قراءة في “النظام العالمي الجديد” ج2

لـ

بعد تفصيله لقصة اجتراح المفاوضين الأوروبيين سلام وستفاليا، يأخذ كيسنجر في الفصل الثاني من كتابه، وعنوانه “نظام توازن القوى الأوروبي وانتهاؤه” بشرح آثار هذه الاتفاقية داخل القارة الأوروبية على مدى ثلاثمائة عام لاحقة، وانتهاء بالتطورات التي عايشتها أواخر القرن العشرين.

قبل استعراض مضامين هذا الفصل والذي يليه، والذي خصصه لمعالجة الجذور التاريخية للظاهرة “الإسلاموية” إضافة إلى قضايا سياسية في الشرق الأوسط، قبل ذلك كله وبهدف توضيح تساؤل قد يتبادر إلى الذهن مبعثه: بما أن موضوع الكتاب وفكرته الرئيسية متخصصة بالأساس في معالجة النظام العالمي المعاصر، فلماذا هذا الإغراق التفصيلي في العودة إلى التاريخ وسرد حيثياته على هذا النحو من الإسهاب؟

نقطة جوهرية لمن يريد التعرف على شخصية صاحب الكتاب، ولا أقول سر اهتمامه، وإنما سر شغفه بمادة التاريخ تحديدا، أنه لم يكن قط يرغب في الكتابة عن التاريخ بصورة مجردة، أو الاكتفاء بسرد تفاصيله وتحليل أبعاده ضمن مداه الزمني، كما نجد في غالبية المعالجات التاريخية، إنما كان يكتب عنه ليتعلم منه، أو ليوظفه. إنه لا يكتب ليسجل ما جرى، والاكتفاء بهذا القدر من الجهد، بل نجده يذهب بإعمال عقله وشحذ طاقاته الذهنية لغايات تتبع امتداد الأحداث في الزمان، والوقوف على أوجه الشبه والاختلاف بين الماضي والحاضر.

ونتيجة لهذه القراءات، وبعد تفكر معمّق في التسلسل الزمني للأحداث ووقائعها، خرج بجملة من النتائج الكبرى التي اعتبرها مركز صناعة الفعل التاريخي. في مقدمة هذه النتائج نظريته الخاصة عن القوة، التي لا يمكن صنع سلام أو استقرار إلا من خلالها. فلا بد من أجل قيام نظام دولي مستقر، أن يكون هذا النظام مرتبطا أساسا بالشرعية والقبول، وهذان الأخيران لا يمكن تحققهما إلا من خلال الدبلوماسية، وهذه الأخيرة مرتبطة ارتباطا محكما بالقوة وموازينها. فالدبلوماسية وفقا لتشبيهه الوارد في مذكراته ليست مباراة بين متفاوضين مهذبين، وإنما هي حوار بين مصالح متعارضة كل منها يستند إلى عناصر قوة ومظاهر ردع تحميه، لتصبح غاية الجهد الدبلوماسي التوفيق بين هذه القوى.

هذا الإيمان المشبع بنظرية القوة، كان له أبلغ الأثر في شخصية الكاتب، الذي بقي طوال فترة حياته الأكاديمية والسياسية وهو يعمل في سبيل ترجمة هذا التصور عن التاريخ والسياسة إلى حقائق ملموسة. ومن يقرأ مذكراته، وتحديدا عندما يتحدث عن معالجته لمسائل بالغة الخطورة مثل مسألة التوازن النووي مع الاتحاد السوفيتي، يلمس القارئ بصورة تلقائية حالة الشغف والافتتان التي يسرد بها كيسنجر تفاصيل هذه الأحداث، وكأنه ينظم قصيدة غزل في محبوبته. باختصار كان كيسنجر يرى في مادة التاريخ مرتفعا يحاول منه استشراف المستقبل، وتعامل مع استخلاصاته النظرية الصارمة  كأنها ألعاب استراتيجية وتكتيكية، أفرغ من خلالها كل طموحاته وأحلامه.

الفصل الثاني من الكتاب جاء استكمالا للفصل الأول من جهة الحيز الجغرافي للدراسة. وإذا كان كيسنجر يبحث في تكوين وجنينية النظام الأوروبي من خلال تشكل سلام وستفاليا ودوران منظومته، مرورا بالثورة الفرنسية؛ نجده وقد خصص الفصل الثاني في البحث بتطبيقات المفهوم الرئيسي لهذا السلام، المؤسس ابتداء على فكرة “توازن القوة”، إضافة إلى المآزق التاريخية التي عصفت بهذا المفهوم، مروراً بتشكل نظام أوروبي جديد خلال الحربين العالميتين. وبصورة مختصرة يبحث في خاتمة الفصل مستقبل أوروبا.

يتناول في مبحثه الأول من هذا الفصل قضية أطلق عليها عنوان “اللغز الروسي”. وفي محاولة لفهم هذا اللغز وفك رموزه في العلاقة الروسية مع مجمل الجسم الأوروبي، فإن الكاتب كعادته يتوسع في المسار التاريخي لمحاولة فهم الجذر المبهم في أصل هذه العلاقة، والذي بدأت ملامحه بالوضوح للمرة الأولى بعد انخراط روسيا في حرب السنوات الثلاثين التي أفضت إلى إعلان مبادئ وستفاليا. فمنذ هذه اللحظة غدت روسيا تمارس دورا فريدا في الشؤون الدولية، وعلى الأخص في مسألة توازن القوة بين القارتين: أوروبا وآسيا. ومنذ هذا الانخراط في الشأن الدولي بدأ الأوروبيون النظر برهبة وخوف من روسيا بمساحتها شاسعة الامتداد، وقواتها المسلحة، باعتبارهما عنصرين يقزمان الدول الأوروبية مجتمعة؛ ناهيك عن نزعتها الاستبدادية، وطموحاتها العالمية، وخطرها، كل هذه عناصر كانت تشكل تحديا مضمرا لمفهوم النظام الدولي الأوروبي التقليدي القائم على التوازن والتقييد. أما النظرة الروسية للنظام الدولي، فكان محوره فكرة “صراع الإرادات الأبدي”. ومنبع هذه الفكرة بالدرجة الأولى ناتج عن تجربتها الجيوسياسية (تأثير الجغرافية على السياسة). فالفهم الروسي للسياسة مستمد من السهوب المتشددة القاسية، حيث كان حشد من الجحافل البدوية في حالة صراع تاريخي على الموارد في مساحات مترامية مفتوحة قليلة التخوم الثابتة.

