كتاب البحيرات المقدس

لـ

قراءة كتاب: ولدن أو الحياة في الغابات

تأليف: ديفيد هنري ثورو

ترجمة: هالة صلاح الدين.

العين للنشر ط١ ٢٠١٣م

وكأنَّ بمقدورك قتل الوقت

بدون جرح الأبدية

هنري ديفيد ثورو

١١ ولدن

 “هذا النص لا يمكن أن يكون صادقاً.. إن نص والدن كذبة

هيو سلفرمان

١٥١نصيات

١- بين الرمال والبحيرات

    على وشك أن تغرب شمس أحد أيام فبراير ٢٠٠٩، أنهينا نصب الخيام وآوى الطلاب والمعلمان في الرحلة المدرسية التي كنت، بمحض الصدفة، دليلها النفسي! في رمال الشرقية (رمال وهيبة)، وكنت أحمل معي كتاباً في قراءة النصوص عنوانه (نصيات) لأستاذ الفلسفة والأدب المقارن في جامعة نيويورك هيو سلفرمان، وقبل أن يحل الظلام انتحيت جانباً عن الضوضاء، محاولاً القراءة.

الفصل الذي كنت أقرأه كان عن كتاب (ولدن) وعن السيرة الذاتية التي كتبها ديفيد هنري ثورو لحياته في الغابة قرب بحيرة ولدن في بلدة كونكورد بولاية ماسيتشوسيتس من ١٨٤٥ إلى ٦ سبتمبر ١٨٤٧م، أما رحلتنا نحن في الرمال فكانت لطلاب الصف الأخير من طلاب المدرسة الأمريكية في مسقط! وكانت تمضي حسب خطة نسير فيها مع الطلاب بمرافقة الإبل لمن أراد الركوب منهم، أما البقية فعلى الأقدام من أول الصباح إلى الظهر حيث نرتاح قليلاً إلى العصر لمسيرة أخرى إلى قرب المغيب لمدة ثلاثة أيام وليالي، نعود بعدها إلى مخيم ألف ليلة وليلة. وقد عايشت نفس التجربة مع مجموعات أخرى مختلفة الأعمار والمشارب والجنسيات.

في تلك اللحظة من ذلك العام وقعت في غرام كتاب نصيات الذي كان بين يدي، وقد ميزت مع الوقت أن ذلك الهوى له سبب واحد هو كتاب (ولدن)، مع أن الكتاب يتعرض ببراعة لقراءة نصوص أخرى، لكتاب أكثر شهرة كهايدغر وسارتر وبارت ونيتشه وميرلوبونتي، لكن وحده كتاب ولدن رسخ في ذاكرتي، وبقي (ثورو) في أعماقي، تلك الذكرى (البرية) كانت نافذة على البحيرة، وبقيت أعواماً طويلة أذكره مع أصدقاء ربما لديهم أكثر من ذلك الشاعر، وتلك التجربة.

عاد ثورو هذا العام ٢٠١٧م إلى ذاكرتي في جلسة قهوة صباحية مع الشاعر محمد الحارثي، حيث كان يقرأ في كتاب مترجم عن بعض المقالات الأمريكية التأسيسية، وقد شغف به هو الآخر، لكن من بوابة أخرى، لم أدرك لحظتها أنني على بعد أيام فقط من العثور على بغيتي، وأن تلك كانت البشارة.

دلفت مع الصديق عصام المعمري في زيارة أولى لمكتبة ٢٣ ٤ لصاحبها العزيز زكي الحجري في العامرات. انفتحت شهيتي لابتياع الكتب، وفي أعماق تلك البحار من الكتب التي من كل لون وثقافة، رأيت اللؤلؤة (ولدن) مترجماً. كم كان بودي أن أقف كما وقف الزمن، فوق تل وعرق ضخم من الرمال الزمنية لأرفع الكتاب عالياً من الفرح. قلت لحظتها: إني أنتظر هذا الكتاب منذ أعوام. وهكذا ابتعته. ما قيمة النقود أمام ما يهبه الكتاب؟ لا شيء، مجرد أرقام هبائية لتحقيق صيغة التبادل المتفق عليها، ورقة حمقاء أمام رزمة أوراق تحوي الجواهر.

