ملاحظات قارئ “لبعض” الكتابات العمانية الجديدة

Avatar
كتب بواسطة وليد الشعيلي

خلال السنوات الثلاث الفائتة، صدرت للكتاب العمانيين الشباب إصدارات متنوعة، أو إصدارات أولى لبعضهم، تتنوع بين الرواية والقصص والنصوص النثرية والشعرية والمذكرات أحيانا، وعلى سبيل المثال وليس الحصر:

 

لقيط القيظ: يقظان سالم (نصوص/دار نينوى، 2016)، رباعيات: بدرية الملاك (قصائد نثر/مسارات، 2016)، اجتياح الياسمين: يونس سالم (رواية/بيت الغشام 2016)، إلى الضالين عن الحب: أمينة الدرمكية (نصوص/ دار تشكيل 2017)، خضراء الدمن: منى المعولية (رواية/دار دجلة 2017)، وهج قلم: شيخة العبرية (نصوص/ دار الوراق 2016)، أغاني الموتى: محمد البلوشي (شعر/ دار العالم العربي2016)، إغفاءة غيمة: منيرة الفكرية (نصوص/دار كنوز المعرفة العلمية، 2016)، مقطورة من طين في موكب: هدى عبدالله (نصوص/مسارات للنشر والتوزيع، 2016)، مليحا: يوسف الخميسي (رواية: بيت الغشام، 2016)، خزعبلات: صفاء الفليتي (نصوص/بيت الغشام، 2016), روايتي “عائد إليك” و “اغتراب مرير” لعزة محمد (دار كنوز المعرفة، 2016)، سيرة الشتات، سالم البادي (قصص/بيت الغشام، 2015)، ذاكرة مثقوبة: أمنية سليمان (نصوص/الانتشار العربي، 2015)

وإصدارات أخرى لدى الانتشار العربي، وبيت الغشام، ودور أخرى لم أتمكن من معرفتها أو الاطلاع عليها.

 

وما سيلي من ملاحظات يشمل بعض  الإصدارات السابقة الذكر، ويشمل أيضا كتابات الشباب المبثوثة في الفيس بوك أو الملاحق الثقافية أو أي جهة إلكترونية، وهي ملاحظات قارئ ل”بعض” الكتابات العمانية الشابة الأخيرة رواية ونصوصا، وليست نقدا:

1- بعضها عاجة بالاستعارات الميتة، كمصطلح، أي استعارات مستهلكة جدا، تعج بها الفقرات، كانتشار شيء بتشبيهه ب”انتشار النار في الهشيم” أو اشتعل غضبا، أو شاب رأسه، وهكذا، لدرجة تشعر فيها أنها توليفة استعارات منتظمة ومقصودة. صحيح أن المهم الحبكة والعقدة والأزمة أحيانا في السرد والرواية، لكن الاستطراد ليس ممتعا بهكذا استعارات ميتة، وهذا واضح في بعض الأعمال المذكورة أعلاه، لا سيما الروائية منها.

2- رسوخ المفهوم السائد للاستعارة، وهو الإيضاح والتجميل، بينما هذا التعريف قد يقتل النص، فاستخدام استعارات كناحية تجميلية تكون مفضوحة جدا، وشبه مزيفة، بينما الاستعارة المفترض تأتي للاستبصار والتعمق، وسبر غور الفكرة، والغوص أكثر، وليس مجرد تنميق وديباجة فضفاضة.

3- كذلك أحيانا ثمة لغة عملاقة جدا في غير موضعها بتاتا، ولا تحمل فكرة ولا فلسفة، اللغة تكون بطلا في العمل حين تحمل الفلسفة وتعلي شأن الفكرة، وليس مجرد إشعار القارئ أنه ثمة رصيد لغوي، فالعمق أحيانا لا يحتاج للغة ضخمة، واللغة الضخمة تكون سطحية المعنى أحيانا، وهذا جلي في بعض النصوص النثرية أعلاه، أو الكتابات المنشورة في أماكن أخرى.