بسبب الإخفاق التاريخي لروسيا في السيطرة على المساحات المحيطة بها، وانكشافها أمام الغزوات المغولية، وإغراقها في مستنقع حقبتها التاريخية المعروفة باسم “حقبة المتاعب”؛ وهي حقبة أودت بحياة ثلث الكتلة السكانية الروسية من جراء غزوات وحروب أهلية ومجاعات، بسبب ذلك كله، فإن هذه التجربة عمّقت حس الصراع في السياسة الروسية لتعتمد منذ فترات مبكرة على مبدأ توسيع الدولة في كل اتجاه. وما لبثت هذه العملية التوسعية أن تطورت إلى نظرة قومية دفعت موسكو لكي تتوجه بثقلها نحو الكتلة القارية الأوراسية، حتى أصبحت روسيا هي الإمبراطورية الأوسع مساحة في العالم عام 1917. هذا الاتساع  الذي واكبته طبيعتها الغامضة هو الذي أغرى نابليون بونابرت ومن بعده هتلر على غزو روسيا في فترات لاحقة، غير أن هاتين  الخطوتين كانتا سبب دمارهما كليهما، حيث أثبت الشعب الروسي في المرتين أنه شعب مدمن على تحمل صنوف الحرمان.

وعندما حان وقت انعقاد مؤتمر فيينا، الذي ابتدأ في شهر سبتمبر عام 1814 وانتهى في يونيو 1815، الذي كان هدفه تسوية أوضاع القارة الأوروبية نتيجة الحالة الجديدة التي تشكلت عقب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، كانت روسيا لدى انعقاد هذا المؤتمر هي الدولة الأقوى في أوروبا كلها. وأبرز ما أفضى إليه المؤتمر إقرار مبدأ أن الخلافات يجب حلها بالتشاور بدلا من الحرب، وأكد على إعادة توازن أوروبا بعد إخفاقات سلام وستفاليا. وجرى ابتكار ما عرف بـ “التوازن الإجمالي”.

بعد فترة وجيزة من انعقاد مؤتمر فيينا، برزت أحداث مهدت لمعالم النظام الدولي المعاصر، أبرزها وأهمها على الإطلاق، صعود النزعة القومية. فقد فتحت غزوات نابليون أعين الأقوام الأوروبية إلى أنها قد تعايشت قرونا من الزمن وتعاملت مع حكامها بوصفهم “أجانب”، وأخذ فلاسفة ومفكرون في صياغة معالم أسس الفكر القومي الأوروبي، وتعزيز هذه النزعة في نفوس المواطنين. من أبرز هؤلاء الفيلسوف الألماني يوهان غوتفريد هيردر، الذي راح يجادل قائلا: إن كل شعب ذي لغة ووطن وثقافة شعبية، له عبقرية أصيلة، وهو مؤهل لأن يحكم ذاته. وبذا ساهمت الحركات القومية اللغوية في تزايد الضغط المحلي وتحديدا في الإمبراطوريات التي أصابها كثير من العطب: النمساوية-المجرية.

أما الحدث الثاني الذي ساهم في تشكل النظام العالمي الجديد، فكان ثورات عام 1848 التي كانت بمثابة حريق شامل لكل مدن أوروبا. فمع سعي طبقة وسطى صاعدة على إجبار حكومات استبدادية متشددة باعتماد إصلاحات ليبرالية، بدأت الطبقة الأرستقراطية القديمة، ولأول مرة في تاريخها، تستشعر زخم وأهمية الحركات القومية المتسارعة. وقد نجحت الانتفاضات في اكتساح كل ما اعترض سبيلها، وبات منذئذ وضع الحكام الملكيين، وخصوصا في برلين وفيينا مرتبكا وضعيفا جدا، كما كانت الانتفاضات بالغة الاتساع وذات مضاعفات مفرطة التنوع، مما دعا إلى جعل مبادرة مشتركة على المستوى القاري فرصة ممكنة.

لم يكتف كسينجر بتناول أحداث القرن التاسع عشر والتعليق عليها، بل نجده يبدي اهتماما خاصا بشخصيتين سياسيتين كانتا ركيزتي التحولات الكبرى التي شهدتها ألمانيا وعموم أوروبا في تلك الحقبة، هما: رجل الدولة والسياسي المعروف بسمارك، الذي شغل منصب مستشار مملكة بروسيا، وأشرف على تأسيس الإمبراطورية الألمانية وكان أول مستشاريها؛ والأمير كليمنس مترنيخ، رجل الدولة النمساوي، واضع قواعد العمل السياسي في أوروبا بعد هزيمة نابليون. وهذا الأخير كان المحور الأهم في رسالة الدكتوراة التي تقدم بها كيسنجر. ويعد كلا الرجلين من عتاة المحافظين، واشتهرا بوصفهما أستاذين بارعين على صعيد توظيف توازن القوة واستغلاله.

بالنسبة إلى مترنيخ لم يكن النظام العالمي نابعاً من اتباع المصلحة القومية بمقدار ما كان مترتبا على مدى قابلية ربط هذه المصلحة بنظيراتها لدى دول أخرى. أما بسمارك فكانت حكمته الشهيرة على الضد تماما، كانت ترتكز على فكرة أن التقويم الصحيح يكمن في عناصر القوة، ويبدو أن كلتا النظريتين وجدت تطبيقاتها على أرض الواقع، فبعد أربعين عاما من مؤتمر فيينا تمكن النظام الأوروبي من صد النزاعات. وفي الأعوام الأربعين التالية لتوحيد ألمانيا، دأبت المنظومة على مفاقمة جميع النزاعات.

دخلت أوروبا في العقد الأول من القرن العشرين بما أسماه كيسنجر “المشروعية والقوة في فترة ما بين الحربين”، حيث غمرت مطلع القرن الماضي حماسة لدى كتل شعبية بحرب قصيرة ذات أهداف محدودة، فافتتحت عهدها بالحرب العالمية الأولى. غير أن هذه الحرب، التي كان من المتوقع أن يكون نطاقها ضيقا أدت إلى مقتل خمس وعشرين مليونا، إضافة إلى أنها نسفت النظام الدولي السائد من أساسه.

وبعد الحرب الأولى كانت الحسابات الحصيفة للمصالح المتبادلة في التوازن الأوروبي قد تم التخلي عنها لاعتماد دبلوماسية المجابهة القائمة على تحالفين جامدين وصولا إلى استهلاكهما في أتون حرب تمخضت عن إصابات غير مسبوقة التصور. نتيجة الحرب أسفرت عن إزالة: الإمبراطورية الروسية، والنمساوية، والعثمانية. وبرزت روسيا وممتلكاتها بوصفهما الاتحاد السوفيتي.

