الأحزاب: هل أصبحت خيارًا حتميًا؟

مقدمة:

تفرض التحولات المختلفة التي تمر بها المجتمعات في مختلف أطوارها المتعددة، والمُتقلّبة، القيام بعملية تحديث للمنظومات القانونية والتشريعية والمؤسسات السياسية بما يتناسب مع هذه التحولات التي يعيشها أفراد المجتمع، وبما يحُقق السلم الداخلي لكل تجمع بشري على حدة، أو كما نقول بلغتنا المعُاصرة لكل دولة على حدة، حيث نجد على مرّ التاريخ، وتحديداً في جانب التاريخ السياسي قيام واستحداث الكثير من المؤسسات المختلفة، التي تهدف لتحقيق الكثير من الأهداف في الحياة العامة، وذلك لتلبية الهزات العميقة التي تأتي بسبب هذه العمليات التحديثية؛ ذلك أن هذه العمليات الأخيرة لم يعد من الممكن رفضها، أو تجنبها، فهذا الموقف الانعزالي يعُبّر عن تناقض داخلي في صلب الأنظمة الرافضة له، وفي نفس الوقت الاستفادة من منتجات سياسية، وإجراءات رقابية أخرى.

تتطرق هذه الورقة لموضوع الأحزاب ودورها في التحديث السياسي، أو بلغة هنتنجتون في “الاستقرار السياسي”([1]) تجاه عمليات التحديث المختلفة التي تعيشها المجتمعات وإمكانية قيامها بذلك، ذلك أنها تُقدم الكثير من الفرص المختلفة في الحياة السياسية بشكلٍ عام، وهي تعتبر على المستوى السياسي المعُاصر نمط الحُكم الأكثر انتشاراً والأكثر فعالية على حدٍ سواء.

الأحزاب والمؤسسات التقليدية:

تعتبر الأحزاب بمثابة حلقة في سلسلة تطور الفكر السياسي، ففي العالم السياسي المعُاصر أو ما يتم وصفه دائماً بالدول الديمقراطية نجد أنها تُدار بالنظام الحزبي، حيث تتكون بعضها من حزبين كما هو الحال في الديمقراطية الأمريكية، أو بنظام التعدد الحزبي كما هو الحال في كثير من الدول الأوروبية وفي أمريكا اللاتينية وغيرها، أو نجد لدى البعض وربما نادراً نظام المرشح الفرد المستقل، غير أن هذه التنظيمات لم تولد فجأة، بل جاءت نتيجة لمسار سياسي وتاريخي طويل، فالأحزاب تأتي كبديل عن المؤسسات التقليدية: العائلية، أو القبلية، أو الدينية، أو في الكثير من الأحيان التنظيمات الجهوية والمناطقية تلك التي تعتمد بشكلٍ أساسي على العوامل التقليدية في الانتماءات، حيث من الممكن وبوضوح شديد ملاحظة انتعاش الانتماءات النكوصية في البلدان التي تفتقد لنظام الأحزاب، وهذا يتضح بشكلٍ كبير في تلك الانتخابات التمثيلية التي تقام في الكثير من البلدان التي لا تستند إلى النظام الحزبي، حيث أنه ولأجل الظَفَر بنتائج هذه الانتخابات بكل ما تعنيه من مكاسب مادية، واجتماعية، ووظيفية محتملة، يتم مخاطبة أو توسل الخطابات الدينية، والقبلية، والعائلية، وغيرها، وهي تقوم في الجانب الآخر بما يشبه رعاية هذه الانتماءات والاحتفاظ به، بل والتحكم بآلياتها، دونما القضاء عليها، أو استبدالها بأخرى، “فالانتخابات دون أحزاب تعيد إنتاج الوضع القائم، فهي أداة محافظة تضفي مظهر شرعية شعبية على الأبنية التقليدية والقيادة التقليدية”([2])، حيث تصبح هذه الشرعية الشعبية بمثابة الأرضية الخصبة للكثير من الولاءات التقليدية التي لا تتناسب مع التحديث المجتمعي الشامل، لكنها في المقابل تقدم خدمات كثيرة للمؤسسات التقليدية: السياسية والدينية والاجتماعية وغيرها، غير أن هذه الخدمات ليست مجانية فهي تضمن استمرار هذه الأنماط التقليدية المسيطرة من جهة، كما أنها تضمن تدفق المصالح المتواضعة، والمتفاوتة لهذه الانتماءات أو المنتمين لها، غير أن هذه العلاقة المثالية بين الطرفين لا يمكنها أن تستمر في ظل هذه التحولات المستمرة الذي تمر به المجتمعات، وهو ما سيكون موضوع الفقرة القادمة.

