الفلسفة ومفهوم الصراع: نظرة تحليلية

لـ

 

لا شك أن الفلسفة تمثل النهر- الذي لا يجف أبدا- والذي يستمد منه المفكرون روافدهم الفكرية. فعبر التاريخ سنجد ان هناك العديد من الأفكار الفلسفية التي ساهمت ليس في رسم الثقافة المجتمعية فقط للفيلسوف ولكن في رسم الثقافة الإنسانية ذاتها. ومن هذه الروافد الفكرية التي لعبت دورا هاما في تشكيل التراث الإنساني فكرة الصراع. ويعرض هذا المقال تاريخ هذا الصراع وأثره في تشكيل الثقافة الإنسانية في عصرنا الحالي. تبدأ فكرة الصراع مع الفيلسوف الإغريقي هيرقليطس Hercules   الذي سعى إلى تفسير الكون ونشأته من خلال مبدأ  طبيعي- النار-  يستطيع من خلاله تفسير الكون. ولهذا فقد اعتبر أن التغير الدائم هو أصل الكون وذلك من خلاله عبارته الشهيرة” انك لا تنزل النهر مرتين” تعبيرا يعكس فكرته عن التغير الدائم ففي كل مرة تنزل فيها للنهر يغمر جسدك مياه مختلفة عن تلك التي غمرتك في المرة السابقة. فكل شيء في هذا الوجود في حركة مستمرة و تغير، ومن ثم فإن الحقيقة الأساسية في الوجود هى الصراع. وعلى الرغم من أن الصراع هو الحقيقة فإن الانسجام يتولد من رحم المتناقضات. بمعنى أن الصراع يفترض الانسجام والاتساق.

ومن الفلاسفة الإغريق الذين تحدثوا عن فكرة الصراع إيمبيدوكليس Empedocles وهو صاحب نظرية العنصر الأربعة، الماء والهواء والتراب والنار في تفسير الكون. وعلى النقيض من هيرقليطس الذي زعم أن الحركة والتغير هو الوجود واللاحركة والسكون هو العدم؛ فإن إيمبيدوكليس يزعم أن الوجود هو نوع من الانسجام بين هذه العناصر الأربعة ومن ثم فلا حديث عن العدم.  فكلا زيادة ونقصان مرجعه إلى درجة الانسجام بين هذه العناصر الأربعة، ولكن هذه العناصر في حاجة إلى قوة تحركها ولهذا افترض قوتي الحب والكراهية. فعندما تسود قوة الحب يحدث انسجاما ونموا وازدهارا في الطبيعة و على النقيض عندما تسود قوة الكراهية يحدث صراع ونقص وانهيار في الطبيعة.