ينتقد كيسنجر المعالجات الدبلوماسية لآثار الحرب العالمية الأولى ممثلة بمعاهدة فرساي عام 1919 التي رفضت استعادة ألمانيا إلى النظام الأوروبي، في حين ضمن مؤتمر فيينا قبله بقرن تقريبا قبول فرنسا المهزومة. وأخطر ما في هذه المعاهدة، فرساي، أن مبتكريها استداروا إلى الخلف نحو مكون المشروعية لصياغة نظام دولي جديد، وأغفلوا عنصر القوة أو تركوه في حالة فوضى، كما أصرت الوثيقة المولعة بالعقاب على حرمان ألمانيا من التعافي. ومع حرمان ألمانيا معنويا من الانخراط في التسوية الأممية، وعدم التصدي لها بميزان قوى واضح، فإن هذا لم يفعل شيئا سوى تشجيع سياسة المراجعة الألمانية الارتدادية، تجسد هذا الأمر من خلال وصول هتلر إلى السلطة عام 1933 بانتخاب شعبي كان محركه الأساسي عنصر الاستياء، وما لبث هتلر أن سارع إلى فض يده من جميع الضوابط الدبلوماسية المقرة. تسلح مجددا منتهكا شروط سلام فرساي وراح يفكك دول أوروبا الوسطى والشرقية الواحدة تلو الأخرى.

لم يؤثر من شيء على القيم والمفاهيم الوستفالية بقدر ما أثرت الحربين العالميتين، ففيهما تعرض مفهوم السيادة ومبادئ توازن القوة لقدر كبير من التضاؤل. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية كانت قدرات أوروبا المادية والسيكولوجية على تنظيم العالم وضبطه قد أوشكت على التلاشي. كل بلد أوروبي، باستثناء سويسرا والسويد، قد وقع تحت احتلال قوات أجنبية، وفي ذات الوقت صار فيه اقتصاد كل الدول ركاما. بات واضحا أن ليس ثمة أي بلد أوروبي قادر على مواصلة صياغة مستقبله وحده. عندئذ برزت فكرة ضرورة التغلب على انقسامات أوروبا التاريخية وصولا إلى بناء صرح نظام أوروبي جديد. وكانت البداية عند فرنسا وألمانيا، البلدان اللذان كان تنافسهما لب كل الحروب الأوروبية على امتداد ثلاثة قرون، وفي هذه المرحلة سارا معا في رحلة التعالي على التاريخ الأوروبي عبر دمج عناصر أساسية من قوتهما الاقتصادية الباقية. غير أن التحول الأهم منذ تلك اللحظة، كان آخذا في التشكل لجهة أن صياغة مسألة توازن القوة في العالم باتت مفاعيله يخطط لها وتحدد معالمها بعيدا عن مراكز القوى التقليدية في القارة الأوروبية.

إن عالم الحرب الباردة المنبثق عن حربين عالميتين، كان عاكفا على التماس توازناته بعيدا عن مبادئ القارة الأوروبية، كان يؤسس سلوكه وفقا لسباقات تسلح قوتين عظميين: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي. كان التعادل الأوروبي المتوازن، وهو من صنع دول أوروبا تاريخيا قد تحول إلى وجه من وجوه الاستراتيجية لدى قوى خارجية. وجاء حلف شمال الأطلسي ليرسخ إطارا للتشاور بين الولايات المتحدة وأوروبا، وقدرا من التماسك في إدارة السياسة الخارجية. ولكن توازن القوة الأوروبي ما لبث أن انزاح في جوهره عن الترتيبات الأوروبية الداخلية نحو هدف أساسي هو احتواء الاتحاد السوفيتي عالميا، استنادا إلى قدرة الولايات المتحدة النووية أولا. وبالفعل فإن وقائع العصر النووي من جهة، وقرب الاتحاد السوفيتي الجغرافي من جهة ثانية، أديا إلى دوام الحلف جيلا من الزمن، إلا أن الاختلاف الكامن في المنظور كان محكوما بأن يعود إلى الظهور مع سقوط جدار برلين 1989. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، بات العالم متعدد الأقطاب إلى حد معين، ومن هنا باشرت أوروبا العمل لاجتراح هوية مستقلة.

وإذا كانت البنية الجديدة لأوروبا عقب الحرب الثانية تمثل من الناحية العملية تبرؤاً من النظام الوستفالي، فإن كيسنجر يرى في تشكل الاتحاد الأوروبي عودة لمفهوم القارة الجامعة، وأن أوروبا جددت الصيغة الوستفالية لا بوصفها قوة إقليمية أو قومية، وإنما عادت هذه المرة بطبعة عالمية.   ويرى كيسنجر أن هذه الصيغة قابلة لأن تستهلك نفسها لسبب انشغالها بقضاياها الداخلية، وعليه فتحقق الوحدة الأوروبية يستدعي بالضرورة تحديد دورها العالمي، والخيارات المتاحة في هذا المجال ثلاثة: رعاية الشراكة الأطلسية، تبني موقف متزايد الحياد باطراد، أو التحرك نحو اندماج ضمني قائم على كتلة فوق أوروبية جامعة للخيارات الثلاثة. أما موقفه هو، فإن آمال كيسنجر معقودة بقوة على تآلف ضفتي الأطلسي في أسرة متآلفة. وأن تتعاون الضفتان في صياغة الشؤون الاستراتيجية العالمية، وهذا يستدعي بالضرورة اجتراح أفكار غير مألوفة.

عنون الكاتب الفصل الثالث باسم “الحركة الإسلامية والشرق الأوسط: عالم في عين الفوضى”، ويستهله بجملة من الأحكام على الحالة السياسية المعاصرة التي يعيشها الإقليم، باعتباره منبع النداءات المطالبة بإسقاط النظام الإقليمي والعالمي خدمة لرؤيا كونية شاملة، وأن واقع الإقليم بات معلقا بين أحلامه بانبعاث مجده السابق من جهة، وعجزه من جهة ثانية عن التوحد حول مبادئ مشتركة قائمة على المشروعية الداخلية الوطنية-القومية، أو الدولية، وبسبب هذه الحالة المتأرجحة نجد هذا العالم مشدودا للالتحاق بركب الأسرة الدولية والكفاح ضدها بنفس الوقت.

وبعد هذا الاستخلاص الافتتاحي، يشرع كيسنجر في سرد سريع، غير أنه حافل بالتحليلات والتعليقات المكثفة للمسار التاريخي في المنطقة والجذور الفكرية التي ساهمت في تكوين الهوية الخاصة بها. حيث نجح المؤمنون الأوائل، حملة الدعوة الإسلامية، من تنظيم كيان سياسي وتوحيد جزيرة العرب، ليأخذ الإسلام بعد ذلك في حركة صاعدة ضمن سلسلة أحداث تعد الأكثر خطورة في التاريخ. ووجه الخطورة تجسد في اللحظة التي استطاعت مجموعة صغيرة من الاتحادات العربية كسر شوكة إمبراطوريتين عظميين، وانطلاقة زخم “إمبريالي” كلي الاتجاهات في غفلة من التاريخ، وأن هذه المجموعة استطاعت خلال قرن قلب هذا العالم رأسا على عقب. وتقدم الإسلام العاصف عبر ثلاث قارات مدفوعا بالإيمان بأن من شأن انتشاره أن يوحد البشر جالبا لهم السلم.

