ماذا يراد بنا  2/2

لـ

وجهاء العرب.. برجوازية تابعة أم أدوات نهضوية؟

 

للخطاب الرسمي العربي مفاهيمه وتفسيراته الخاصة في كل شأن سياسي أو اجتماعي محلي، وبالضرورة الشأن الاقتصادي كذلك. ومن أوجه التفسير تلك، ما يمكن توصيفه بحالة الإنكار لكافة أوجه النكوص والتقهقر التي يعيشها الإنسان العربي في المجالات المذكورة. ولغزارة تكرار هذا التفسير في عموم الخطاب الرسمي، برتابة مدهشة وعلى نحو توافقي يطال مختلف أرجاء عالمنا العربي، غدا الإنسان العادي يتلمس نفسه ويتحسس واقعه، يراوح بين حالتين: التصديق والتكذيب، الثقة والاتهام، بات يعيش حالة أشبه ما تكون بحالة الفصام والاضطراب، لم يعد قادراً على التوفيق بين العالم الافتراضي الذي يسوقه الخطاب الرسمي، وبين الواقع المعاش. وفي حالات أخرى يتجاوز الخطاب الرسمي استخدام وسيلة الإنكار، ويلجأ إلى أسلوب التبرير، وفيه تلقى تبعات الفشل والإخفاق على أي من الظواهر المحيطة، مع تبرئة أكيدة لأدائه، وفي الغالب فإن المسؤولية تقع على عاتق الإنسان العادي باعتباره لم يرق بعد إلى المستوى المطلوب في التعامل مع حكمة الحكومات، ومقاصدها النبيلة السامية.

هناك دائماً عالم مواز يجهد الخطاب الرسمي في سبيل تجميله بأعين مواطنيه، هناك معان ودلالات يسوقها بين أسطر بيانه باعتبارها أمراً واقعاً وحقيقة تلامسها الأيدي. من جملة هذه المعاني، هذا التكرار الذي لا يكاد ينقطع لفكرة دور النخب الاقتصادية أو الثقافية في عملية النهضة، والتي استبدل عنوانها في فترة لاحقة لتصبح البناء والتنمية، وفي هذه الفترة يتمحور الحديث عن دور هذه الطبقة وأهمية حضورها في عملية  الانفتاح العالمي والمشاركة الحداثية. يجري تقديم هذه الطبقة النخبوية باعتبارها الطبقة المقابلة لطبقة البورجوازية في العالم الغربي، وكيف أن كلتا الطبقتين تقوم بذات الدور في مجتمعاتها. فهل البرجوازية العربية تقوم بدور مشابه لنظيرتها الغربية فعلاً؟  والسؤال الأكثر واقعية: هل يوجد في العالم العربي”بورجوازية” أصلاً، بحيث تكون أدوارها ورسالتها في مجتمعاتها متوافقة مع التعريفات الاصطلاحية المعتمدة لهذه الطبقة؟

البورجوازية اسم أطلق على طبقة اجتماعية ظهرت في أوروبا أواسط القرن السادس عشر، ومن خلال سيطرتها على موارد إنتاج هامة، مضافاً إليها فعاليتها الثقافية والأكاديمية، تمكنت من التأثير على نحو بالغ في مجتمعاتها، وعلى وجه الخصوص المجتمع الفرنسي ابتداءاً، واستطاعت في تلك الفترة من الإطاحة بالطبقة الإقطاعية، ووضع حدود لهيمنة رجال الدين. وكان من جملة الإسهامات التاريخية التي أنجزتها هذه الطبقة في سبيل نهضة أوروبا، دورها في إنهاء النزاع المذهبي الدموي الذي استغرق 30 عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت، والذي اتسع مداه الدموي ليغطي الجزء الأكبر من مساحة القارة الأوروبية. حتى إذا بلغ النزاع مرحلة حرجة من شأن استمراريته أن يدين كل من عاصر هذه الأحداث ولم يحرك ساكناً في سبيل إيجاد حلول عملية وواقعية، عندها تداعت 235 شخصية أهلية تمثل معظم المجتمعات الأوروبية، ولها نفوذ وتأثير في مجالها، الصناعي أو التجاري أو الثقافي أو السياسي، للقيام بهذه المهمة التاريخية لصالح مجتمعاتها، وتنادت للاجتماع في مدينتين من مدن مقاطعة وستفاليا الألمانية.