النموذجان السابقان يستعرضان فكرة الصراع كمبدأ لتفسير الوجود وهنا وظفت الفلسفة بطريقة ابستمولوجية محضة لتفسير ما هو أنطولوجي (وجودي) . ولكن السؤال هل فكرة الصراع تستخدم فقط لتفسير نشاة الكون وفهم حركة الطبيعة؟ سعى الفكر الفلسفي إلى تقديم تصورات أخرى لفكرة الصراع تتعدى المجال الأنطولوجي إلى المجال البولو-ديني Polo- religious بمعنى أن الفكرة لم تقتصر على الجانب الأنطولوجي فقط بل تجاوزتها إلى محاولة تقديم تفسير أنطولوجي ذي دلالات سياسية و دينية. ومن الفلاسفة الذين أخذوا فكرة الصراع كوسيلة لغزو هذا البعد الجديد الفيلسوف الألماني هيجل  Hegel الذى كان له اهتمامات سياسية انعكست بدورها على تحليلاته الفلسفية. فكيف وظف هيجل الصراع للدفاع عن أيدولوجيته؟ ولهذا فإن هيجل بدأ بما هو فلسفي  وانتهى إلى ما هو سياسي-ديني. باعتباره أحد فلاسفة المثالية الألمانية فانه يعطى الأولوية للفكر عن المادة ولهذا اتخذ من فكرة المطلق  Absolute عنوانا لفلسفته ولكن هيجل لا يكتفي بالفكر كغيره من الفلاسفة المثاليين ولكنه يسعى إلى تطبيق هذا الفكر على الواقع و يشكل الواقع في ضوء الفكر، ولهذا أطلق على فلسفته المثالية الموضوعية   Objective Idealismلقد تمثلت الحجة الرئيسية لهيجل في محاولة الهبوط بالفكر من أجل أن يتجسد في الواقع و يشكله. بكلمات أخرى: سعى هيجل لإثبات أن المطلق وهو الإله المفارق استطاع أن يتجسد في الواقع وذلك عبر سلسلة من التجليات وكانت أداته في إثبات هذا التجسد بين الفكر والواقع ما عرف بالمنطق الجدلي أو بالمنطق الديالكتيكي. وهو منطق يقوم على الحركة المستمرة واللامتناهية بين الأضداد أو المتناقضات. بعبارة أخرى: إن الفكر في حركة تطوره ينتقل من فكرة  إلى نقيضها ثم  يتكون اتحاد بين الفكرة ونقيضها لتمثل فكرة جديدة ما يلبث أن يظهر لها نقيض ثم يتشكل مزيج من الفكرة و نقيضها، وهكذا في رحلة لانهائية من سلسلة التطور لا تتوقف بفضل هذا المنطق الجدلي.

فما ينطبق على الفكر ينطبق على الواقع ومن ثم فإن الروح المطلق يسعى إلى التجسد في الواقع من خلال حركة جدلية ينتقل فيها عبر الحضارات المختلفة الهندية باعتبارها حضارة عملية واليونانية باعتبارها حضارة فكرية والمصرية القديمة باعتبارها مزيجا بين الحضارتين اليونانية والهندية . وهكذا يستمر تجسد الروح المطلق عبر الحضارات إلى أن تستقر به الحركة في بروسيا أو في ألمانيا موطن هيجل.  وهنا يسعى هيجل إلى أن يأخذ تناقضات الحضارة ويضعها في سياق جديد يتصف بالوحدة والعقلانية الشاملة من خلال فكرته عن الفكرة المطلقة أو  Absolute Idea وهذا ما عبر عنه في كتابه Phänomenologie des Geistes أو ظاهريات الروح. فقد أوضح هيجل  أن الوحدة تتطور عبر التناقضات المستمرة؛ عليه كيف تنعكس الأيديولوجية على فكرة الصراع؟

لاشك أن هيجل يعد رائدا في مجال استخدام الفكر الفلسفي-تحديا مفهوم الصراع- وتوظيفه بما يخدم أيديولوجيته السياسية والدينية، وعلى الرغم من أن المبدأ الذى اعتمده في تبرير فكره يقوم على الجدل الديالكتيكي  ذي الطبيعة المستمرة والحركة اللانهائية فإن هيجل يرتكب خطأ متعمدا بأن يثبت حركة الروح المطلق ومن ثم يوقف حركة الجدل في لحظة تاريخية يتوقف معها التطور. فما مدى منطقية غلق المذهب المتطور عند لحظة معينة؟ و بهذا قدم هيجل نموذجا للأيديولوجية المتطرفة التي سيفرزها الفكر المعاصر والتي اتخذت من فكرة الصراع وسيلة للدفاع عن أيديولوجيات متعصبة كما سنوضح ذلك لاحقا.

