تأثير التنجيم وأثر النجوم علينا

لـ

 

ما هو مقدار التأثير المباشر للكواكب والنجوم علينا؟ وهل التنجيم منطقي؟ [1]

إجابة من عالم فيزياء: يمكن لاثنتين من القوى الفيزيائية الأربع الأساسية وهي الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة، والنووية القوية، التأثير في الأشياء من مسافات بعيدة، وهما قوتي الجاذبية والكهرومغناطيسية وحسب. وعندما نقول من مسافات بعيدة فإننا نعني أنها مسافات أكبر من مستوى نواة الذرة. فإن كان للكواكب والنجوم أي تأثير مباشر علينا، فلا بدّ أن يكون من خلال أحد هاتين القوتين أو من خلالهما معا.

من الجيد أن يكون برجك الأسد، وسحقا للدلو

 

نعرف أن المد والجزر يحدثان بفعل جاذبية القمر، بينما حقله الكهربائي  ضعيف ويقترب فعليا من الصفر (وما يثير الاهتمام أنه ليس صفرا؛ إذ أن المجال المغناطيسي للأرض والذي يمكن تشبيهه بفقاعة تحمي الأرض من تأثيرات الرياح الشمسية يكوّن ما يشبه الذيل عند تعرضها لتلك الرياح متكونا في الاتجاه المقابل للرياح الشمسية، وذيل المجال المغناطيسي ذلك يمتد إلى ما بعد القمر، مسببا حقلا كهربائيا قويا على سطح القمر أثناء اكتماله[2])، أمّا الحقل المغناطيسي للقمر فعشوائي متفرّق، وتقريبا لا وجود له.

وهكذا نرى أنّ تأثير الجاذبية أقوى بكثير من تأثير الحقول المغناطيسية. ورغم ذلك فإن تأثير الجاذبية ذاته قليل جدا بين الكواكب، والواقع أن مجموع هذه القوى بالغة الصغر يمكن تجاوزه أخذاً بالاعتبار حقيقة أن الأرض تدور وتتحرك بشكل حر في الفضاء (خلال السقوط الحر[3] فقط يمكنك ألا تشعر بالجاذبية). وهكذا لا يتبقى إلا القوة الثانوية الأضعف والتي تعرف بقوة المد والجزر -وهي تأثير ثانوي لقوة الجاذبية–، ومن اسمها نعرف أنها المسؤولة عن حدوث المد والجزر، وهي الظاهرة التي لا تتطلب –على غير المتوقع- سوى قوة ضئيلة جدا تساوي الفرق في قوة الجاذبية الأرضية مقسومة على طول المد والجزر البالغ مترين تقريباً.[4]

جاذبية القمر هي التي تسبب المد والجزر، ولا تأثير آخر لها فوق ذلك، بينما لجاذبية الشمس تأثير يعادل 40% من تأثير جاذبية القمر، أمّا المشتري –وهو الكوكب الأكثر تأثيراً بحيث يتضاءل تأثير بقية الكواكب مجتمعة أمامه- فأثره لا يتجاوز جزءاً من مائتي ألف جزء من تأثير القمر.

وفوق ذلك فإنه لا يوجد تأثير دقيق لجاذبية الكواكب أو لأثر المجال الكهرومغناطيسي المتعلق بها. فتلك التأثيرات هي تأثيرات منتظمة ومعلومة. والكواكب بالطبع لن تمسك بمجموعة من خلاياك لتعيد كتابة قدرك في حياتك العاطفية ولن تغير من مزاجك اليومي. إن فهمنا للقوى الكونية المعروفة يجعل من فكرة التأثير المباشر للكواكب والنجوم على حياة البشر أمراً مستحيلاً.

ولكن –وللإنصاف- فإن عدم استطاعتنا بأن نوجد تطابقا لأمر ما مع النموذج الحالي لتفسير القوى لا يعني استبعاده مباشرة من حقل الإمكانية. فعلى سبيل المثال لو عدنا إلى الزمن الذي استُخدم فيه علم ديناميكيات السوائل لشرح حركة الأشياء، مثل الهواء والماء، فإنه كان أيضا “يثبت” أنه  ليس باستطاعته أي شيء أن يطير. ومثال جميل آخر هو ذلك اللغز الذي واجهه الجيولوجيون في بداية القرن العشرين. إذ كانت لديهم أدلة بأن عمر الأرض يمتد لمئات الملايين من السنين، لكن اتضح لاحقاً أن الأدلة الصحيحة هي التي أشارت إلى أن الأرض أقدم من ذلك بكثير). ورغم ذلك فإن الحسابات المتسرعة أظهرت أن باطن الأرض يجب أن يكون قد برد كثيرا لدرجة أن وجود البراكين وبقية الأشكال الحرارية لجوف الأرض ينبغي أن يعتبر أمرا مستحيلا.