لم تُتخذ أية ترتيبات أو إعدادات مسبقة للقاء، كل شيء جرى على عجل. اضطر الوجهاء المشاركون التكيف مع الأوضاع المحيطة والإمكانات المتوفرة على تواضعها،

وتحملوا أوضاعاً لا يحتملها كثيرون ممن هم أقل بمراحل في المنزلة والمكانة الاجتماعية، ومع ذلك تجاوز الوجهاء المنتدبون كافة الظروف الصعبة في سبيل تحقيق انجاز محترم يقدمونه لشعوبهم. فالكل جاء وفي نيته تحقيق هدف استراتيجي واحد، إنهاء حالة الاقتتال التي عمت أوروبا وقسمتها الى عالمين متصارعين. يذكر أن المندوب  السويسري أقام في غرفة تفوح منها رائحة السجق وزيت السمك، فوق مشغل أحد محترفي حياكة الصوف؛ وبالكاد نجح الوفد البافاري في تأمين ثمانية عشر سريرا لأعضائه التسعة والعشرين، كان المشاركون يأخذوا نصيبهم من الراحة على شكل دوري.

جهد موصول يوماً وراء يوم، لجان تجتمع في النهار وأخرى تواصل النقاش في الليل، وفي النهاية صاغ كافة المشاركين بياناً يتضمن بنود الصلح، الذي يعرف  بـ”سلام وستفاليا”، نصت مواده تفصيلاً دقيقاً لكيفية بناء سلام حقيقي، وضمانات لكافة أطراف النزاع في تأكيد استقلالها وسيادتها، واعتماد سياسة توازن القوى في عموم القارة الأوروبية. وتعد هذه الوثيقة أول اتفاق دبلوماسي في العصر الحديث، ومواد هذا الصلح هي التي هيأت المناخ الحقيقي لنهضة عموم أوروبا.

هذه واحدة من كبرى الإسهامات السياسية لهذه الطبقة، كان محركها ودافعها توفير سبل  العيش الآمن والمستقر لشعوبها. وهناك إسهامات لا تقل شأناً في المجالات الاقتصادية والقانونية والثقافية، وكافة مجالات الحياة إلى أن وصلت هذه المجتمعات إلى ما وصلت إليه. لقد كانت هذه الطبقة، رغم الانتقادات والمآخذ التي توجه إليها، هي الرافعة الحقيقية لنهضة مجتمعاتها  وعلو شأنها.

فالتغيير في أوروبا لم يتحقق في لحظة خاطفة، ودونما تراكمات أو صراعات محتدمة، بل جاء نتيجة طبيعية لتطور تاريخي طويل، تخلّلته صراعات ثقافية واقتصادية وسياسية. وكانت البورجوازية هي التي تصدّرت حركة التغيير بوجه الإقطاع والملكية المطلقة والاستبداد الديني، وسار الشعب من ورائها. وبعد انتصارها على الطبقية، مسكت هذه الطبقة الناشئة زمام السلطة وتكفّلت بوضع قواعد جديدة، من خلال بناء اقتصادي رأسمالي متكامل، يقدّر الذات ويعلي من شأن كافة الأطياف الوطنية، يستند إلى مبادئ الاستقلال والسيادة وتوازن القوى. كل ذلك استطاعت هذه الطبقة أن تحققه لمجتمعاتها بفترة تاريخية كان المجال الغربي بمنأى عن أي تأثيرات خارجية.

 

حالة التطور الطبقي هذه لم تعرفها المجتمعات العربية، ومسألة صعود طبقة نخبوية، -أو استقرارها- في أوطاننا كانت نتيجة ظرف تاريخي وليس نتيجة صراع بين القوى الاجتماعية الفاعلة، هذا الظرف التاريخي نجده فترة الاحتكاك الغربي بصورته الاستعمارية مع عالمنا العربي، وفيها أخضعت مجتمعاتنا لمبادئ الصراع الدولي واحتياجات مراكز القوى الغربية المهيمنة، فانخرطت قوى محلية تمتلك مشاريع سياسية واقتصادية في عملية الإخضاع هذه، لينشأ بالتالي نوع من التحالفات والتفاهمات بين قوى اجتماعية محلية، تجاوزاً أطلق عليها لاحقا مصطلح البرجوازية، في حين أنّ جزءاً غير قليل من هذه الطبقة لم يكن سوى أداة فاعلة لصالح تعزيز وتمكين القوى الأجنبية، ولم يكن لها أي إسهام حقيقي في تكوين نمط إنتاج بصيغة واضحة ومحددة: إسلامي، رأسمالي، اشتراكي.