 

٢- سيرة ذاتية أم كتاب آخر؟

(إن عملية الكتابة السِّيرية هي إنتاج نصّ سيري من جهة كونها تعارض من يكتب السيرة الذاتية بمن تكتبه السيرة الذاتية)

ص١٥٦، نصيات. سلفرمان

 

ما الذي يحويه هذا الكتاب، هل يمكن تصنيفه؟ صنفته دار الكتب والوثائق القومية المصرية تحت باب المذكرات، لا السيرة الذاتية كما طرحه سلفرمان، فهل يوافق ذلك، نوعاً ما، الاقتباس أعلاه من كتاب نصيات لسلفرمان الذي يصف هذا النص بأنه (كذبة)؟

للأسف فإن الترجمة التي بين أيدينا لا تعطي أي نبذة عن المؤلف أو قصته، بينما قصة ديفيد هنري ثورو هي أنه تلقى نصيحة من صديقة الشاعر ويليام تشانينج، بسبب حدة أفكاره في ذلك الوقت، بأن عليه أن يبتعد عن النظام والمجتمع ويعيش عزلته كي يُجوّد نفسه وأعماله، وقد سُجن ثورو ليلة واحدة؛ لأنه رفض دفع ضريبة الرؤوس المفروضة آنذاك، رفضاً منه للحرب الأمريكية المكسيكية وقانون العبودية، وكان ثورو أيضاً ضمن شبكة سرية تدل العبيد الفارين للطريق إلى كندا. هكذا خرج ثورو من النظام الذي كان يجرف الجميع. إنّ الذي حدث، بالتأكيد، هو أن رجلاً سكن عند البحيرة حتى تحول إلى بحيرة هو الآخر، والبحيرة كتبت كتاباً وأسمته والدن.

بنى ثورو كوخه الخشبي قرب البحيرة، وقد أعيد تصميم الكوخ مجدداً مع تمثال له، قرب بحيرة ولدن، والاسم (ولدن) يعود لفتاة هندية من الهنود الحمر، تحتضن البحيرة ذكراها وذكراه مثلما يحتضن هو ذكراها في كتابه، لكن حين يقول سلفرمان عن الكتاب أنه كذبة، فذلك لأنه يبحث فيه عن سيرة ذاتية يفترضها باستقراء العنوان الفرعي (الحياة في الغابات) وهو عنوان الكتاب الفرعي في أصله الانجليزي ولم يرد في الترجمة العربية، وذلك يعتمد على مقاييس الفهم التي تفترضها أية قراءة في النص المقروء، في حين أن ولدن كتاب مفارق، ليس عن تجربة العيش قرب بحيرة، بل عن تحرير الإنسان. ولا أعرف ما هو التصنيف المناسب، وفق النظام الفهرسي، لمثل هذا الكتاب! فالكتاب مثل صاحبه، يرفض الرضوخ للنظام البشري، وينساق بكل طواعية، بل وبلذة نفسية واضحة، لنظام الطبيعة: النظام الخالد.

 

٣- كم رجلاً أرخ عهداً جديداً لحياته عقب قراءة كتاب؟ ٨٤

 

إذا كان غاندي قد عزم في قرارة نفسه على تحرير الهند من الإحتلال الانجليزي بعد قراءة هذا الكتاب، فما هي الهند التي عليَّ تحريرها وقد امتلأت بإشراقات هذا الكتاب؟

وقفت زمناً أمام البحيرة المشرقة، وعرفت الطريق عبر الغابة، غابة كونكورد، مثلما عرفت الطرق عبر عروق رملة وهيبة، وأدركت وأنا أنظر إلى العذوبة الصافية أن عليَّ أن أؤرخ عهداً جديداً لحياتي، ذلك أن الماء الذي شربته من هذه القراءة سار بي في أعماقي، أبصرت نفسي في البحيرة مثلما أبصرت عالمي، مثل النرجس في الأسطورة، بصفاء جديد.

