عارض الرمح شقيق ج2

لـ

عارض الرمح شقيق

تأملات في محاضرتي عدنان إبراهيم

الجزء الثاني

 

 

 

يهدف المقال الثاني استكمالا لما طرح في المقال الأول إلى:

أولا: مناقشة قضايا أساسية أوردها المحاضر في سياق القيم، وهي العالمية الإسلامية، وأجدرية العقل في القرآن، والخطيئة الآدمية وعلاقتها بالحرية والمسؤولية الأخلاقية.

ثانيا: مساءلة مفهومي الأخلاق والتسامح؛ بطرح السياق الفلسفي الغائب عند عدنان إبراهيم.

 

أما ما يتعلق بمفهوم العالمية الإسلامية؛ فإنني أعتقد بأن عدنان إبراهيم ربما لا يفترق كثيرا عن سيد قطب وغيره؛ لأن هذا التفكير المركزي في الدين يؤدي لا محالة إلى إقصاء الآخر بسبب دينه واعتقاده وهو سرّ التقاطع مع القطبية، فالمسلم يتعامى عن العلم والحضارة الماثلة؛ ويريد أن يكون هو المتميز بالأفضلية النظرية مع كل الويلات المحسوسة في المجتمعات العربية، ولذلك فعدنان إبراهيم يجيب عن سؤال ديوجين وبحثه عن الرجل الكامل بأنه هو المؤمن. تلك دعوة أخرى ضمنية أو صريحة إلى امتلاء الذات المسلمة بالأوهام؛ فالمؤمن الذي يعتقد أن الظلم حرام، ويمارسه، هو ذلك الإنسانُ في عمومه، أي الكائن الذي ينتمي إلى دائرة الإنسانية ولا يميزه شيء عن الآخرين.

وليمزج عدنان إبراهيم بين العقل والنقل فإنه يستند إلى الآية: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) للاستدلال على أجدرية العقل حسب تعبيره، والعقل -كما نعلم- قسمة إنسانية سوية؛ على أنه يزعم أن الحضارة الغربية وقعت في الخطأ بسبب أنها سلّمت القياد إلى العقل؛ إذ ينبغي أن يكون القياد للشرع، والعقل تابع له. وفي ذات السياق يجمع عدنان إبراهيم نقيضين؛ فهو بين عالمية الإسلام وتميّز المسلم، وأجدرية العقل التابع للشرع؛ يرى أن الاستخلاف غاية إنسانية عظمى، تناط بالإنسان بما هو إنسان دون اعتبارات أخرى كالدين مثلا، كما يجعل التوحيد أو العبادة غاية؛ تخضع لها المقومات الحضارية. ولكن لمّا كانت الحضارة الغربية حضارة تعتني بـالوسائل دون اهتمامها بـالغايات؛ فهي تكشف للإنسان الكظائم الطبيعية، والحضارةُ ضبطٌ لما هو غرزي؛ بيد أن الحضارة الغربية -وفقا لمنطق عدنان إبراهيم- تتهاوى بسبب الدخول في البهيمية؛ فالإنسان الغربي يفعل ما هو متاح؛ بسبب مساحات الحرية الفردية، ولا ينبع هذا الطرح إلا من الإحساس بالمركزية الإسلامية؛ كما أنه يدل على غياب النسق الفكري؛ إذ يتجاوز ميتافيزيقا الأخلاق الإنساني. وحتى نميز بين حالة الإنسان الغربي، والمسلم؛ ننظر في الآتي:

– حالة الإنسان في العوالم المسلمة والذي يمتنع عما هو ممنوع، وفق إكراهات السلطة والعُرف؛ فمفهوم العيب، والموانع الاجتماعية تفعل فعلها في حجبه عن الاختيار لفعل محرم أو حتى مباح؛ لا لذاته أو قناعاته بقدر ما هو محرم بشرط وجود المجتمع أو السلطة. لذلك يرجع الإنسان المسلم أو العربي في مجتمعاته العربية إلى حالة الفوضى عند غياب الخوف من الرقيب؛ فأيُّ فضيلة أخلاقية أو إرادة خيّرة لهذا الإنسان المسلم الذي يتمادح بغاياته، وهو يخوض في الممنوع عند انفراج مساحة في الباب الموصد أو يخوضها في الخفاء؟