هذه التجربة التوسعية والتسووية لم تكن شبيهة بأي تجربة لأي مجتمع تاريخي آخر. فاشتراطها صلوات يومية متكررة جعل الدين أسلوب حياة، وتأكيدها على تماهي السلطة الدينية مع نظيرتها السياسية، أدى إلى قلب توسع الإسلام من مشروع إمبراطوري- إمبريالي إلى واجب مقدس. ووفقا لتقسيمات هذه التجربة فإن المناطق التي كان الإسلام قد اجتاحها تعد “دارا للسلام”، أما المناطق الباقية فكانت تعد “دارا للحرب”. هذا المشروع العالمي أخذ مداه الزمني والمكاني، ولم يتداع إلا بعد تراجع موجة التوسع الإسلامي الأولى في أوروبا، عندما وضعت معارك بواتييه ( معركة بلاط الشهداء 732م)  ومعركة تور (في جنوب فرنسا 973م) حداً لسلسلة تقدم القوات الإسلامية.

وفي البعد الخاص بالحماسة الدينية لإعلاء شأن رسالتيهما، يظهر كيسنجر الفرق بين التجربتين: الإسلامية والمسيحية، باعتبار أن الروح الصليبية خبت في العالم الغربي أو اتخذت صيغة مفاهيم علمانية، ومع مرور الزمن صارت المسيحية مفهوما فلسفيا وتاريخيا، بعيداً عن أن تكون مبدأ استراتيجيا أو نظاما دوليا. وتلك العملية كانت ميسرة لأن العالم المسيحي كان قد تبنى نوعا من التمييز بين “ما لقيصر” من ناحية و”ما للرب” من الناحية الأخرى، وهذا ما لم يتحقق للآن في التجربة الإسلامية. فحتى تاريخ قريب، لا يتعدى عشرينيات القرن العشرين، ظل خط مباشر من الخلافة السياسية المستمدة من النبي مؤكداً بوصفه واقعا عملياً لفن سياسة الدولة في الشرق الأوسط من قبل الإمبراطورية العثمانية. ومنذ انهيار هذه الإمبراطورية بات الرد في بلدان إسلامية رئيسية موزعاً بين أولئك الساعين للالتحاق بركب نظام مسكوني جديد قائم على الدولة من جهة، وأولئك الذين ظلوا يرون أنفسهم منخرطين في الصراع على الخلافة المرجعية الكونية في إطار تفسير متشدد.

وحول تباين المفاهيم في النظرة إلى الدولة، يشير كيسنجر إلى أنه في الوقت الذي كانت تبني فيه أوروبا نظامها القائم على أساس تعدد الدول، عكفت الإمبراطورية العثمانية ذات القاعدة التركية على ترسيخ دعوتها باعتبارها تمثل الحاكمية الشرعية الوحيدة، وبفضل هذه الدعوة بسطت سيادتها على قلب البلدان العربية، وعلى البحر الأبيض المتوسط، وعلى البلقان، وعلى أوروبا الشرقية. ورغم أن الإمبراطورية العثمانية كانت متنبهة إلى النظام الأوروبي الوليد القائم على أساس تعدد الدول، إلا أنها لم تره أنموذجا، بل عدته مصدر شقاق قابل للاستغلال خدمة للتوسع العثماني نحو الغرب.

ظل العثمانيون، في تواصلهم مع أوروبا الغربية، يرفضون التسليم بأن الدول الأوروبية مشروعة أو حتى مكافئة. لم يكن هذا أمر عقيدة إسلامية، بقدر انعكاسه كنوع من الحكم قائم على واقع علاقات القوة. وقد تواصلت الغارات العثمانية على النظام الأوروبي، وكانت أبرز الغارات تلك التي طرقت أبواب فيينا في 1683. ومنذ أواخر القرن الثامن عشر، وبزخم متزايد على امتداد  القرن التاسع عشر، بدأت الدول الأوربية تعكس العملية تدريجيا. كانت الإمبراطورية العثمانية قد أصيبت بالتصلب والجمود حين بادرت فئات دينية متزمتة أصولية، في البلاط إلى مقاومة التحديث. ضغطت روسيا على الإمبراطورية من الشمال زاحفة نحو البحر الأسود والقفقاس. توغلت روسيا والنمسا في قلب البلقان من جهتي الشرق والغرب، في حين كانت فرنسا وبريطانيا تتنافسان على النفوذ في مصر، ومنذئذ راحت القوى الغربية تتعامل مع الإمبراطورية العثمانية بوصفها “رجل أوروبا المريض”. أما مصائر حيازاتها الواسعة في البلقان والشرق الأوسط، وفيها مجتمعات مسيحية مهمة ذات علاقة مع الغرب، ما لبثت أن صارت تعرف باسم “المسألة الشرقية”.

على هذا النحو أقدمت الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، على الالتحاق بركب التوازن الأوروبي عضوا مؤقتا في نظام وستفاليا الدولي، وزن يؤخذ في الحسبان لتحقيق التعادل الأوروبي  دون أن يكون شريكا كاملا في تصميمه. وعندما جاءت الحرب العالمية الأولى، تحالف العثمانيون مع ألمانيا، ودخلوا الحرب من منطلقات مستمدة من كلا النظامين الدوليين الوستفالي والإسلامي. اتهم السلطان روسيا بانتهاك “الحياد المسلح” للإمبراطورية وتعهد باللجوء إلى السلاح لحماية “مصالحنا المشروعة”، سبب وستفالي للحرب من حيث الجوهر؛ وعلى نحو متزامن سارع شيخ الإسلام إلى إعلان الجهاد متهما: روسيا، فرنسا، وبريطانيا بهجمات شنت على الخلافة بهدف الإجهاز على الإسلام، وهذا سبب ديني من حيث الجوهر كذلك. تجاهل المسلمون في الإمبراطورية العثمانية إعلان الجهاد، وركّزت قيادات إسلامية بارزة في الهند البريطانية بدلا من ذلك على تعظيم فعاليات حركة الاستقلال. أما في شبه الجزيرة العربية، فقد استيقظت التطلعات الوطنية–القومية المعادية بالفطرة للعثمانيين. الآمال الألمانية المعقودة على وحدة إسلامية داعمة في الحرب لم تكن إلا سراباً. وفي أعقاب انتهاء الحرب في 1918، جرت الأقاليم العثمانية السابقة إلى قلب النظام الدولي الوستفالي عبر آليات مفروضة مختلفة.