هناك فكرة معمّمة في الكثير من الأعمال البحثية، ويرددها الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية، ميزتها الأساسية أنها تبسيطية ومجتزأة من سياق عام، ومع ذلك جرى تبنيها وتداولها باعتبارها حقيقة ثابتة. يهدف فحوى هذه المقولة إلى إلقاء اللوم والتبعة في مسألة تقسيم الأمة العربية وتوزيعها داخل كياناتها القطرية، فقط على القوى الاستعمارية الكبرى التي غزت المنطقة مطلع القرن العشرين، ويجري الحديث بإسهاب عن المخطط الامبريالي في تفتيت المنطقة العربية من خلال رسم حدود مصطنعة ومن ثم تقاسم هذه الكيانات المصطنعة فيما بينها بعد إضعافها. هذه هي الفكرة السائدة والرواية التي تلقى شبه إجماع، إن لم يكن إجماعاً كاملاً. غير أن هذه الرواية تعكس جانبا من الحقيقة وليس الحقيقة كاملة، فهناك جوانب مهمة جرى إغفالها أو استبعادها، إما عن قصور في إتمام الفكرة والتقدم بها خطوة إضافية، أو لأسباب تبرئة الذات وإلقاء التبعة والمسؤولية على الغير.

أبرز أوجه القصور المعرفي في هذه المقولة، أن الأمة العربية قبيل تنفيذ المشاريع الاستعمارية لم تكن بالأساس أمة موحدة، وكانت الشعوب العربية موزعة ضمن إمارات أو ولايات تابعة للسلطنة العثمانية، وبعضها كان مستقلاً عن الحكم العثماني بدرجات متفاوتة، وفقاً لهذا الواقع التاريخي فإن المقولة الصحيحة تقتضي إعادة صياغة  تشخيص الحالة التاريخية من خلال إقرار أن الذي جرى تفتيته وتقسيمه هي الدولة العثمانية وليس الدولة العربية التي لم تكن موجودة أصلاً، وكانت غائبة لمدة لا تقل عن 700 عام من لحظة التقسيم والتجزئة، وأن هذه الدول لم تتشكل على النحو الذي هي عليه، وتبدأ في تحديد معالم هويتها الوطنية، إلاّ غداة حصولها على الاستقلال من هيمنة الدول المستعمرة.

 

وطالما أن الدولة القومية كانت غير موجودة، لا إدارات رسمية ولا هيئات معترف بها، فإن هذه الوضعية الفريدة تحتم علينا عملية إعادة التفكير في هذه المرحلة، وطرح جملة من الأسئلة بهدف معرفة ما حصل بالضبط، كيلا نقفز عن حقائق غاية في الأهمية، أولى هذه التساؤلات: إذا لم تكن هناك سلطة أو هيئة معترف بها في الأوساط المحلية وبصورة توافقية، فمن هي الجهة، أو الجهات، التي تفاوضت معها القوى الإمبريالية غداة هيمنتها على الأقاليم العربية؟

وهذه نقطة نجد إفاضة في معالجتها في العديد من الأعمال البحثية. من جملة المعالجات التي تناولت هذه المسألة، الاستنتاجات الهادئة التي خرج بها المفكر اللبناني كمال صليبي في كتابه “بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصور والواقع”، والذي تناول فيه قيام لبنان كدولة، والتيارات التي دخلت في حالة صراع لحظة التكوين. وعلى العموم فإن قسماً وافراً من الاستنتاجات التي خرج بها الصليبي بخصوص التجربة اللبنانية في هذا الشأن، يمكن تعميمها على كافة دول المشرق العربي.