الأحزاب من الاستقرار السياسي إلى التحديث:

يفرز التحديث الذي يعتبر مساراً شبه حتمي في الكثير من المجتمعات مواضيع كثيرة لم تكن مطروقة في المجتمع، فهو يساهم في زيادة اهتمامات الأفراد من خلال ارتفاع المستوى التعليمي لهم، وتحسن المستوى المادي والوظيفي والمعيشي، الأمر الذي يؤدي لخروج الكثير من الفئات الاجتماعية من المستويات المعيشية الدُنيا ودخولها إلى المستويات المعيشية الأفضل، وهذا يؤدي بدوره إلى ظهور مجموعات جديدة باهتمامات مغايرة لم تكن متوفرة في المجتمعات التقليدية، كما أنه يؤدي إلى ظهور علاقات جديدة لم تعد تتماشى مع البنى الاجتماعية السابقة، وهذه العلاقات تتسم في الغالب بطابعٍ مهني، أو نتيجة للاهتمامات الجديدة، أو أنماط التفكير الجديدة، أي أنها ليست من النمط التقليدي، حيث أن هذه المؤسسات القديمة لم تصبح مهيأة بعد لاستيعاب هذه التحولات مما يولد نوعاً من التوتر بين هذه الجوانب المختلفة في المجتمع، وفي الغالب فإن هذه الاهتمامات تتركز في الجانب السياسي أو الاهتمام بالشأن العام، وهذا يعود إلى أن الشأن العام هو المدخل الطبيعي للإصلاح ولاستيعاب هذه الطبقات الجديدة بعيداً عن الثورة وما يصاحبها من توترات، وعنف يطيح بالأنظمة القديمة دونما الوصول لبديل مشترك يقوم على السلم والمشاركة السياسية. ولكي لا تشكل هذه المجموعات الجديدة مصدر قلق وتوتر عميق، يصبح من الضروري استيعابها، وتحقيق تطلعاتها، والاستجابة لطموحاتها الجديدة من خلال إنشاء مؤسسات سياسية قادرة على القيام بهذه المهُمة الضرورية التي تساهم في نقل المجتمع من المرحلة التقليدية إلى المرحلة الحديثة، غير أنه وفي المقابل من الممكن –كما يحدث لدى الكثير من أنظمة الحُكم الفردية والتقليدية– التعامل بالقوة والعنف مع هذه التحولات، وتشديد الرقابة الشاملة، وتحويل المجتمع إلى سجن كبير، تتحكم الدولة عن طريق الكثير من الوسائل بكل تحركات الأفراد، ومراقبة اهتماماتهم، وتتبع الأنشطة الفردية المختلفة، مما يؤدي للتنكيل بالأفراد وتهديد حرياتهم، ومستقبلهم الوظيفي والشخصي على حدٍ سواء.

لا يمكن النظر للتحديث هنا من الزاوية السلبية الصرفة، بل ينبغي للوقاية من هذه الرؤية توسيع المشاركة السياسية الشعبية في اتخاذ القرارات السياسية الفردية والجماعية، والإحساس بالقيمة الفردية في المجتمع، والتحول من الجانب الاستهلاكي والنفعي الطاغي الذي يرافق انعدام هذه المشاركة السياسية إلى الجانب الإيجابي، وهذا لا يحدث دون وجود مؤسسات سياسية تحتضن هذه الطاقات الناشئة، والقدرات الفردية والجماعية التي تتبلور بفعل الكثير من العوامل والظروف السابقة الذكر، ذلك أن الاعتماد على الجهود الفردية، لن تؤسس لوعي سياسي إيجابي بل هي – كما سبق القول – تُرسخ الجانب التقليدي والمحافظ في المجتمع، وهذا يجعل الخيار الحزبي لا غنى عنه لاستثمار الطاقات الراغبة في التغيير، وجعلها منتجة، وقادرة على المشاركة الفاعلة من جهة، ونزع فتيل التوتر السلبي والعدائي الذي يصل إلى حدود التدمير للأشخاص والكيانات على حدٍ سواء من الجهة الأخرى، وهذا يستوجب الحديث عن الجوانب الإيجابية للأحزاب، وهو ما سيكون موضوع الفقرة القادمة.