عدد من الاتفاقات والمعاهدات عملت على انهيار وإعادة تشكل تركة الرجل المريض، كان اتفاق سايكس–بيكو لعام 1916 قد قسم الشرق الأوسط إلى ما باتت في المحصلة مناطق نفوذ، وتمخض نظام الانتداب عن وضع هذا التقسيم موضع التنفيذ الفعلي: سورية ولبنان من نصيب فرنسا، وما بين النهرين، العراق لاحقا، وضع تحت النفوذ البريطاني. أما فلسطين وشرق الأردن فصارتا تحت الانتداب البريطاني. كانت كل من هذه الكيانات مشتملا على عدد من الجماعات الطائفية والإثنية، لبعضها تاريخ صراع فيما بينها. مكّن هذا الوضع الانتداب من الحكم عن طريق التلاعب بالتوترات مرسيا في الوقت نفسه الأساس المفضي إلى حروب وصراعات أهلية لاحقة.

فيما يخص الحركة الصهيونية، وأثناء حالة إعادة تشكيل المنطقة العربية، صدر عن الحكومة البريطانية ما يعرف بـ “وعد بلفور” الصادر عام 1917 تأييدا لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وجاء في الخاتمة معاهدة سيفر الموقعة عام 1920 مع ما بقي من الإمبراطورية العثمانية، هذه المعاهدة أعادت رؤية الشرق الأوسط باعتباره فسيفساء دول، وهذا مفهوم لم يسبق له أن كان جزءا من مفردات المنطقة السياسية.

وفي عام 1924 حدث تطور بالغ الأهمية في مسار النظرية الإسلامية في الحكم، عندما أقدم القادة الوطنيون-العلمانيون في الجمهورية التركية المعلنة حديثا على إلغاء المؤسسة الرئيسية للوحدة الإسلامية، وعلى إعلان دولتهم -الدولة العلية العثمانية- التي كانت على امتداد خمسة قرون متتالية مركز الخلافة، أعلنها الوطنيون الأتراك باعتبارها دولة علمانية. ومنذ ذلك التاريخ بات العالم الإسلامي مشطورا بين نظام وستفاليا الدولي من ناحية، ومفهوم دار الإسلام غير القابل للتحقق من ناحية أخرى.

إلغاء منصب الخلافة ساهم في تشكل تيارين بارزين ومتنافرين في المنطقة العربية، دعاة التيار الأول نادوا بفكرة الوحدة العربية، وسلموا بمنطق سياسي قائم على أساس الدولة. إلا أن الدولة التي أرادوها كانت دولة أمة عربية واحدة، كيان إثني لغوي ثقافي موحد. بالمقابل ظل الإسلام السياسي يصر على اعتماد الدين المشترك أداة مثلى لامتلاك هوية عربية حديثة.

وفي الأثناء راح القادة العسكريون الآتون عموما من قطاعات سكانية مستبعدة من العملية السياسية يوسعون دائرة تأييدهم الشعبي عبر رفع الشعارات الوطنية-القومية. خرج جمال عبد الناصر، الزعيم الشعبوي الكاريزمي لمصر بين 1954-1970 وخلفه أنور السادات، خرجا من صفوف ذات خلفيات محلية. وفي العراق كان صدام حسين وهو من أصول متواضعة مشابهة حريصاً على اعتماد صيغة أكثر تطرفاً. وكل من صدام حسين ونظيره الإيديولوجي حافظ الأسد، أستاذ الدهاء والتشدد في سورية، دأبا على إحكام قبضتي “أقليتيهما الطائفتين” على الأكثرية السكانية عبر رفع راية الوحدة القومية العربية.

ومن المظاهر السياسية التي طغت على العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين، أن فضاءه الجيوسياسي كان حاضرا وفي صميم تأثيرات أجواء الحرب الباردة والمقاربات الوستفالية القائمة أساسا على مبدأ توازن القوة. وعموما ظلت مصر وسورية والعراق، وبعض دول شمال إفريقيا داعمة للسياسات السوفيتية ودائرة في الفلك السوفيتي. أما الأردن والسعودية وإيران والمغرب فكانت صديقة للولايات المتحدة ومعتمدة على دعمها لأمنها.

وكما لم تخدم التحالفات العربية مع الاتحاد السوفيتي أية أهداف سياسية كبرى لهذه الدول، كذلك لم يتمخّض الالتحاق بركب الولايات المتحدة عن نزع فتائل أي تحديات اجتماعية في الدول التي تدور في الفلك الأمريكي، فيما بقي التقدم الاقتصادي لكلا الجناحين بطيئا جدا: دول عاجزة عن تلبية حاجات شعوبها، ومشكلات تفاقمت في مجالات كثيرة، فيما ظلت ثرواتها النابعة من مواردها الطاقية ترعى الاعتماد شبه الحصري على النفط، إضافة إلى شيوع ثقافة اقتصادية غير مشجعة على الابتكار والتنويع. وفوق كل شيء، أدى الانتهاء المفاجئ للحرب الباردة إلى إضعاف قدرتها على المساومة، هذا الوضع جعلها قابلة للاستغناء عنها سياسيا بأي لحظة.

وفي المحصلة وجدت النخب الحاكمة نفسها ملزمة بالتصدي لموجة صاعدة من الاستياء الداخلي المفضي إلى تحديات لمشروعيتها. واكب هذه الحالة ظهور جماعات متطرفة وعدت بالحلول محل النظام القائم في الشرق الأوسط، عبر إقامة نظام شرق أوسطي يرتكز على الدين، عاكسة لاثنيتين من المقاربات الكونية المتمايزة: المقاربة السنية عن طريق جماعة الإخوان المسلمين وحماس وحركة القاعدة. والمقاربة الشيعية عن طريق ثورة الخميني وإفرازها المتمثل بحزب الله اللبناني.

فيما يخص التطلعات الأمريكية للمنطقة، فيراها كيسنجر في هذه الفترة موزعة بين تصورين: هناك التصور الخاص بالضرورات الأمنية، وهناك نظيره المتعلق بتعزيز الديمقراطية. غير أن أصحاب هذا التصور، الأخير، وجدوا صعوبة في الاهتداء إلى قادة يسلمون بأهمية الديمقراطية بوصفها شيئا آخر غير أنها وسيلة لتحقيق سيطرتهم. وفي الوقت نفسه لم يكن رافعو راية الضرورة الإستراتيجية الأمنية قادرين على إثبات مدى أهلية الأنظمة القائمة للتطور بطريقة ديمقراطية أو حتى إصلاحية، وبذا بقي الوضع على ما هو عليه تقريبا.

