطئ حالم، الشمس فيها تغيب ثم تعود للظهور بحياء شديد. العالم هنا مختلف. الكل يعمل، ومؤمن بأهمية ورقي ما يقدمه لنفسه ومجتمعه. موظفة استقبال الفندق لم تحتاج إلى رطل من مساحيق التجميل والتصنع بل اكتفت بابتسامة هادئة تزين ملامحها الطبيعية وشرح وافٍ لكل الأسئلة. وطباخ الفندق المشرف على إعداد وجبات الفطور الحلال يُسرع إلينا كلما تأخرنا عن وجبة الفطور ب”مافن” التوت الأزرق اللذيذ يدسه في يدنا وهو يقول: “من أجل طفلكم”.

سوانزي (Swansea) أو  كما يُطلق عليها باللغة الويلزيهِ Abertawe ” آبرتاو ” إحدى مدن مقاطعة ويلز في الجنوب. يبلغ عدد سكانها نحو  462 ألف نسمة في عام 2011. اللغة الويلزية القديمة حاضرة في شوارع سوانزي فاللافتات الإرشادية مكتوبة باللغتين الإنجليزية والويلزية. ولعل أشهر معالمها السياحية حديقة سينجلتون Singleton Park والتي تعود قصتها لعام 1847م حيث اشترى أب مُحب مزرعة خاصة من أجل عائلته الصغيرة وبعد سنة توفيت زوجته أثناء ولادة طفلهما  فهجر البيت وباع المزرعة، وبمرور السنوات انتقلت ملكية الحديقة الخاصة إلى مجلس مقاطعة سوانزي فقاموا بدمج ١٢ مزرعة مجاورة وتحويلها إلى حديقة عامة مسورة تضم بداخلها بحيرة البط وحديقة للزهور- ذكرني بابها بالحديقة السرية التي قرأنا عنها ونحن صغار- ومتنزه صغير خاص للأطفال. الشمس تميل للغروب ودروب الحديقة مليئة بالذكرى والإلهام والحنين، الكل مشغول بتفاصيل فرحه الصغير، وحين نلتقي بالعابرين يبادلونك بابتسامة أو تحية الإنجليز الشهيرة it’s a lovely day.

على ممشى خليج سوانزي مشينا ساعات دون ملل أو تعب، يعد هذا الشاطئ أحد أشهر السواحل في بريطانيا وتعود شهرته لطوله الذي يبلغ 5 أميال. تم استقطاع جزء منه للمشاريع والبحوث العلمية في المملكة المتحدة. الناس باختلافهم واختلاف أهوائهم يجلسون على ساحله ترنو أعينهم بسكون إلى البحر العميق ورماله .. حقا ما سر البحر؟ لما يهرب الجميع إليه كملاذ فرحا كان أو حزنا؟ ماذا سيخبرنا من أسرار وأمنيات وتاريخ لو نطق يوما؟

وبعد أيام في مدينة سوانزي وبين جمالها الطبيعي عدنا إلى العاصمة لندن ولظروف زيارتنا الخاصة كان لنا يومان للقائها والمبيت فيها. معالمها السياحية معروفة ومشهورة وتحدث عنها الكثير. عند زيارتنا لمتحف الشمع في لندن اكتشفنا وجود صالة جديدة لعرض الأفلام بتقنية 3D لم تكن موجودة قبل ثلاث سنوات بهدف جذب السائح ودفعه لزيارة المكان بالتجديد والتطوير الدائم منذ إنشائه في القرن التاسع عشر.

دفعني ذلك للتسـاؤل حول أهمية التسويق للمتاحف الوطنية كأحد أهم المعالم الثقافية لإظهار الهوية الذاتية والخصوصية العمانية في التاريخ والتراث والبيئة والثقافة والفنون. وما التغييرات والتحديثات التي أُدخلت عليها منذ إنشائها؟ وهل توجد خطة للتطوير والتجديد للمتاحف في الاستراتيجية العمانية للسياحة 2016 ـ 2040؟ إن العالم يتغير ليس بين ليلة وأخرى، وإنما في كل ثانية يظهر الجديد ويحصل التغيير ويخبو ألق القديم.

ختاما، تبقى أجمل لحظاتي في لندن لقاء “أم كلثوم” المرأة المغربية والإحساس بفرحتها عند لقاء مسلمة محجبة مثلها تبادلها التحية وهي العاملة البسيطة في الفندق.  تحية إجلال دافئة لك ولأمثالك البسطاء قلباً والأثرياء روحاً الكادحين في خريف لندن البارد.

0 2450 14 مارس, 2017 أدب, الثاني والثمانون مارس 14, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.