– حالة الأوروبي الذي يدّعي عدنان إبراهيم بأنه يرتكس في الشهوات والماديات بسبب غياب الغايات، وينسى عدنان إبراهيم أن الإنسان الأوروبي يمتنع أيضا عما هو محرم؛ فليس كل إنسان غربي هو واقع في الحرام؛ كما أنه ليس كل مسلم هو مثالي، ولكن الغربي قد يمتنع عمّا هو متاح، ولا رقيب عليه؛ لا بدافع الخوف من السلطة، ولكن بدافع العقل، والخير العام؛ فأي الحالتين أقرب إلى الفضيلة الأخلاقية؟

ويزعم أن الحضارة الغربية زلّت بسبب اتباعها للعقل؛ وذلك يعني أن الغرب كان مهتديا قبل الأنوار، فلما دخلت الأنوار واستقل العقل عن الكنيسة ضلّ الغرب. وهذا الطرح يفترض الاهتداءَ قبل اشتغال العقل، وانفصاله عن الدين، وهو تناقض غريب بسبب غياب النسق العلمي في أفكاره ومحاضراته؛ لأنه لا ينكر منكرٌ أن التقدم الغربي: العلمي، والأخلاقي، والسياسي إنّما جاء لأسباب لعل من بينها ما أشار إليه المؤرخ وليم كلي رايت من أن السكولائيين المتأخرين انتهوا إلى أن العقل البشري بذاته يمكن أن يدافع عن عدد قليل من معتقدات الكنيسة؛ غير أنّهم وجدوا فيه أداة قوية للبحث عن الحقيقة في ميادين أخرى[1].

هذه الأفكار هي التي تقود إلى مفهوم جديد للتسامح -إن ارتضينا هذا المصطلح البغيض-؛ لأن النتائج العلمية واللاهوتية نسبية، لا سيما عند استيعاب الباحث للأوهام البشرية التي بيّنها فرنسيس بيكون (1561- 1626) في كتابه الأورغانون الجديد؛ كأوهام القبيلة وما يتعلق بها من التحيزات العقلية، وأوهام الكهف؛ إذ يعيش كل فرد في مغارة خاصة وله طريقة في التفكير، وما المذهب الديني إلا مغارة فكرية[2]؛ فإعادة العقل الإنساني إلى الاشتغال هو أساس التقدم والتعايش، أمّا تحجيم العقل وترويضه وفرض وصاية رجال الدين عليه هو أساس التعصب. لذا نجد إمانويل كانط يجيب عن سؤال: ما التنوير بقوله: “التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته، القصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير”[3]. لقد تقدم الغرب بتقدمه في طريقة التفكير، ويمكن أن يُرد على عدنان إبراهيم في استدلاله بالآية السابقة من وجهين:

1. يزعم أن دلالة هدى في الآية تنصرف إلى الوحي، وليس الأمر كما ظن؛ فإن الفخر الرازي يقول: “المراد منه كل دلالة وبيان؛ فيدخل فيه دليل العقل”[4]. كما أن البشر يتلقون الوحي بالعقل وليس العكس، والعقل ليس ملكة إرادية يستطيع الإنسان ترويضه والتحكم فيه، وما يعتقد بأنه ترويض شرعي للعقل إنما هو تعطيل للعقل وتضليل له باتباع آراء الآخرين دونما تفكر أو تدبر، وقد يقع الإنسان في ذلك إما بسبب مادة ما يعتقد أنه برهان، أو بسبب ترتيب المقدمات وطرائق الاستدلال. أضف إلى ذلك أن الانقياد للوحي لا يعني إلا التفكر العقلي في أصول الشريعة، وليس تقليد الفهوم والجمود أو التعصب لها.