في السنوات القليلة الماضية أطلق الربيع العربي انتفاضة جيل جديد طلبا للديمقراطية الليبرالية، غير أن هذه الانتفاضة سرعان ما تعرضت للإزاحة والتعطيل أو للسحق، لتنقلب شهقة الانتعاش إلى شلل. برهنت القوى السياسية الموجودة على الأرض، تلك المتحصنة في الجيش، وفي الدين في الأرياف، على أنها أقوى وأفضل تنظيما من عنصر الطبقة الوسطى المتظاهرة دفاعا عن المبادئ الديمقراطية في ساحة التحرير. ومن الناحية العملية كشف الربيع العربي عن جملة التناقضات الداخلية الكامنة في عمق العالم العربي، وعن السياسات المصممة لحل هذه التناقضات بدلا من التغلب عليها. وبدلا من أن يزهر الربيع حياة أفضل، أدخل المنطقة في أتون نزاعات مريرة.

فالصراع المحتدم في سوريا، تجاوز موضوع الديمقراطية بالنسبة إلى اللاعبين الرئيسيين، السوريون والإقليميون، الذين يتعاملون مع الحرب باعتبارها ليست من أجل الديمقراطية بل من أجل الغلبة. لم يكونوا ليبالوا بالديمقراطية إلا إذا صبت في مصلحة جماعتهم… في الوقت نفسه، كان النزاع قد بدأ يعيد رسم الخريطة السياسية لسورية، وربما المنطقة. كان من شأن نظام أمن إقليمي أو دولي فاعل أن يكون قد جنّب، أو أقله احتوى الكارثة، إلا أن إشكال فهم المصلحة القومية أثبتت أنها شديدة التباين. ربما أدى قدر هائل من التدخل في مرحلة مبكرة إلى احتواء القوى المتصارعة، إلا أن إدامته كان من شأنه أن يتطلب حضورا عسكريا طويل الأمد.

أما الصراع الأقدم في المنطقة، وفي تاريخنا المعاصر، القضية الفلسطينية، فإن كيسنجر منذ البداية وجه باللوم إلى قلة الموضوعات التي يحكمها الشغف، التي تهدف إلى التوفيق بين مطالبة إسرائيل بالأمن والهوية، وتطلع الفلسطينيين إلى الحكم الذاتي، إضافة إلى بحث الحكومات العربية المجاورة عن سياسة متناغمة مع تصورها لضروراتها التاريخية والدينية. جيلان من أبناء العرب تربيا على قناعة أن دولة إسرائيل مغتصبة غير شرعية لتركة إسلامية. في المقابل كان ثمة قادة “عظماء” حاولوا التعالي على الجانب المفهومي للصراع عبر التفاوض من أجل التوصل إلى السلم القائم على أساس مبادئ وستفاليا، أي بين شعوب منظمة بوصفها دولا ذات سيادة منطلقة من تقويم واقعي لمصالحها وقدراتها القومية-الوطنية، بدلا من ضرورات دينية مطلقة.

ويقرر كيسنجر أن القضية الفلسطينية في العالم العربي فقدت بعضا من إلحاحها، ولم تفقد شيئا من أهميتها. ومن علامات فقدان الإلحاح أن الأطراف الرئيسية في عملية السلام حولوا طاقاتهم وأفكارهم نحو التعامل مع إيران ربما النووية، ووكلائها في الإقليم. ومقابل هذا التراجع العربي في الاهتمام بالقضية الفلسطينية هناك تصاعد إسرائيلي بالمعنى المعنوي والحقوقي المترجم إلى أفعال ملموسة. وهكذا فان إسرائيل تطالب، بأن يتم إقرار أنها دولة يهودية، وتلك إضافة يصعب على جل المسلمين قبولها بمعنى رسمي لأنها تتضمن تصديقا دينيا وآخر إقليميا.

يخلص كيسنجر بعد عرض هذه المحاور الرئيسية في الصراع العربي-الإسرائيلي المتجذر في المنطقة، القول إن إسرائيل دولة وستفالية بالتحديد، تأسست وفقا لهذا المبدأ في 1947، وظلت الولايات المتحدة حليفتها الرئيسية، أحد رعاة نظام وستفاليا الدولي والمدافعين الأساسيين عنه. ولكن الدول والفئات المحورية في الشرق الأوسط تنظر إلى النظام الدولي عبر هذا النوع أو ذاك من أنواع المنظار الإسلامي.

في المبحث الأخير من هذا الفصل، يركز كيسنجر في تحليله على المملكة العربية السعودية، ويشير في البداية إلى مفارقة تاريخية لافتة في علاقة المملكة مع حلفائها، الدول الغربية الديمقراطية بصورة عامة، وعلاقتها بالولايات المتحدة على وجه التحديد، ومبعث هذه المفارقة أن السعودية بلد له ممارسات داخلية مختلفة كليا عن ممارسات تلك الأنظمة. فعلى الصعيد الدبلوماسي ظلت المملكة العربية السعودية، إلى حد كبير متحالفة مع الولايات المتحدة مع بقائها روحيا دائبة على الترويج لصيغة إسلامية منطوية على نوع من الصدام مع العالم غير المسلم، عبر تمويل سلسلة من المدارس الدينية المبشرة بالاتجاه السلفي في طول العالم وعرضه. فالسعوديون لم يكونوا يؤدون واجبهم الإسلامي وحسب، بل ويتخذون من أفكارهم الدينية تدبيرا دفاعيا عبر تحويل أنصارهم مبشرين في الخارج بدلا من داخل المملكة. وما لبث المشروع أن تمخض عن غير قصد برعاية الحماسة الجهادية المحمومة التي كانت فيما بعد ستهدد الدولة السعودية ذاتها وحليفاتها.

بقيت استراتيجية المملكة القائمة على النأي بالنفس تفعل فعلها طوال بقاء الدول السنية الخاضعة إلى حد كبير لحكم أنظمة عسكرية. ولكن ما إن ظهرت القاعدة على المسرح، وأسست إيران آيات الله قيادتها لمعسكر ثوري كفاحي عبر المنطقة، وراح الإخوان المسلمون يهددون بالاستيلاء على السلطة في مصر وغير مصر، حتى وجدت السعودية نفسها في مواجهة اثنتين من صيغ الحرب الأهلية في الشرق الأوسط.

يبرر الكاتب هذه الظاهرة باعتبار أنها تأتي في سياق مسألة القيادة الإقليمية وتوازن القوة، إضافة إلى التنافس العقدي، وعليه فإن المملكة العربية السعودية توظف هذه الإيديولوجية لأنها ترى نفسها مهددة من قبل إيران التي تمتلك صيغة دينية مقابلة إضافة إلى امتلاكها بعدا إمبراطوريا صاعدا من جهة ثانية، ممتدا من حدود إيران الأفغانية عبر العراق وسورية ولبنان إلى البحر المتوسط، وأن هذا الصعود يشكل خطرا للمنظومة السنية الذي تقوده سعودية بتآلف مع مصر والأردن ودول الخليج، وتحالف حذر مع تركيا.