ومن التوظيف السياسي- الديني  لفكرة الصراع ننتقل سريعا إلى التوظيف الاقتصادي لفكرة الصراع من خلال الماركسية وفكرة الصراع بين الطبقات، التي أوضحها كارل ماركس في كتابه رأس المال ونقد الاقتصاد السياسي Das  Kapital, Kritik der politischen Ökonomie فماركس هو الآخر يسير على نفس منهج هيجل في التحليل حيث يرى أن التناقض والصراع هو المحرك للتطور، فقد سعى ماركس إلى تحليل عملية الإنتاج وقوة الإنتاج وعلاقتهما بالطبقات الاجتماعية  Social Classes . فالعلاقة الأساسية للإنتاج في المجتمع الطبقي تقوم على وجود جماعة تملك وسائل الإنتاج وتحقق الربح،  وهى جماعة الرأسماليين وجماعة أخرى لا تملك سوى قوة العمل الذى تقدمه في العملية الإنتاجية وهى طبقة العمال. إن ثمة صراع يجب أن ينشأ بين تلك الطبقتين: طبقة  البورجوازية ” الرأسماليين” وطبقة البروليتاريا ” العمال” . ويذهب ماركس في حجته إلى أن الوضع الطبقي ليس هو المسؤول وحده عن عدم المساواة الاقتصادية بين الطبقتين ولكنه مسؤول أيضا عن كافة أشكال عدم المساواة الأخرى خاصة القوة والسلطة والنفوذ.  فإذا كانت الطبقة البرجوازية المسيطرة قد كونت النظم الاجتماعية سياسية و قانونية التي تدعم بها مصالحه الاقتصادية وتحافظ عليها؛ فإن طبقة العمال المقهورة تسعى إلى تكوين وعي بمصالحهم المشتركة وبفضل هذا الوعى الطبقي class Consciousness  وبهذا يصير الصراع  صراعا حتميا بين الطبقتين بهدف تملك الطبقة العاملة أدوات الإنتاج. وعندما تصبح ملكية وسائل الإنتاج في أيدي الطبقة العاملة  وتصبح وسائل الإنتاج ملكية جماعية فسينتهي الصراع الطبقي وينتهي المجتمع الطبقي ليحل محله المجتمع اللاطبقي حيث لا أثر للصراعات أو التناقضات.

وهنا ينتهي ماركس كما انتهى هيجل  حيث إنه أنهى الصراع الطبقي عند مرحلة تاريخية معينة وهى تلك التي تنتهي بتملك الطبقة العاملة لوسائل الإنتاج وبهذا يرتكب ماركس خطأ منهجيا- كهيجل -وذلك بتثبيت حركة تطور المجتمع عند لحظة تاريخية معينة وهى اللحظة التي يتملك فيها الجماهير أدوات الإنتاج. والسؤال الآن هل يمكننا فقط أن نرى الصراع مقيدا فقط بالتوجهات الخارجية سواء كانت دينية، سياسية، اقتصادية أم أنه يمكن أن يكون داخل الإنسان. بعبارة أخرى: هل يظل الصراع خارجيا أم أنه يمكن أن يفهم بطريقة داخلية؟

وهنا نرى سيجموند فرويد  Sigmund Freudعالم النفس النمساوي ومؤسس نظرية التحليل النفسي هو أشهر من عكس مفهوم الصراع النفسي. حيث أوضح أن الصراع  النفسي هو نوع من الصدام بين رغبات الفرد وغرائزه وبين بيئته وما تتضمنه من قوانين وتعاليم وأخلاقيات. ويظل المرء في هذه الحالة من الصراع بين رغباته وغرائزه وقيم مجتمعه وتعاليمه وضميره. إنه صراع بين الشعور باعتباره مجالا ظاهرا للجميع وبين اللاشعور وهو المجال الباطني الذى يعد محركا أساسيا لسلوك الأفراد، وقد أوضح نماذج لهذا النوع ن الصراع في كتابه  The Interpretation of Dreams  تفسير الأحلام . ولهذا قسم فرويد الشخصية الإنسانية إلى ثلاث بناءات أو كيانات أساسية( الهو- الأنا- الأنا الأعلى). والصراع عند فرويد يأخذ صورا عديدة  كالصراع بين الحب والكراهية أو الغيرة لأحد الوالدين ( عقدة أوديب وعقدة الكترا) وأهم هذه الأشكال من الصراع هو القائم بين الرغبات والغرائز وبين الواقع والقيم. وحيث إن هذا الصراع هو صراع أبدي وحتمي  فقد افترض فرويد مجموعة من الميكانزمات النفسية التي تسمح بالتنفيس عن هذا الصراع بطريقة لا شعورية. بمعنى آخر تحاول الأنا خداع ذاتها بالتنفيس عن غرائزها بطريقة غير مقصودة حتى لا تقع عرضة للوم أو لنقد من قبل الأنا الأعلى، من خلال التنفيس عن هذه الرغبات المكبوتة عبر الأحلام أو زلات اللسان وغيرها. لقد ركز فرويد في تناوله لمفهوم الصراع حتميته كما أنه جعل هذا الصراع مفتوحا ولم يغلقه كما فعل هيجل وماركس. فالشخص في حالة من الصراع المستمر من أجل إشباع غرائزه ولكنه يصطدم دائما بالقيود المفروضة عليه من ضميره وقيم مجتمعه و لهذا يستمر في صراع مفتوح أملا في إشباع هذه الغرائز حتى ولو بطريقة غير مباشرة عن طريق آليات أو ميكانزمات الدفاع.