4- الحوارات لا تخدم كثيرا الرواية، أحيانا مقحمة عنوة، وليس شرطا أن يكون التكنيك حوارا دوما، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، في بعض أماكن رواية “خضراء الدمن” لمنى المعولية، توجد مثل هذه الحوارات في أماكن قليلة، وربما تكنيك من الكاتبة كي تفهم الطرح شريحة كبيرة، لكنه لا يخدم كثيرا في مكان ما من الرواية أحيانا؛ مثلا في الحوار المطول الذي دار بين الفتاة وأمها وخالها صفحة 73 وما بعدها، ربما لو طرح بمونولوج داخلي بعد بلورته من قبل دواخل الفتاة .. ربما تفكيرها الأحدث سيبرز وسيضفي جمالية أكثر. وهذا ينطبق على حوارات أخرى في الرواية، وحتى بعض الحوارات الجيدة في الرواية أيضا، صحيح أنها جيدة لكنها لو تمت بلورتها في مونولوجات داخلية للراوي الداخلي لكانت أعمق وأكثر تأثيرا وسبرا.

 

مثال آخر في رواية “اجتياح الياسمين” ليونس سالم، فالحوارات معظمها لا تخدم العمل، ومملة،  الحوار في أماكن كثيرة في الرواية طفولي نوعا ما، إن صح المصطلح، وبارد وبه تفخيم فقط في العبارات، كل الحوار تقريبا، تفخيم عبارات وليس أحداثا حقيقية تخدم العمل جيدا، أو تهويل الحدث العادي جدا.

 

فمثلا في حوار في بداية الرواية لا يمكن فهم قيمته، وفي حوار البطل مع أمه ص32:

-أنس

-نعم والدتي

تفضلي بالدخول يا أميرة قلبي، يا بستانا من الورد والفل

-ما بك اليوم؟ تبدو شاعرا

-ينساب الشعر في حضرتك انسيابا تلقائيا

-اترك عنك هذا الجنون فالغداء فوق البساط، الجميع في انتظارك

 

شكل الحوار جيد لكنه من حيث التراكيب والاستهلاك ومن حيث خدمة الرواية قد لا يشكل مفارقة، و يمكن طرح الفكرة بالسرد.

 

أنت لديك فكرة أو فقرة ظاهرية وواضحة شكليا، لكن هذا لا يكفي، لم تكتمل الصورة الفنية، الصورة الداخلية للمعنى، الإخبار فنيا، مزجه بالجمال يساند الشكل العام ويجعله أكثر وقعا ويمنح حسا يمتزج بالخبر المباشر، وهذا يشمل أيضا باقي الكتابات.

5- ثمة شيء مشترك بين الجمهور المتلقي والكاتب، فالمتلقي يترك البنية وكل شيء ويركز كل نقده أو حبه على الجنس مثلا كثيمة أو عبارات، بينما قد يكون ثمة عيوب كثيرة أخرى في النص أو السرد، عيوب مثل النقاط السابقة، أو عيب اقحام الثيمة، وبالتالي فالمدافعون عن الكاتب يدافعون فقط عن حرية الثيمة، والذين ضد الثيمة فهم ضد الثيمة فقط، ويترك كل شيء له علاقة بالبنية أو الاحتواء أو أن هذا أقرب للخاطرة منه للرواية، أو جودة الكتابة، وأحيانا يكون الكاتب شريكا في ذلك.

6- عدم استخدام المعادل الموضوعي أو الإرهاص أو الاستباق، أي اقحام مشهد ما في الرواية مثلا دون الإمتاع بتمهيده في أوراق سابقة كي يتلذذ القارئ حين يحدث المشهد ويتذكر ثمة سبب أو ذلك المشهد الذي حدث هناك، لا يوجد اشتغال على هذا، تجد اقحامات مباشرة، رغم أن وجود نص عادي لا بأس به طالما أنه يقود لنص ونصوص في أوراق قادمة تفهمها وتدهشك لأنه ثمة تلميح وطرق سابق يوخزك هنا الآن بسبب ذاك النص السابق. أو غياب البواعث، فمثلا عطيل عندما خنق ديدمونة كانت نفسيته في سياقات سابقة مليئة بالغيرة. وهو ليس عنصر المفاجأة الجميل كما يحدث في السينما، بل إقحامات لمواضيع كثيرة ستكون أجمل لو كانت مصنوعة من مادة الرواية نفسها.