من جملة هذه الاستخلاصات، تأكيده أن الدول الأجنبية التي سيطرت على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، كانت بالإجمال تفضل التعامل مع القوى المحلية، وعلى الأخص القوى التي تميزت بواقعيتها السياسية، والتي أفصحت بسبب هذا المبدأ الواقعي ليس فقط رغبتها، بل وتنافسها من أجل التعامل والاحتكاك مع القوة المسيطرة.

كما كشفت أبحاث تاريخية متخصصة النقاب عن أفكار وإيديولوجيات حاول أصحابها من الطبقة النخبوية، ثقافية أو اقتصادية، نشرها في وسطها المجتمعي، وهي بالمجمل أفكار كانت تحمل صيغة التبشير بالقادم الأجنبي الجديد إلى المنطقة، والتعامل مع هذا الحضور باعتباره يحمل للمنطقة وشعوبها الرخاء وعوامل التقدم والازدهار. ولا نزال هنا نتحدث عن التجربة اللبنانية تحديداً التي شهدت العديد من النماذج النظرية التوافقية مع الخطاب الاستشراقي الغربي. ومن بين عشرات الشخصيات المؤثرة في محيطها آنذاك، يمكن الاستشهاد بالموقف السياسي والفكري لشخصية هامة بوزن ميشال شيحا، وهو من المشاركين بفعالية في صياغة الدستور اللبناني عام 1936. وكان شيحا يعتبر أن التاريخ الرسمي للدولة اللبنانية بدأ بالفعل في اليوم الذي دخل فيه الجنرال الفرنسي غورو دولته غازياً، ليدون في كتابه “السياسة الداخلية” عبارة :” لقد كان يوم الأول من أيلول عام 1920 يوما مصيرياً بالنسبة للبنان،، إذ به عرف الولادة والنهضة معا”. ويشرح في كتابه ” أفكار في الاقتصاد اللبناني” مكامن عناصر السعادة لمواطنيه والطبقة القادرة على تحقيقها واقتناص هذه اللحظة التاريخية، ويخلص إلى أن طبقة التجار هم وحدهم القادرون على جلب السعادة لوطنهم، مع تأكيده على ضرورة تحويل الأموال التي يجنيها اللبنانيون بفضل سياسة الانفتاح في تقديم الخدمات التي يفتقدها المسافرون العرب إلى بنوك الغرب. إضافة إلى تشجيع الدول الكبرى للاستثمار وترويج بضائعها في لبنان.

الوضع في سورية لم يكن يختلف كثيراً عنه في لبنان، ففي كتابه “أعيان المدن والقومية العربية”، يرصد المؤرخ فيليب خوري التطور الذي صاحب 12 أسرة دمشقية ابتداءاً من لحظات الانهيار الأخيرة للإمبراطورية العثمانية، مروراً بالمملكة الفيصلية وانتهاء بدخول القوات الفرنسية وإخضاع سورية لسياسة الانتداب. وهذه الأسر محل اهتمام المؤرخ الشهير، كانت تستمد قوتها الاجتماعية باعتبارها من الملاكين الكبار للأراضي، والتي اكتسبوها في الغالب نتيجة هبات ومنح من الولاة العثمانيين، وبفضل هذه الاحتكارات العقارية تمكنت هذه الأسر من الارتقاء في سلم الوظائف البيروقراطي لتبلغ قمة الحياة السياسية والإدارية، لتحوز من ثم معظم المناصب الرفيعة.