ولكن السؤال الآن كيف يلعب مفهوم الصراع دورا هاما في تشكيل عالمنا المعاصر؟ وهنا نرجع إلى فكرتنا التي طرحتها في بداية المقال، إن مفهوم الصراع أصبح مفهوما خطيرا يشكل الحضارة الإنسانية المعاصرة وذلك بتضخيم الأنا  الحضاري في مقابل الآخر الحضاري. بعبارة أخرى، إن شكل الصراع في نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الجدية تمثل في الصدام بين القيم الثقافية التي تفرزها الحضارات المختلفة, حيث إن مفهوم القوميات والصراع القائم بينها قد تلاشى-إلى حد كبير- مع نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي وتفكك الاتحاد السوفيتي إلى عدد من الدول واتحاد ألمانيا الشرقية مع ألمانيا الغربية  بعد أن سقط سور برلين. لقد سعى الفلاسفة والمنظرون السياسيون والاجتماعيون في تناول شكل العالم في المرحلة القادمة وانتهت تحليلاتهم وأطروحاتهم الفلسفية أن الصراع القادم سيكون صراعا حضاريا بين حضارات مختلفة ولكن الشكل المهيمن لهذا الصراع يتمثل بين الحضارة الغربية  بقيمها الليبرالية، الديمقراطية، التعددية، الفردية وبين الحضارة الإسلامية بقيمها المحافظة والمدعمة للتبعية والأصولية.

ولعل إبراز الكتابات المعاصرة ذات الطبيعة الفلسفية السياسية كتاب صامويل هنتنجتون Samuel Huntington صراع الحضارات The Clash between Civilizations.  فقد بنى هنتجتون مقولاته الفلسفية استقراء لحركة التاريخ المعاصر خاصة بعد الإبادة التي قام بها الصرب للبوسنة في أوروبا  و بحرب الخليج الثانية والتي كانت تمهيدا لتطبيق فكر هنتجتون على أرض العراق وما الحرب في أفغانستان ما هي إلا انعكاس لهذا الفكر القائم على الصراع. ولاشك أن تنامي الأصولية المسيحية الغربية في مقابل تنامى الحركات السياسية الإسلامية في العالم الإسلامي يمثل بؤرة صراع حاد قادم. ولا أحد يستطيع التنبؤ –في هذه اللحظة التاريخية الراهنة- أثر هذا الصراع على شكل الحضارة الإنسانية وانعكاساته عليها، وما هو نسق القيم الحضارية التي سيفرزها هذا النوع من الصراع الحضاري.   لاشك أن فلاسفة الإغريق كانوا أكثر حكمة عندما طبقوا مفهوم الصراع انطولوجيا لتفسير نشأة الكون و مبدئه؛ بينما وقع الأحفاد في خطأ ابستمولوجي إذ طبقوا مفهوم الصراع على الأنساق القيمية و المجتمعية و الحضارية.

0 4102 02 أبريل, 2017 مقالات, ملفات الفلق أبريل 2, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.