7- بعض النصوص الشابة ويشمل منشورات الفيس بوك أحيانا لنفس الأقلام، بها ابتهالية أكثر من اللازم، والابتهال مصطلح ترديد المصلين خلف الكاهن عبارات دائمة مكررة بدون تنويع وأحيانا بتبلد، ويطلق في الأدب على أي كتابة ممتدة مملة بدون تنويع داخلي، وقد لا تفضي إلى شيء أو متعة أو وخز لغوي أو روحي، وهذا جلي في كثير من الإصدارات التي تصدرت هذا المقال.

8- استخدام عبارات لكتّاب آخرين، أو للكاتب نفسه باسمه الحقيقي كما وجدت في بعض الأعمال، ولا بأس لو كانت مفتتح أو مختصر يسهل هضم القادم، لكنها لا تخدم ولا تلتقي مع ما بعدها، مجرد زينة أحيانا، أو عبارة للكاتب نفسه يرى أنها جيدة كمفتتح، وبعضها لكتاب عالميين لكنها لا تعكس الداخل، لكن الأكثر لفتا كان في رواية “اجتياح الياسمين” ليونس سالم، حيث كانت مستخدمة في كل مكان، وباسم الكاتب الحقيقي نفسه، وربما هو تكنيك متعمد، لكنه لا يخدم العمل، وليس ضروريا، وأنا لا اقلل شان عبارات الكاتب، لكنها غير مناسبة لمضمون الصفحتين التاليتين، حتى لو جئت بعبارة لماركيز فهي لا داعي لها هنا، التكنيك شيء والبنية شيء والمضمون شيء آخر، ليس شرطا أن يكون لديك تكنيك لكل الرواية وهو لا يخدمها، وإن كانت للاستئناس في مفتتح نص نثري فلا بأس، لكن في عمل مصنف كرواية ربما يدمرها أكثر مما يجملها. كل صفحتين أو ثلاث تسبقهما عبارة للمؤلف باسمه الحقيقي وليس باسم البطل، وينتهي الفصل في صفحة أو صفحتين، ويعود نفس الكاتب وباسمه في صفحة كاملة مكتوب بها عبارة واحدة صغيرة له، وندخل في ما يبدو أنه فصل جديد وأيضا مسبوقا بعبارة مقتبسة باسم الكاتب  الحقيقي.  لقد حفظنا اسم المؤلف ومقولاته أكثر من شخصيات الرواية التي تظهر نادرا، وأكثر من الراوي العليم التائه الذي أحيانا يربكك أنه ليس أنس. العبارات بعضها جميل، وكذلك البوح، ما أود طرحه أنني كنت أتمنى لو تم تقسيم كل هذا لنصوص مفتوحة تحمل نفس الثيمة لكنها ليست متتابعة، كل نص له خصوصيته، وحذف الحوارات، فليس شرطا حين يكون لديك إحساس أو فكرة أن يخرج هذا في هيئة رواية أو قصة قصيرة، بإمكانك إيصال ذلك في سطر أحيانا حين لا يمكن قولبة وبلورة ذلك في عمل فني أو أدبي طويل. فمرة أخرى أقول أنت لديك فكرة أو فقرة ظاهرية شكليا واضحة، لكن هذا لا يكفي، لم تكتمل الصورة الفنية، الصورة الداخلية للمعنى، الإخبار فنيا، وإن كان ذلك غير ممكن فلا بأس في طرحه بشكل وتصنيف أدبي آخر كالشذرة أو النص المفتوح.

ومواصلة لنقطة الاقتباسات التي تسبق الدخول في العمل والمبالغة في ذلك، فأيضا في “اجتياح الياسمين” قبل الدخول للرواية يوجد إهداء في الصفحة الأولى، وفقرة في الصفحة الثانية مكتوب تحتها اسم المؤلف ينصحك أن تتشبث بقلمك وبالحرية، وهذا ليس مهما لسير أحداث الرواية التي هي قصة حب، ومع ذلك هي نصيحة جميلة.