هذه العائلات ربطت مصالحها منذ البداية باسطنبول، وحددت علاقتها بمجتمعها المحلي من خلال أطر اتسمت بالهيمنة. وظلت هذه الأسر مخلصة لعثمانيتها، وبعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية ودخول فيصل بن الحسين مدينة دمشق، وجدت هذه الأسر أن الإيديولوجية العثمانية لم تعد تخدم مصالحهم، فانحازوا بصورة تلقائية إلى الفكر العروبي حماية لمواقعهم ومصالحهم. إلا أن ثباتهم على هذه الفكرة، أو ثبات قسم كبير منهم، لم يدم أكثر من عامين، هما فترة الحكم الفيصلي لسورية، وخلال هذه الفترة شكلّت بعض النخب أحزاباً سياسية لم تكن أكثر من زخرفة سياسية لإزالة مخاوف القوميين واجتذاب قواعد شعبية أوسع لحلقاتهم، وكان من بين هذه الأحزاب التي تشكلت في تلك الآونة “الحزب الوطني”، وكانت زعامات هذا الحزب على يقين أن البلاد لن تصمد طويلاً في مقاومتها أمام الزحف الفرنسي الذي سيخضع كامل الأراضي السورية لحكمه، وعليه عمدوا وبصورة سرية إلى تقوية علاقاتهم واتصالاتهم مع عملاء فرنسا السياسيين في المنطقة قبيل الغزو العسكري، ليس ذلك فحسب بل أعلن قادة الحزب استعدادهم ورغبتهم في الاعتراف بـ”وطن قومي” لليهود في فلسطين.

في تلك الأثناء كانت سمعة الوجهاء والزعامات الفلسطينية قد تعرضت لكثير من الهجوم والانتقاد الشعبي لأسباب تتعلق بدورهم في كبح جماح حالة الرفض الشعبي للهجرات اليهودية المتصاعدة، إضافة إلى موقفهم المشهور عام 1921 بشأن الدعوة الشعبية لمقاطعة اليهود. وتقديراً لهذا الدور وسواه كثير، أعرب المندوب السامي في فلسطين اليهودي، هربرت صموئيل، عن شكره وتقديره للدور الذي يقوم به الزعماء المحليون في سبيل تهدئة الأوضاع وجهدهم المخلص في سبيل إقناع الناس بقبول وتقبل  الأمر الواقع، وحثهم الفلسطينيين الإقبال أكثر على كل المظاهر التي من شأنها تعزيز النفوذ البريطاني واليهودي. هذا الدور التاريخي في تهيئة الناس وتحضيرهم بهدف التعاون مع القوى المستعمرة وأن يكونوا أكثر واقعية وانسجاماً مع التغيرات التي يشهدها العالم، ومن بينها وفي مقدمتها تقبل الجسم الغريب الذي زرعته الامبريالية الغربية في المنطقة، هذا الدور المبكر لم يقتصر في أدائه نخب الفلسطينيين وأعيانهم، وإنما تشاركت مختلف القوى الاجتماعية الفاعلة في المنطقة: تجار، أعيان، كبار ملاكين في تقديم ضمانات حقيقية وأكيدة لنجاح المشروع الصهيوني. هذا الدور الذي أنجزته في مرحلة تاريخية مبكرة، أهلها لتغدو في مراحل لاحقة لتصبح واحدة من الركائز الحقيقية في المنطقة، لا يمكن تجاهلها ولا التقليل من أثرها ودورها، والأهم  حضورها الدائم ومشاركتها الظاهرة أو الخفية في كافة أوجه النشاط الاقتصادي مع النظام العالمي الرأسمالي.

هذه هي الصورة والهيئة التي دخلت من خلالها المجتمعات العربية في علاقاتها مع الغرب، وعلى هذه الأسس مضت في مسيرتها، توارث للامتيازات والمصالح، مجموعات متجانسة اجتماعياً واقتصادياً، تسيطر على الحياة السياسية، تتركز همومها على تحقيق مزيد من الأرباح، والاستئثار بمواقع الإدارة والسلطة لفترات طويلة، وتوريثها من أبنائهم وسلالتهم من بعدهم.

ومع ذلك فإن التعميم بالمطلق خطأ جسيم، وظلم لأفراد، أو بعض عائلات ممن ينتسبون لهذه الطبقة. فهؤلاء على قلتهم لا زالت مغروسة في وجدانهم معاني وقيم إنسانية غير معاني الربح والتبعية، معنيون كثيراً بشأن مجتمعاتهم، حريصون على التواصل معهم، مخلصون لفكرتهم في أن مجتمعهم يستحق ما هو أفضل، لم يتخلوا عن واجباتهم ومسؤولياتهم تجاه الناس ويتركوهم مكشوفين في مواجهة أقدارهم. هؤلاء على قلتهم، نوجه لهم تحية.

0 1519 23 أبريل, 2017 الثامن والثلاثون, سياسة أبريل 23, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.