2. في الآية دلالة أخرى مما زعمه المعتزلة وغيرهم؛ إذ تتضمن تركيبا شرطيا مؤكدا بـ(ما) الداخلة على (إن) الشرطية؛ والجواب تركيب شرطي آخر (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وذلك يعني أن العقل مهيأ للممارسة الاستخلافية التي أهم مقوماتها المسؤولية الأخلاقية؛ وإلا فما الصنيع في الفترة الواقعة قبل مجيء الشرع؟ وكان الأولى بعدنان إبراهيم أن يضع المتلقي أمام تقابل النقليين والعقليين في تراثنا؛ فإذا أكد النقليون أن النص الديني هو الحاكم والأساس والمقوم والمبدأ القاطع للإلزام الخلقي؛ فإن العقليين يرون في العقلانية النظرية منهجا في النظر، وفي تحديد الحسن والقبيح من حيث إنهما ذاتيان في الموجودات؛ يستطيع العقل النظري الإنساني الكشف عنهما وتبينهما قبل ورود الشرع[5]

وأمّا ما يتعلق بقضية الخطيئة عند آدم وعلاقتها بالمسؤولية الأخلاقية أو الحرية في سياق محاضرته؛ فأرى أن عدنان إبراهيم تجاوزها بالرغم من ارتباطها القوي بفلسفة الأخلاق؛ لأن المسؤولية ترتبط بإدراك الذات الإنسانية للتاريخ (الخطيئة). وعودا إلى التقاليد الفلسفية المرتبطة باللاهوت، “ينطلق كيركغارد ضمنيا من الفكرة الخفية التي تقول إن الفرد ينوجد من خلال وعيه لنفسه… من خلال النقد الذاتي يكتسب الفرد ماضيه وسيرته، بقدر ما يتذكرها عينيا وبقدر ما كانت في الوقائع، وذلك على ضوء إمكانيات الأفعال المستقبلية، ولا يصبح شخصا إلا على هذا الأساس، أي إنه يصبح شخصا لا يمكن لأحد أن يحل مكانه، أو شخصا غير قابل للتبادل مع آخرين”[6].

إن الخطيئة عنده تولّد الافتقار العجيب إلى القوة المطلقة القادرة على التدخل الانعكاسي في الزمن؛ “إننا نعلم أننا نرتبط بالمغفرة وعلينا أن نريح أملنا بسلطة مطلقة قادرة على التدخل تراجعيا في مجرى التاريخ، وأن نعيد النظام الذي انكسر وأن نعيد إلى الضحايا نزاهتها، وحده الوعد بالخلاص يسمح بحافز يقوم رابطا بين أخلاق متطلبة بشكل غير مشروط والقلق على الذات”[7]، هذه الرؤية التحليلية اللاهوتية ترتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ الأصالة عند تايلر في فلسفة الأخلاق؛ فالخطيئة متأصلة في النوع البشري؛ لذا نجد الحديث النبوي: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم”[8]؛  إن إدراك المرء لخطيئته وتاريخه يعني فيما يعنيه إدراكه لعقله وحريته.

إن عدنان إبراهيم لا يقدم منظومة أخلاقية بمنظور ديني أو عقلي، وإنما يعرض ما علق بذهنه بارتجالية واضحة من أدلة القرآن، دون أن يضع لها أصلا إنسانيا أو عقليا؛ بل يتعدى هذا الغياب المنهجي إلى التخليط الواضح بين ما هو كسبي للإنسان، أو يعد جزءا من طبيعة الذات الإنسانية، وما هو إلهي، إذ يجعل الاستخلاف والتسخير من القيم؛ كالذي يظن أن كروية الأرض، تقع ضمن القيم الإنسانية. ولا أدري ما الذي كان يتوقعه المتلقي من محاضرته، بيد أنني على ثقة أن فهم نظرية للأخلاق عند المسلمين لا يمكن أن يكتمل دونما فهم لمنظومة علوم التراث المرتبطة بالنص القرآني، كعلم الكلام أو العقائد والتفسير والفقه، بالمرور على النماذج الاعتزالية والأشعرية والإمامية والإباضية والماتريدية والمتصوفة وغيرها من المدارس الفكرية الإسلامية؛ لأن الأخلاق ليست مجموعة من المبادئ والمعاملات أو المعايير، ولكنّها أصول تحدد الموقف الكلي من الذات بوصفها موضوعا، والآخر، والمسؤولية، وتفسر الإلزام وفقا للطبيعة الإنسانية، ولن يتم ذلك نظريا إلا بالآتي:

– البحث في التراث الإسلامي عن نظام أو مبدأ يفسر الطبيعة الأخلاقية الإنسانية.

– التدين بوصفه تطبيقا أو تحيينا للنص هو ظاهرة إنسانية لا تُجتث من ثقافة أو ثقافات، ربما ينتمي إلى ما يسمى اليوم بـفلسفة الدين، ضمن دائرة فلسفة الأخلاق في عمومها الإنساني.

– إعادة بناء علاقة بين منظومة الأخلاق وما يرتبط بها كالمسؤولية الإنسانية، والحرية، والإرادة ونظام العقد الاجتماعي، ونظريات الدولة في التراث الديني عند المسلمين.

يجعلنا ذلك نعيد طرح الأسئلة المتجددة: ما الأسس التي أرساها القرآن بالنظر إلى الطبيعة الإنسانية؟ وما الذي يجعل الإنسان كائنا أخلاقيا وفق منظومة القرآن؟ ما موقع الخطيئة أو الإثم، والإنسان الآثم في النص القرآني؟ ما موقع الضمير الإنساني الفردي في القرآن الكريم؟ وما العوامل التاريخية التي أدت إلى اختلاف النماذج الدينية في تفسير النص تجاه فعل التكليف الإلهي؟ إن سؤال الأخلاق في حاضرنا المتشرذم سؤال يحاول إعادة رسم تفكيرنا تجاه ذواتنا، والآخر، ونلاحظ في تراثنا القديم وحاضرنا النقدي مسارين بارزين في الفلسفة الأخلاقية هما:

– المسار العقلي الذي مثّله عادل ضاهر في كتابه “أولية العقل” ونقده لأطروحات الإسلام السياسي لارتباطها الشديد بقضية الأخلاق[9]؛ فهذه الأطروحات روّجت وما تزال (أن الإسلام هو الحل)، وهو سرّ التقاطع بين أفكار المركزية الإسلامية عند عدنان إبراهيم والقطبية؛ فانشغل دعاةُ الصحوة الإسلامية بما ظنّه المتابعون الأوائل من أنها ستفضي إلى حركة إصلاحية بتفسير الإسلام بما يتماشى مع العصر، ولكنها لم تكن إلا حركة راديكالية أنتجتها سجون القمع والتعذيب للعودة إلى مصادر الفهم الأول قبل أكثر من (1300) عام لإعادة تقويم أوضاعهم بظروف الأوائل وأوضاعهم[10]، فانشغلت هذه الحركات بالعداوات والاختلاف دون أن تقدم رؤية نقدية أخلاقية للنظرية السياسية؛ بل إن ما يدعو إليه عدنان إبراهيم من تعبيره بـأجدرية العقل هي القضايا ذاتها -كما أسلفت- التي روج لها الإسلام السياسي، وهي الجامع بين مختلف التوجهات؛ مثل: النقل سابق على العقل، والإسلام دين ودولة، ولا يمكن للإنسان أن يتدبر شؤون دنياه بدون توجيه إلهي، ولا اجتهاد بمورد النص، ولا تعارض بين قيام دولة دينية والديمقراطية في بعض جوانبها، مع التشكيك في الأطروحة الأخيرة[11]؛ فالمسار العقلي الذي يتبناه المؤلف يؤسس الأخلاق على العقل، ويجعله مسوغا للإلزام الأخلاقي الكوني[12].