ويخلص كيسنجر لتقرير أن مسألة الصراع السعودي–الإيراني، سيبقى وفقا لحسابات الرياض صراعا وجوديا، وله أكبر الصلة ليس فقط ببقاء المملكة بل وحتى في مشروعية الدولة، وأكثر من ذلك فإن هذا الصراع سيكون له بالغ  الأثر، وفق الحسابات السعودية، على مستقبل الإسلام. ويرى كيسنجر في ختام هذا الفصل الهام أن التوترات والأزمات، وحالة الفوضى وحوادث العنف التي تزلزل الشرق الأوسط في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين يجب فهمها بوصفها صفحات صراع مدني – ومذهبي، وأن احتدام هذا الصراع يجري على قدم وساق باتجاه الحسم لأي من مركزي النفوذ، الرياض أو طهران، سوف تلتحق المنطقة، والى أي مفهوم من مفاهيم النظام العالمي ستعتمد.

أفكار قابلة للنقد

لن يكون بمستطاع كيسنجر، الأكاديمي الباحث أو السياسي الممارس، أن يمضي بعيدا في طروحاته، والترويج بالتزامه وعلى نحو صارم، بالأسس والمناهج العقلانية في البحث، وتجرده عن أي هوى سياسي أو ثقافي لصالح الحقيقة التاريخية، إلا إذا اعترضت طريقه البحثي لحظات تاريخية تعارض حقائقها هواه ورغباته، تمتحن مدى نزاهته البحثية وتجرده السياسي، وتضعه على المحك في كيفية معالجته لهذه اللحظات؛ ومن ثم نرى هل يأخذ في تطبيق قواعده وأسسه النظرية التي اعتمدها على هذه اللحظة، أم يغدو مجرد ناصب شراك وفخاخ معرفية، فيلجأ إلى التعامي أو التبرير، ويعمد إلى تحريف الحقائق والتلاعب بالكلمات والمفاهيم.

أساس فكرة الكتاب تقوم على جملة من الأفكار الرئيسية، في مقدمتها على الإطلاق التبشير المطلق بالتجربة الوستفالية، وأن القارة الأوروبية وضفتي الأطلسي مدينة بكل ما وصلت إليه، إلى هذه اللحظة التاريخية، وأن هذه التجربة يمكن في حال معالجتها مجددا وتطوير بنودها بصورة حكيمة ومتوازنة أن تغدو هذه التجربة بمثابة مرجع ملهم لنظام عالمي جديد، مسالم ومتوازن. ومن النتائج الهامة لهذا الصلح، وهي نقطة طالما يشيد بها كيسنجر ويعلي من شأنها، مبدأ التخلي عن الدولة الدينية. كل ذلك يسهب صاحب الكتاب في شرحه بانسجام وتوافق علمي تامين. إلا أنه في هذا الفصل يقع في مغالطة تنسف كل الطرح الذي تقدم به آنفا، ليس في هذا الكتاب وإنما في كل ما سبق وطرحه عن المبادئ الوستفالية، لتأخذ المفاعيل الارتدادية بالاتساع لتصل إلى أطروحته التي تقدم بها لنيل الدكتوراة.

يذكر كيسنجر في الفصل الثالث من كتابه أن إسرائيل دولة وستفالية، وأنها تأسست وفقا لهذا المبدأ، وأنها إحدى الدول المنخرطة ضمن قوى عالمية كبرى في الدفاع عن هذا المبدأ. ومعنى هذا التوضيح أو التقرير أن إسرائيل قومية أصيلة وطبيعية في المنطقة على النحو الذي كانت عليه أي قومية أوروبية في القرن السابع عشر عندما أخذت تتفاوض مع جاراتها، وتضع أسس وجودها وملامح هويتها، والتي كان من أهم البنود التي أقرتها هذه القوميات إسقاط مفهوم الدولة الدينية. هذه المبادئ العريضة يتعارض كل جزء منها مع قصة تأسيس ونشؤ الكيان الإسرائيلي، فهو ابتداء ليس كيانا طبيعيا ولا حتى تاريخيا في المنطقة، وأن وجوده مرتبط أساسا بأهداف استعمارية إمبريالية، هي إحدى نتائج السلام الوستفالي نفسه. كما أن هذا الكيان غير مكتمل بالمعنى القومي، وأن انبعاثه واستمراريته إلى اليوم ومشاريعه المستقبلية مؤسسة على معنى وتفسير ديني، وأنه منذ صدور كتاب “الدولة اليهودية” لمؤسس الحركة الصهيونية، ثيودور هيرتزل عام 1896، وصولا إلى ما نشهده اليوم من رفع لسقف المطالب الإسرائيلية ممثلة بضرورة الاعتراف بيهودية الكيان، والاتكاء على هذه الدعوى الدينية في سبيل تحقيق مطالب سياسية، كلها مسارات ليس فقط تختلف عن مسارات صلح وستفاليا، بل هي في الواقع المسار النقيض تماما لهذه التجربة الأوروبية التي يؤكد كيسنجر باعتبارها مثالا، وأن إسرائيل تجسد بالكامل هذه التجربة.

هذا التلاعب بالحقائق لصالح يهوديته هو نموذج للطريقة التي كان يتعامل بها كيسنجر في كل شأن له صلة بالقضية الفلسطينية والشرق الأوسط عموما. إنه البعد الذي طالما حاول إخفاءه أو على أحسن تقدير التقليل من أثره على حياته، باعتباره ولد في ألمانيا ضمن أسرة يهودية وعايش في طفولته نمو وتفشي الحركة النازية، التي لم تكن متسامحة على الإطلاق مع اليهود. ومع ذلك نجد كيسنجر يسرد  في لقاءاته الصحفية إضافة الى الإشارات التي كان يبعثها بين الحين والآخر في مذكراته، أن هذه المرحلة لم تترك آثارا سلبية في نفسه، وأنه ظل طوال حياته ولا زال يقلل من أثرها على نفسه. يقول لأحد الصحفيين:” يبدو أن حياتي في فورت قد مرت دون أن تترك أي انطباعات دائمة”. وهذا تصريح يتعارض مع أبسط حقائق علم النفس الذي تؤكد نظرياته كلها الأثر العميق الذي تخلفه الأحداث الكبيرة في سلوك ونمط تفكير الأطفال عندما يكبرون. إنه الإنكار وادعاء فقدان الذاكرة بهدف إظهار النفس والآراء باعتبارها مواقف موضوعية وليست استجابة لتجربة شخصية.