سأتبع البحيرة، والشعر العظيم، في مادته الخام، كأفكار خالصة، قبل أن يسبك، هذا الذهب الإبريز. كان سلفرمان يبحث عن السيرة الذاتية في هذا الكتاب، لكنه لم يجد الكثير. مجرد حصى. لذلك قال أن هذا النص كذبة، وسار عنه. أما القارئ المتعمق، فسيعثر على تلك الجواهر الأبدية المتعالية على الزمان والمكان في هذا النص الخطير:

“هل من الممكن أن تحدث معجزة أعظم من قدرتنا على التطلع لأعين بعضنا البعض لمجرد لحظة؟ ينبغي علينا أن نحيا في كل عوالم العصور، التاريخ، الشعر، الأسطورة، لا دراية لي بأي نصٍّ يتناول تجربة شخص، أكثر إجفالاً وتثقيفاً من هذا النص.” ص١٢

ربما يعني ثورو هنا نص العيون، لكن يمكن أيضاً أن نسحب هذا الكلام على البحيرة، أعني نصه هو (ولدن) لأنه أيضاً بنفس الدرجة من الإجفال والتثقيف، ليس كذبة بل بحيرة، استطاع ثورو أن يقطّر لنا منها أسئلة الإنسان الأساسية، احتياجاته الحقيقية، قيمة الحياة والزمن. هذه أشياء تعرفها وتحتاجها القلوب الذكية. هكذا سنجد أن اقتباسات ثورو ستكون من كونفوشيوس، من المهابهاراتا والشعر، يكتب عن أشياء حميمية، عن أسئلة حقيقية عميقة تمسنا، نبي معاصر، وككل نبي، يحتاج الأمر إلى إيمان حقيقي، أكثر من كل شيء آخر، بالقلب، لا بالعقل الجدلي.

 

“في أي جو، أي ساعة، من النهار أو الليل، تولتني اللهفة على اغتنام اللحظات الحرجة وحفرها أيضاً على عصاي، اللهفة على الوقوف عند ملتقى أبديتين، الماضي والمستقبل، اللحظة الحالية بالضبط، سوف تغفر لي بعض النقاط الغامضة، إذ تحوي مهنتي أسراراً تفوق أسرار مهن أخرى، إلا أنني لن أخفيها طوعاً، وإخفاؤها يلازمها بحكم طبيعتها هي، أما أنا فيسعدني أن أبوح بكل ما أعرفه عنها، ولن أكتب على بوابتي قط “ممنوع الدخول” ١٧

 

٤- بحيرة الحياة

 

كتاب ولدن عن الحياة في الغابة، هل نعرف الغابة الحقيقية؟ عن بحيرة؟ فهل نعرف حقيقة البحيرة؟ لننظر عن أي شيء يتحدث ثورو: “ينشغل أغلب الرجال تمام الانشغال.. بسبب الجهل والخطأ، بما يداخل الحياة من هموم مصطنعة وأعمال قاسية لا ضرورة لها، حتى أنهم لا يقطفون ثمارها الرائعة بأنفسهم” ١٠. ألا يتحدث هنا عن الرجال والنساء وكل من هو منخرط في نظام الأعمال، السخرة المعاصرة، ولنتمعن: “الفرد العامل لا تتاح له الفرصة ليكتمل اكتمالاً حقيقياً. لا يسعه أن يعزز العلاقات بين البشر فسوف تنخفض قيمته في السوق، لا وقت لديه، إلا أن يضطلع بدور الماكينة، كيف يسعُ من يضطر كثيراً إلى استغلال معرفته أن يتذكر حقاً جهله؟ ذلك الجهل الذي يتطلبه (تطوره).” ١٠. من لا يعرف هذا النوع من المكائن البشرية، وتلك المكائن العاطلة أيضاً التي تنتظر دورها، أو تلك المرمية تقاعداً في ساحات المصانع.