– المسار الديني الذي يجعل الوحي أساسا للأخلاق، ومسوغا للإلزام، ويمثل هذه الرؤية طه عبدالرحمن في كتابه “سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية”[13]، وينتقد مبدأ الإرادة الخيّرة عند كانط التي ترى أن الأخلاق تنبع من مقتضى موجبات العقل، ودون حاجة إلى قاعدة إيمانية؛ فهي مستغنية عن الدين، مكتفية بذاتها[14].

ولعله كان الأولى بعدنان إبراهيم أن يقدم منظومة علمية حول فلسفة الأخلاق؛ ولكنه إذ لم يفعل؛ فقد قدم أشباه الخواطر لنزعات النفس وهو أمام أهم قضيتين: قضية الأخلاق وسؤالها، وقضية التعددية أو التسامح؛ تردان في العنوان، ولا وجود لهما في المضامين؛ بل إن الأفكار التي طرحها تتناقض تناقضا صريحا مع مبادئ التسامح؛ الذي يمكن أن نقدم له مفهومين اعتمادا على كوك تشور تان[15]:

1. التسامح وفق هذا المفهوم هو الصبر على الشيء؛ فنحن نتحمله؛ لا لأنه له الحق في البقاء والحرية والعيش؛ بل لأننا لا نملك خيارا آخر غير التعايش معه، وفي الوقت نفسه نحن نستنكره ونشجبه، ونعتقد أن تركه أمر مستحب؛ فإن تغيرت الظروف يمكن أن يتغير الموقف إلى العنف، وهذا المفهوم غالبا -إن وجد- هو المعمول به في المجتمعات الإسلامية؛ فأمام اختلاف العقائد وتفسير النصوص فإن المبدأ المعمول به هو قانون الثالث المرفوع؛ إذ تدعي كل مدرسة عقائدية إسلامية بأنها تحتكر الحق، وقد تستخدم مصطلحات إقصائية تجاه الآخر المخالف مثل: كفر النعمة، أهل البدع، المخالفين، أهل القبلة، ولذلك فإن المدارس الإسلامية تعيش الصراع القديم نفسه مع الخصوم في محاولة البرهنة على صحة العقائد التي تدعيها في عالم ميتافيزيقي زائف أحياناً، ولا تستطيع المدرسة أن تخرج من دائرة الصراع، حتى تكرس كل جهودها ومؤلفاتها في هذا الجدل والصراع، ولا يمكن للمسلم أن يتجاوز هذا الصراع إلا بالتشكيك في فهمه وإعطاء الآخر الحق نفسه.

2. التسامح وفق المفهوم الثاني على خلاف الممارسة يتطلب علاوة على الصبر على الشيء تبني موقف معياري تجاه الشيء محل التسامح، فلا يتم التعايش معه لمجرد التعايش؛ نظرا إلى عدم وجود طريقة ممكنة لمعارضته؛ بل يتم لأنه يعد مقبولا من منظور أخلاقي، وهذا يجعل كل مدرسة تقف الموقف نفسه من الآخر؛ فلا تتسلح مدرسة دينية محددة بالسلطة السياسية في الدولة لتمارس التسامح تجاه المدرسة الأخرى؛ بل إن هذا المفهوم الثاني لا يجيز التدخل إن تسمح لها الظروف على الأرض.

ولذلك فإن التسامح يتضمن نوعا من الغطرسة الخفية؛ لأنه لا يخلو من مركزية تجعل الذات معيارا لانحراف الآخر عن البنى النموذجية لمدرسة أو طائفة دينية محددة، ولكي يعالج هذا الموضوع؛ فإن أفضل طريقة هو وضع طرائق المعرفة الدينية موضع الشك والتساؤل؛ ولذلك فإن عدنان إبراهيم فضلا أن يقدم رؤية نقدية للتسامح نظريا وعمليا في محاضرتيه؛ قدّم ما يهدم نزعة التعددية الليبرالية؛ لأسباب منها:

– تجاهل مصطلح التسامح كليا في محاضرته الأولى وقدّم الرؤى الأحادية القطبية والمودودية التي يتبنّاها الإسلام السياسي، وإن اختلفت في الأسلوب والألفاظ فإنها متفقة في الجواهر والمضامين.