لكن نظرة سريعة في الأرجاء تظهر عالماً مليئاً بالطيور والبراكين. وبما أنه توجد طيور وبراكين في الواقع، فلا يفرق حينها ما تقوله النظرية العلمية السائدة؛ ذلك أن الواقع ينتصر. بل أن السطر الأول من ميثاق العلم إذا افترضناه مكتوبا سينص على أن “الواقع ينتصر”.

وتم حلّ “مسألة الطيران” لاحقا بالأخذ في الاعتبار التدفق الدوراني (rotational flows) واللزوجة. وأعيد حل “مشكلة دفء الأرض” أخذا بالاعتبار تضاؤل النشاط الإشعاعي (radioactive decay) (والذي لم يكن قد اكتشف حينها).

وهكذا فالسؤال الأصح هو ليس “ما إذا كان باستطاعة ما يسمى بالعلم تفسير أثر التنجيم؟” بل ينبغي أن يكون “هل هناك أثر للتنجيم أساسا؟”. لطالما كان هناك كثير من البحث حول ظاهرة التنجيم، ولكن كانت جميع النتائج سلبية أو غير قابلة للتكرار لحد الآن (وهذا هو أسلوب العلم في قول إنّ مزاعم معينة لا تسندها أدلة صلبة)، وقد توقف المجتمع العلمي تقريبا عن البحث في هذا الأمر منذ القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، وذلك بعدما انهمك فيه لوقت طويل جداً. ويعود السبب في ندرة البحوث العلمية التي بحثت جديا في أمور كهذه إلى أن نتائج البحوث معروفة سلفا بشكل جيّد. والسبب الآخر لذلك هو أن التجارب العلمية ذات العلاقة بالأمر هي من البساطة بمكان لدرجة أنها جزء من معارض العلوم في المدارس المتوسطة (وهذا هو نفس السبب لعدم وجود مقالات علمية في مجلة Natureالطبيعة” حول التجارب البسيطة كبراكين الخل وصودا الخبز والتي تستخدم في العروض التعليمية).

وعلى سبيل المثال، فبإمكانك أخذ تنبؤات التنجيم من جريدة (أو من موقع إلكتروني)، ثم اقرأها لشخص بترتيب عشوائي (وهذا ما يسمى بالتجربة العمياء)، وانظر أي التنبؤات أقرب لواقع الشخص. ستجد أن التنبؤ الصحيح يظهر بمعدل مرة من كل اثني عشرة تنبؤ عشوائي.

وبإيجاز، فإنه إن وُجد أي تأثير للكواكب أو النجوم علينا، فإنه سيتلاشى بسبب القوى الناتجة عن كوكبنا (يمكن تشبيه ذلك بضآلة أثر الجاذبية والمجال الكهرومغناطيسي لشاحنة تقطع الشارع). وبصراحة أكثر، فإنه لا يبدو أن هناك تأثيراً يحتاج إلى توضيح.

 

 

______________________

[1]   هذا المقال ترجمة لمقال بعنوان:

(?How much of a direct effect do planets and stars have on us? Is astrology reasonable or plausable)

من موقع: http://www.askamathematician.com

[2] توضيح من المترجم.

[3]   السقوط الحر في فيزياء نيوتن هو حركة الجسم حيث القوة المؤثرة الوحيدة عليه هي الجاذبية، وفي النسبية العامة هو حركة جيوديسية للجسم في منحنى الزمكان.

[4]  يمكن الإشارة هنا إلى ذلك الاعتقاد الذي يدحضه العلم حول أساطير تتعلق بتأثّر البشر بفترة اكتمال البدر أو الليالي البيض، وقد أجريت عدة دراسات أثبتت زيف هذه الادعاءات.

1 2394 28 مارس, 2017 الثاني والثمانون, ثقافة وفكر مارس 28, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.