 

“تتحدثون عن ألوهية البشر؟ أنظر إلى السائق في الطريق العام، هل تنبع منه أية ألوهية؟” ١١.

أدقق في عيون الناس، الكامنين في بيوتهم، المحتمين من وحش ينهشهم كل يوم، وربما سعوا مؤخراً لتقديم أبنائهم لنفس الوحش: “يأخذ عدد كبير من الناس حياة من اليأس الصامت، وما يطلقون عليه (ترويض النفس) ما هو إلا يأس مؤكد، تنتقل من المدينة اليائسة إلى البلد اليائس.. بل هناك يأس مقولب، غير واع، يتوارى أسفل ما يسمى ب(ألعاب البشرية) وتسلياتها، لا لهو فيها، فهي تعقب العمل، أما الجدير بالحكمة ألا يقدم المرء على أفعال تشي باليأس” ١١

 

٥- البحيرة الأساسية

نتسائل ما الذي جرى للناس؟ أين أسلوبهم في الحياة؟ “يبدو كأن الناس اختاروا عن عمد أسلوب الحياة المبتذل، لأنهم آثروه على أي أسلوب آخر، ومع ذلك يعتقدون حقاً أن لا خيار لديهم”

هل من طريق للخروج؟

“ولكن الطبائع المعافاة تتذكر أن الشمس تشرق ساطعة.. لم يفت الوقت” ١١

هذا النقاء وهذه العذوبة والصفاء تدهشك وتقودك نحو بحيرة أساسية ومبدئية قديمة لعلك لم تزرها منذ زمن بعيد، متى كانت آخر مرة ذهبت إلى تلك البحيرة؟ ربما منذ الطفولة، عبر ولدن سيهب عليك من تضاعيف الكتاب هواءٌ صافٍ منعش يحتاجه كل واحد منا، كي يعيد لذاكرته أسئلة وأجوبة فقدها تحت نير العبودية المتضاعف، والتي قتلت أحلامنا الحقيقية، واستبدلتها بأحلام من خشب، دمى أحلام، نلهو بها، عن أحلامنا الحية الحقيقية، تلك التي حاولنا قتلها ووأدها خلف جدران بيوتنا.

“إن أعظم ما تحتاج إليه أجسامنا هو الدفء، الحرارة الحيوية في باطننا” ١٥

 

٦. عمق البحيرة

لا، بل يجب عليَّ تحرير الهند، أنا أيضاً، الشرقي الذي يصله هذا الضوء من الغرب النائي، المتواري في أعماق غابات كونكورد الأمريكية، إن الكتابة الحية التي يطالب بها ثورو كل من يكتب (لكتابة تاريخ العواصف) متحققة في مقاطع كثيرة من كتاب ولدن، ويمكن إحصاء تدفق الإشراقات المتتالية، أكثر من شروق في الصفحة الواحدة أحياناً، متكئات وطاولات وكراسي وزعها هنري لنتمكن من القعود عليها والتأمل طويلاً في ذلك الصفاء الذهني، الصفحة الروحية، والحب الكبير، المنعكس على بحيرة القلب.

إذا كانت البحيرة هي أجمل منظر طبيعي كما وصفها ثورو، فإن كتاب ولدن هو صيغة خالصة نقية وباهرة من سحر جمال البحيرات الطبيعي منعكساً في نص. بحيرات جمال يمكن لكل قارئ أن يقيس أعماقها بأصابع بصيرته، وهو يقرأ.