– صاغ عنوانا لا يهدم التسامح فحسب بل يقيم على أنقاضه محاولة أحادية متجددة في فكر الشباب المتشبث بالتدين، وهو “الإسلام كما يريده الله”، ولو أنه رجع إلى قضية المراد الإلهي عبر النصوص القرآنية لوجد جدلا كبيرا حوله في أصول الفقه في عدم انضباطه لا سيما في مسألة ثنائية (الكلام/ الخطاب) بوصف الكلام عنصرا ميتافيزيقيا لا يمكن ضبطه أو فحصه، والخطاب تمظهر له، ولا يمكن دفع العنوان بأنه صيغ له؛ لأن عدنان إبراهيم انتقد العنوان ووصفه بالمتبجح، لكن دون أن ينفي ذلك عن نفسه؛ فهو يعدّ من مكبوت المحاضر.

– زعم أنه يمكن أن نجيب عن سؤال العنوان: ما الإسلام الذي يرده الله؟ وهذا محض تحكم لا طائل من ورائه؛ إذ يزعم أنه يمكن لنا أن نقارب المسألة بالعودة إلى القرآن، ويتجاهل الخلافات الكلامية بين الفرق الإسلامية إلى لحظة كتابة هذا المقال وبفعل النص ذاته واحتمالاته، وكأنه يستطيع أن يحل مشكلة الخلاف بتقديم تأويل جديد، قولا واحدا.

 

[1] وليم كلي رايت، تاريخ الفلسفة الحديث، تر: محمود أحمد سيد، بيروت: دار التنوير، ص. 41- 42

[2] المرجع السابق، ص. 66- 68

[3] إيمانويل كانط، إجابة عن السؤال: ما هو التنوير؟ تر: إسماعيل المصدق، مجلة الجابري، العدد (4).

[4] الفخر الرازي، التفسير الكبير، بيروت:دار الفكر، 1981 جـ3/ ص. 28

[5] فهمي جدعان، الأسس الدينية والفلسفية للقيم الأخلاقية، الرباط: مؤمنون بلا حدود، مجلة ألباب، العدد (1) شتاء 2014، ص. (12- 23)، ص. 17- 18

[6] يورغين هابرماس، مستقبل الطبيعة الإنسانية نحو نسالة ليبرالية، تر:جورج كتورة، بيؤوت: المكتبة الشرقية، 2006، ص. 13- 14

[7] المرجع السابق، ص. 15

[8] رواه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، انظر: النووي، المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، صيدا: المكتبة العصرية، جـ17/ ص. 222، كتاب التوبة، رقم الحديث (2749)، ورقمه في الكتاب (11).

[9] عادل ضاهر، أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي، بيروت: دار أمواج، 2001

[10] حسن الترابي وآخرون، حوارات في الإسلام: الديمقراطية، الدولة، الغرب، بيروت: دار الجديد، 1995، ص. 27

[11] عادل ضاهر، أولية العقل، ص. 6

[12] فهمي جدعان، الأسس الدينية والفلسفية للقيم الأخلاقية، ص. 13

[13] طه عبدالرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000.

[14] المرجع السابق، ص. 36- 37.

[15] كوك تشور تان، مفهومان للتسامح العالمي الليبرالي، تر: طارق راشد، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مجلة الثقافة العالمية، العدد (168) يناير- فبراير 2013، (ص. 124- 139).

0 1618 21 مارس, 2017 الثاني والثمانون, ثقافة وفكر مارس 21, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.