نقطة أخرى ذات صلة بالقضية الفلسطينية والمقاربات الخاصة بأسس السلام التي ما فتىء  يكررها: القوة التوازن، الشرعية. نجده في الفصل الثالث وهو يتناول الأزمات التي عصفت بالشرق الأوسط، وقد أغفل تماما من حساباته القرارات الدولية التي من المفترض أنها اكتسبت المعنى الكامل لمفهوم الشرعية الدولية، وعلى الأخص القرارات المرتبطة بحل النزاع العربي–الاسرائيلي، وتحديدا قرار 242 وقرار 338، وكلا القرارين يتضمن المعاني الكبرى لسلام وستفاليا التي يبشر بها كيسجر: احترام مبادئ السيادة، وإقرار السلام. ومع ذلك فإن هذه القرارات أغفلها صاحب الكتاب في تنظيراته وهو يجترح حلولا للأزمة.

أما عبارته الخاصة باستيقاظ التطلعات الوطنية-القومية في الجزيرة العربية، وأن هذه التطلعات كانت معادية بالفطرة للعثمانيين، فهي عبارة مثقلة بالمغالطات لسبب أن الدعوى القومية لم تستيقظ في الجزيرة العربية أصلا، وهنا يلمح الكاتب إلى الحجاز تحديدا وثورة الشريف حسين بن علي على الأتراك، الذي استثمر في الحركة القومية الموجودة أصلا في دمشق، حيث أخذت المطالب القومية تتبلور تدريجيا. وهذه المطالب القومية، ومن خلال حركاتها الكبرى، التي عرفت بالعثمانوية، لم تخرج للحظة تاريخية واحدة بالدعوة إلى الانسلاخ عن جسد الإمبراطورية العثمانية، كما أن أحدا من أفراد النخبة السورية لم يعرف نفسه بالعروبة إلا بعد احتلال القوات الأوروبية وما يعرف بالقوات الشريفية أراضي الإمبراطورية العثمانية عام 1918.

ما لم يذكره كيسنجر من أسباب انتكاسة الربيع العربي، أن المجتمعات العربية افتقرت ولا زالت إلى وجود شخصيات ورموز وطنية قادرة على التأثير وتصحيح مسار مجتمعاتها على النحو الذي مارسته النخب الأوروبية وهي تصوغ المبادرة الوستفالية. فالأنظمة السياسية في العالم العربي استطاعت أن تعطل دور هذه النخب من خلال وسائل عدة: الترغيب، الترهيب، أو الإهمال.

ولعل أجمل الألاعيب اللفظية وأساليب التعمية عن الحقائق وبصورة مضحكة على نحو مدو، إشارته إلى أن الحماسة الجهادية التي يشهدها العالم اليوم ما هي سوى إحدى النتائج غير المقصودة للتعاليم السلفية التي اعتمدتها المدرسية الدينية السعودية في مختلف أنحاء العالم. وعلى ما يبدو أن مؤلف الكتاب، وهو المستشار الأسبق للأمن القومي الأمريكي قبل أن يصبح وزيرا للخارجية، لا يعلم قصة التحريض الأمريكي الأول على الجهاد عندما اقترح خليفته في منصب مستشارية الأمن القومي، بريجنسكي، على الأمير فهد، آنئذ،  تأسيس صندوق بمليار دولار بهدف تشكيل جماعات إسلامية مجاهدة تحارب في سبيل الله وتقاتل الكافرين به، على أن تتكفل السعودية بتغطية نصف هذا المبلغ على نحو سنوي، وتتكفل الولايات المتحدة بتغطية النصف الثاني. السعودية دفعت مباشرة حصتها من الصندوق، وكانت تجدد هذا الرصيد سنويا بصورة تلقائية. أما الولايات المتحدة وحتى لا تستنزف الإدارات الأمريكية هذه النصف مليار من خزينتها سنويا، فإنها وبناء على نصيحة مدير المخابرات الفرنسية أخذت الإدارة الأمريكة ببيع مضبوطاتها من الهيروين والأفيون والحشيش بدل إتلافها، ومن الأرباح التي تجنيها الإدارة الأمريكية من هذه التجارة يمول صندوق الجهاد في سبيل الله. هذه المعلومات البديهية والمثبتة في مذكرات واعترافات كل من ساهم بالعملية، إضافة إلى هذا الفيض الهائل من الوثائق التي أعلن عنها، غابت فيما يبدو عن كيسنجر، أو غيبها وهو يستعرض هذه الجزئية في العلاقة السعودية-الأمريكية.

ولو تأخر كيسنجر بضع سنين في إصدار كتابه هذا، فمن المؤكد أننا لن نستمتع بقراءة عدد من الصفحات التي تضمنها هذا الإصدار، ولوجدنا بدلا منها أفكارا ومضامين مختلفة تماما عما هو منشور بين أيدينا، اختلاف يصل إلى درجة التعارض. للاستدلال على هذا الاستنتاج تكفي الإشارة إلى بشارته أن الاتحاد الأوروبي يشكل صيغة مطورة عن الصيغة الوستفالية الأصلية، وأن هذا الاتحاد أعاد الروح للوستفالية الأصلية ولكن بصيغة عالمية.

ما الذي كان سيخطه كيسنجر اليوم بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد، وبعد سماعه إعلان المستشارة الألمانية، ميركل، أن تفكك الاتحاد الأوروبي لم يعد مستحيلا.

وفي تفريقه بين التجربتين: الإسلامية والمسيحية باعتبار أن الروح الصليبية خبت في العالم الغربي أو اتخذت صيغة علمانية، فيما لا زالت الروح الدينية الجهادية حاضرة بقوة في العالم الإسلامي، هذا التفريق يحتاج إلى مراجعة ولو على نحو سريع.

لا يختلف اثنان أن دوافع مثل السيطرة الاقتصادية أو الهيمنة الاستراتيجية أو على أحسن تفسير الرغبة في المساهمة بإعداد وتهيئة المجتمعات المتخلفة لتلحق بركب المدنية والعولمة، هي دوافع تساق غالبا في معرض الحديث عن معطيات الاحتكاك الغربي بالعالم العربي والاسلامي. ولكن إذا كانت هذه الأسباب على بشاعتها أو تحريفها للمسميات، هي مبعث هذا الاحتكاك، فلماذا توجه الجنرال الفرنسي غورو عقب احتلاله مدينة دمشق وجيشه عام 1920 إلى قبر صلاح الدين الأيوبي، الذي أخرج الصليبيين من المشرق العربي، وردد غورو بشماتة:” نحن قد عدنا يا صلاح الدين”. ألا يجسد هذا السلوك روحا صليبية كامنة لا يحب الغرب أن يفصح عنها علانية، وإن كان أفصح عنها أكثر من مرة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، خلال فترة رئاسته.

 

_______

*إشارة: هنا تجدونَ الجزء الأوَّل.

0 2498 30 مارس, 2017 الثاني والثمانون, سياسة مارس 30, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.