 

٧- فضح الوهم

نهار ثابت في كتاب، لوحات من الحكمة الصادقة والجمال والفضيلة. تلك هي البذور التي ظن ثورو أنه فشل في استنباتها في حقل الإنسان. لقد استقبل كتابه ببرود شديد، عدا حماسة أصدقائه المقربين، وإلى اليوم يجري التعامل معه ككتاب حول الطبيعة والبيئة، وليس كما هو كشفٌ أصيلٌ وحقيقيٌ. السبب واضح؛ لأن الكتاب يفضح كذبة الحياة التي يحياها الإنسان، يعريها بعبارات من مثل:

“يمكن اعتبار وسائل الترف والرفاهية عوائق أكيدة تحد من سمو البشرية” ١٦

“الحكماء يأخذون دوماً بأسباب حياة تتسم بالبساطة والتقشف، فيتفوقوا بذلك على حياة الفقراء.. ولا مخلوق أغنى منهم روحياً” ١٦

يفضح ثورو الكسل، والبرود الذي نتعاطى به مع حياتنا، يقيس حرارة الحياة فينا، في حكمائنا، هل نحن أحياء حقاً أم موتى؟

“كيف بمقدور الإنسان أن يغدو فيلسوفاً دون أن يصون حرارته الحيوية بوسائل أفضل من الآخرين؟”١٦

 

٨- الكتاب الحقيقي دليل إلى الحقيقية

أسأل نفسي هل فاتتني قراءة هذا الكتاب في حيواتي السابقة؟ لأن الوقوع في غرام كتاب يليق بك أمر لا يمكن نسيانه، منذ متى لم يحدث هذا؟ أن تقطع في كتاب واحد ملايين السنوات الضوئية في الفضاء نحو بحيرة المعرفة؟

يحدثونك عن الأسلوب، عن القواعد، عن بروتوكولات ونظام وطريقة وكيفية، يكثرون الحديث عن الشكل وينسون الروح.

إذا كنت تبحث عن كتاب شكلي وقراءة شكلية وفق النمط، واستعراض شكلي بلا مضمون، وكمٍّ من المعلومات المكدسة الباردة بلا حرارة الحياة، لا تقرأ هذا الكتاب لأنك ستظنه خدعة، كذبة حسب سلفرمان، لكن إن كنت تستطيع الشعور بالدفء في قلبك وأنت تقرأ، بعيونك الروحية، فهذا كتاب البحيرات المقدس.

يحررك هذا الكتاب من قيود ما كنت تشعر بها من قبل ويدلك على الحقيقة:

“يحسب الناس الحقيقة بعيدة، في ضواحي الكون، خلف النجم القصي، قبل آدم، بعد الإنسان الأخير. ثمة شيء صادق ومهيب فعلاً يساور الخلود، ولكن كل هذه الفترات والأمكنة والمناسبات موجودة الآن، يبلغ الله نفس الأوج في الحاضر، ولن يصبح أكثر قداسة مع انقضاء العصور.” ٧٦

 

٩- صباح في كتاب

أعد تنصيب نفسك كل صباح، اقرأ مديح هنري ثورو للصباح.

“كل صباح دعوة بهيجة لجعل حياتي تتحلى بسهولة وبراءة الطبيعة ذاتها” ٧١

“الصباح ساعة اليقظة، يصحو جزء منا لمدة ساعة على الأقل، وبعدها ينام بقية النهار والليل”

إقرأ هذا العمل الذي كما يصف ثورو أعمالاً أخرى “في نقاء الصباح ورسوخه”، إذا كان للصباحيين كتب مخصصة فهذا الكتاب أحدها ولا شك، لأنه يعيد تعريفك بحياتك بعمق، على القيمة الحقيقية لمعنى أن تكون حياً. كي تحيا بحواسك بكامل فعاليتها وتكتشف مداك الشاسع، وليس بطريقة القطيع، وحين يذهب القطيع إلى المرعى كل صباح، انتحِ جانباً وارفع رأسك وانظر لهذا الأفق الشاسع الذي فتحه لك هذا الكتاب، اقرأه بحقيقة القراءة ولا تكن كالقراء الذين يصفهم ثورو:

“يطالعون الرواية بعيون كالفناجين، بفضول قائم بدائي، بأحشاء لا تتعب، والنتيجة تبلد البصر وركود في الدورة الدموية، والإغماء الشامل، والافتقار إلى كل القدرات الفكرية” ٨٤

“ما يطلق عليهم “قراء جيدين” لم يطالعوا خيرة الكتب” ٨٤

 

١٠- القراءة الحقيقية

كل قارئ حقيقي ما يزال حياً ويستطيع القراءة عليه أن يقرأ هذا الكتاب، لأنه كتاب عن الحياة، عن حياتنا ومعضلات القافلة البشرية والمتاهة التي يجد فيها الإنسان نفسه وكيف يتحرر، كي يمكنه التمييز بين الخداع والواقع ويحترم المحتوم والحقيقي لا الزائف ص٧٦، فما نفع القراءة إن لم تكن كشفاً حقيقياً لحياتنا ووجودنا عبر البحث عن: “كلمات تتعالى عن تفاهة الشارع، لتصير اقتراحات وأفكار محرضة أبدية” ٨٠.وما فائدة القراءة إن لم تكن فعلاً حقيقياً بروح حقيقية:

“قراءة الكتب الحقيقية بروح حقيقية، ممارسة نبيلة، تعهد إلى القارئ بمهام أكثر من أي ممارسات تسمح بها عادات اليوم، تتطلب تمرينات، عزماً مطرداً طيلة الحياة من أجل تحقيق هذا الغرض” ٨٠

 

١١- مهمة الحياة النبيلة

على الإنسان الحقيقي مهمات عظيمة في حياته، يجعله أداؤها أكثر خفة وتحرره، بينما استسلم الإنسان للمهام البائسة الرخيصة، بدل أن يفهم وجوده حقا: “يتألف عقلي من يدين وقدمين. أشعر بخير قدراتي مركزة كلها فيه” ٧٨، ويصطاد في مكان الصيد الحقيقي بدل المستنقع:

“أصطاد في السماء، فقاعها مفروش بالنجوم” ٧٧

فإن الحياة أيضاً إمكانية للخلود:

“حين نتعامل مع الحقيقة، نحن خالدون” ٧٩

هذا كتاب نبيل ومدهش، ويحوي جواهر حقيقية إذا أدركنا قيمته، وقيمته كامنة بين الطين ودروب القرية والبحيرة والحقل: “تقبع أنبل الكلمات المكتوبة خلف اللغة المتكلمة الزائلة، كالسماء بنجومها خلف السحب، هناك النجوم وهناك من بمقدوره قراءتها” ٨١

 

١٢- احلم احلم

قيل أنه كتاب حالم، لكاتب حالم، لكن الحالمين وحدهم يدركون مدى القوة التي يستمدونها من الحلم، والحالمون وحدهم من يزينون هذا العالم الذي لو تركوه للمثبطين والبائسين لتحوّل إلى جحيم، كما هي صورهم المفضلة لما يسمونها لعنة الحياة، بينما الحالمون وحدهم هم الإثبات الواقعي على الجنة. انظر إلى البدوي في رمله أو أمام بحره، وللشاوي في قمة جبله، وأعرف أن البرية التي يمتدحها ثورو لا زالت موجودة وتقاوم أودية الجحيم التي يصرخ الغارقون فيها طلباً للنجاة، أرى قطعانهم تمر أمام بيتي في رحلات نهاية الأسبوع ليبردوا جمرتهم الحارقة في مياه البرية، مياه الأحلام البسيطة التي صارت صعبة المنال.