وملاحظة غريبة في الصفحة الثالثة أيضا من المؤلف للقارئ توحي أنك بصدد مفارقات في الداخل. وعبارة مختومة باسم المؤلف في الصفحة الرابعة، وفي الصفحة الخامسة تجد خطابا لأنثى يشبه الإهداء، وفي منتصف الصفحة التي بعدها يوجد سطر وحيد في المنتصف وتحته اسم الكاتب. لم ندخل في الرواية بعد، وربما لا بأس بذلك تجاوزا، لكن لا علاقة تقريبا بكل ما سبق الرواية وحكايتها الكلاسيكية. وهذا عمل روائي وليس نصوصا مفتوحة لتسبقه كل هذه الجوانب، ولا حميمية قوية بينها وبين اللاحق. ولا عيب في الحكاية أحيانا، لكن كل هذه الديباجات قد تشوش وتقتل وتفتر الحكاية.

9- عليّ أن أشير إلى الشخوص في رواية “خضراء الدمن” لمنى المعولية بإعجاب نوعا ما؛ فشخوص الرواية صورة بصرية للشخصيات يستطيع القارئ تشخيصها أمامه كونها شخوص قريبة جدا منه من حيث الشكل والمضمون، استنطاق واضح لشخوص المجتمع العماني أو حتى المجتمعات الأخرى من حيث التقارب القوي بينها وبين ما أنت تراه في الشخوص الحقيقية المحيطة بك في الحياة لكنك لا تستطيع وصفه، وهي التي تولد الحبكة والإثارة ويتجلى ذلك في الأفعال التي تقوم بها الشخصيات وطريقة تفكيرها وكلامها وما تحكيه الشخصيات الأخرى عنها وحولها، وأظن هذه هي تفوقات الكاتب في إبراز الشخوص لدرجة تجعلك تتقمصها وتندمج وجدانيا مع الشخصية.

أيضا الشخصية السطحية في الرواية رغم أنها عادية لكن طريقة ظهورها وعاديتها وبساطتها تجعلها تقفز إليك وتذكرك بشخوص في محيطك. والكاتبة منتبهة جيدا للتشخيص، حيث أنه مفتاح القارئ لكل العوالم التي يطرحها المؤلف، ولكل التقنيات، وهي تضع القارى في إطار نفسي وذهني مشدود لمعرفة المزيد من أفعال هذه الشخصيات وإن كان عبر أفعالها وليس عبر وصف الكاتبة لها.

10- أخطاء إملائية ونحوية متكررة تغير المعنى أحيانا وتلخبط القارئ، ولا أعرف كيف للكاتب ولدور النشر أن لا ينتبهوا لذلك، وهذا وارد في بعض الأعمال التي ذكرتها في بداية المقال، وربما بعض الكتّاب ليسو دارسي نحو أو علامات إعراب أو تشكيل، وكان الأجدر عدم التشكيل كي يسلم من سوء الفهم، وكذلك الهمزات وخصوصا المتوسطة، فهي تغير المعنى أحيانا، فمثلا بِئس غير بأس وبئس، وهكذا. وعلى سبيل المثال تشكيل النصوص الخاطئ والحركات الإعرابية التي في غير محلها في نصوص “لقيط القيظ” ليقظان سالم أضاعت جمالية بعض النصوص في الإصدار.

وختاما، هذه نظرة عامة وسريعة، وهي لا تشمل فقط إصدارات شابة أو أولى بعينها، بل ظاهرة عامة في الكتابات الأخيرة للكتاب الجدد، وإن كانت بشكل طفيف أحيانا، لكنها تعكس عدم اشتغال حقيقي، وكذلك تجعل القارئ الجيد يهرب من الكاتب حين يجد مثلا كل هذه الأخطاء الإملائية في الكتابات، أو حين ينصدم دوما باللغة العملاقة التي لا تقوم بتصعيد المعنى أو الفكرة أو الفلسفة أو الروح الحقيقية للكتابة.

الثالث والثمانون ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

وليد الشعيلي