الأحزاب والوعي السياسي:

تنص دساتير وقوانين الكثير من الأنظمة السياسية الأوتوقراطية على تحريم تأسيس وإنشاء الأحزاب السياسية، وهي في ذلك ترفع شعار المحافظة على الوحدة الوطنية، وعدم رغبتها في انقسام الشعب إلى فئات مختلفة، إلاّ أن هذه الحجج وغيرها لا تستطيع الصمود والاستمرار إن أخذنا في الحسبان بأن الشعوب منقسمة على أساس هوياتي عميق، ولا يمكن –في الحالات الطبيعية– الحدّ من ذلك، فالأفراد منقسمون عرقياً ودينياً، ومنقسمون على مستوى الأفكار السياسية أيضاً، وهذا يشمل التوجهات الاجتماعية وغيرها، مما يعني بأن الانقسام هو جزء من الوضع البشري الطبيعي، كما أن الوحدة الوطنية ليست بالهشاشة التي تصورها هذه الأنظمة، فهناك الكثير من المحددات الأخرى –غير تأسيس الأحزاب- التي من الممكن أن تجعلها مهددة في أي لحظة، وهذا يثبت بأن هذه الحجج وغيرها لم تستطع الصمود أمام المكاسب والمنافع الكثيرة لتأسيس الأحزاب كما هو متوفر في الكثير من المجتمعات التعددية والديمقراطية.

من الممكن القول في هذا السياق، بأن تأسيس الأحزاب ليس هو الرافعة التي تُغير المجتمعات في ومضة عين، كما أن الأحزاب في الكثير من الدول سبب رئيسي في تعطيل الحياة السياسية، والاقتصادية وغيرها، غير أنه من الضروري القول هنا بأنها تعتبر نظام الحُكم الأكثر فعالية وانتشاراً، ولأجل أن تصبح فاعلة فإنه من الضروري وجود شروط لتأسيسها تقوم على استبعاد تأسيس أحزاب ذات صبغة دينية، أو طائفية، أو قبلية، أو حتى جهوية، وغير ذلك من الاحترازات الضرورية لكي لا تصبح أداة سلبية تُهدد الحياة السياسية بشكلٍ خاص، والحياة العامة بشكلٍ أكبر. حيث أن هناك نتائج إيجابية ترافق تأسيس الأحزاب سنجملها كما يلي:

– تنظيم الحياة السياسية وانتعاشها: تتسم الحياة السياسية في الدول التي تفتقد للأحزاب بالضحالة والتكرار، فهي خاملة، ومُسيطرٌ عليها من قبل السلطة المركزية التي تُدير البلاد والعباد، وتتحكم في مسارات الحياة بشكلٍ عام. ففي حال وجود انتخابات تمثيلية، نستطيع القول بأنها شكلية الى حدٍ كبير، كما هو الحال في بعض مجالس الشورى، فإن عدم وجود الأحزاب يجعل الناخبين يشعرون بالفتور، وعدم الفاعلية الكافية منها، فهي لا تستطيع الضغط على سلطة اتخاذ القرار لتغيير الكثير من التشريعات، مما يعني بأن هذه الانتخابات ليست إلا إعادة إنتاج للكثير من المؤسسات والبنى التقليدية في المجتمع، بمعنى آخر فإن “المشاركة السياسية دون تنظيم تنحط إلى مجرد حركات جماهيرية، والتنظيم المفتقر إلى المشاركة ينحط إلى عُصَب شخصانية”([3]). بالإضافة لذلك، ومع مرور الوقت نجد أن هذه المجالس تفقد أهميتها ومشروعيتها لدى الناخب، لتصبح في الكثير من الحالات مخصصة للاستهلاك الإعلامي والجماهيري عاكسة المصالح الفردية والانتماءات النكوصية، وليست للتغيير السياسي المرافق للتحديث في جوانب الحياة المختلفة.