إن كل المبادئ التي أؤمن بها يضعها هنري ديفيد ثورو ببساطة هنا، في بحيرة كتابه هذا:

“تعلمت بالتجربة: لو تقدم المرء واثقاً باتجاه أحلامه وسعى إلى الأخذ بأسباب حياة تخيلها، سوف يقابل نجاحاً لا يتوقعه، ستشرع قوانين كونية أكثر تحرراً في ترسيخ نفسها حوله وفي باطنه، بنظام أسمى للموجودات، كلما بسط حياته تراءت قوانين الكون أقل تعقيداً.. لو بنيت قصوراً في الهواء فلا يضيع عملك، ذلك مكانها، ضع الآن الأسس تحتها” ٢٥٤

 

١٣- قرون الشيطان اللامعة

أفكر في المرأة التي تشتكي من أنها أفنت حياتها في أعمال البيت اليومية وأقرأ ثورو: “آه العناية بالمنزل، الحفاظ على مقابض بيت الشيطان لامعة وفرك أحواضه في النهار المشرق: الأفضل أن لا يمتلك الإنسان منزلاً” ١٧٩ إذا كان المنزل سيضيع حياتنا فمن الأفضل أن لا نمتلكه أصلاً، فهل نستوعب نحن ذلك؟ اجتماعياً؟ هل نستوعب أن ثورو كان يدعوا الناس في كونكورد ليتشبهوا بالعرب والهنود في أثاثهم؟ هل نتذكر بساطة أثاث أجدادنا ومنازلهم مقارنة بما نسميه (تحضراً) باهض الأثمان، والسفن المحملة بالأثاث قادمة من الصين متجهة إلى الخليج العربي (الجديد). بين القصور الفارهة، وأشباهها، والمجالس الفخمة الخالية من الضيوف، صارت مرتعاً لضيوف آخرين من العناكب والحشرات.

“الحقيقة كلما ازداد ما تملكه من أثاث ازداد فقرك” ٥٤

 

١٤- حياة من المياه

تشبه الحياة فينا المياه، يشبّه ثورو الأفكار بقطع احتجزها التيار في مناطق بلا موانئ ولا سواحل تصل منها إلينا، لذلك ركدت مياهنا، صرنا متضجرين: ثمة تدفق متواصل من الجدة في العالم ومع ذلك نضجر بشكل عصي على التصديق ٢٦١، صرنا محتاجين أكثر فأكثر إلى أن: “نشهد تخطي حدودنا، حياةً ترعى بحرية في مكان لا تجول فيه على الإطلاق” ومن المحزن أننا نمنع حياتنا من أن تجري في مرعى حبها ذلك.

بلغت بي الحيرة مبلغها وأنا أكتب محاولاً أن أنتقي من بين البحيرات الصافية النقية ولآلئها التي وضعها ثورو في كتابه هذا، ربما لم أكن أصدق تماماً قبلها أن وضع بحيرة واحدة ممكن في كتاب وغير مستحيل، قبل أن أقرأ وأرى هذا الكم من البحيرات النقية تتلألأ في كتاب ولدن. والتي يمكنني رسم خارطة جغرافية لها. لو كان بودي لما توقفت عن الكتابة عن هذا الكتاب حتى آتي على كل الاقتباسات التي كتبتها أثناء قراءتي، أو حصر المواضيع التي جرى الحديث عنها، لكن لأتوقف أخيراً لأن الكاتب لا يملك غير أن يشير فقط، وللإشارة تكفي التماعة. لذلك أختم بهذا الاقتباس الشعري لهذا الشاعر الأمريكي الرائع حقاً:

 

“قطرة الله: ليس حلمي/ تزيين صنارة/ لا يسعني أن أكون أقرب إلى الله والفردوس/ أكثر من حياتي في (ولدن)/ إنني شاطئها الحجري/ والنسيم المار فوقها/ في تجويف يدي/ ماؤها ورمالها/ وملجئها الأعمق/ يكمن عالياً في فكري” ١٥٤.

0 1941 02 أبريل, 2017 الثالث والثمانون, ثقافة وفكر أبريل 2, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.