– تأسيس الوعي السياسي: في ظل انعدام أو ضعف تنظيم الحياة السياسية كما ورد سابقاً، فإن هذا ينعكس بشكلٍ مباشر على الوعي السياسي للأفراد في المجتمع، ذلك أنه دونما أحزاب تقود وتضخ الوعي السياسي – مهما كان مؤدلجاً- فإن هذا الوعي يبقى في يد السلطة السياسية، فهي عن طريق القنوات الكثيرة والمختلفة كالتعليم والإعلام وغيرها التي تقع تحت سلطتها، تؤسس لوعي زائف ومقلوب، يتم من خلاله الاهتمام بالقضايا الجانبية والهامشية، أو تلك التي لا تساهم في تنشيط الحرِاك السياسي، ذلك أن الأفراد في بعض الانتخابات التمثيلية، لا يمتلكون الحُرية الكافية للحديث عن تطلعاتهم في فترة الانتخابات من جهة، كما أنهم من الجهة الأخرى لا يفكرون في القضايا التي من الممكن والضروري أن تؤسس لوعي سياسي للأجيال القادمة، وهذا يتم تداوله، وتناقله من جيل لآخر، ومن فردٍ لآخر، ليصبح هذا الوعي هو المعيار للحياة السياسية وهو المرجع، ليتم لاحقاً الحُكم على الحياة السياسية بعدم الجدوى، وعدم قدرة المواطن على إدارة هذه المجالس. نستطيع القول في هذا الجانب بأن الحياة الحزبية تؤسس لنوع من التنافس في التوجهات، وهي بذلك تتوجه لأفراد المجتمع، وتؤسس بالتالي نوعاً من الوعي بالحقوق السياسية كالحرية والعدالة والمساواة وغيرها، بعيداً عن الاهتمام بجانب الخدمات، وذلك على حساب القضايا الأخرى.

– تداول السلطة: تتُيح الحياة الحزبية تداول السلطة، أو توسيع المشاركة السياسية، فعن طريق التوازنات المختلفة بين الأحزاب تتسم الحياة السياسية بالحيوية والنشاط والتفاعل، وعدم وجود تكتلات دائمة تخدم مصالح فئات معينة على حساب بقية فئات المجتمع، كما أن هذه الحياة تجعل بقية الأطياف السياسية تدخل في تنافس مع بقية الأحزاب، من حيث تجديد الخطط والسياسيات والبرامج الانتخابية، وهذا يمنح الناخب الحرية الكاملة في تشكيل الحياة السياسية اعتماداً على الكثير من القناعات والتوجهات المستجدة والمتغيرة بشكلٍ مستمر.

خاتمة: الحياة الحزبية والتشريعات الجديدة

تحتاج الحياة السياسية في كل بُلدان العالم للتجديد بين فترة زمنية وأخرى، وهذا يعود للتحولات المختلفة التي تمر بها المجتمعات، ذلك أن هذه التحولات لا تقتصر فقط على الجوانب المادية والاستهلاكية، بل وبشكلٍ أساسي تصل للجانب المؤسساتي والتشريعي، الذي من الضروري أن يتأقلم مع بقية جوانب الحياة الداخلية المختلفة، ومع المسار السياسي العالمي على حدٍ سواء، وهذا يتطلب سن قوانين وتشريعات تتيح للمواطنين حُرية تأسيس الأحزاب، وتوسيع المشاركة السياسية، وعدم القبول بأنماط الحُكم التقليدية السابقة كالتعيين والتوريث وغيرها، وهذا لا يتحقق دون وجود أحزاب سياسية تشارك في هذا المجال، لما لها من قدرة هائلة على التنظيم والاستقطاب، ووضع البرامج والخطط المستقبلية الكفيلة بتغيير المستقبل، وتحويل أنماط القيادة من جانب لآخر.

 

____________________

[1]) صمويل هنتنجتون، النظام السياسي في مجتمعات متغيرة، تصدير: فرانسيس فوكوياما، ترجمة: حسام نايل، دار التنوير، ط1، 2017م، ص477 وما بعدها.

[2]) صمويل هنتنغتون، مرجع سابق، ص483.

[3]) هنتنغتون، نفس المرجع، ص482.

الثالث والثمانون سياسة

عن الكاتب

Avatar

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني