أوقفوا حمى توقعات الطقس

لـ

 

الكل أصبح متنبئاً جوياً، وهناك من أصبح محلل طقس في حمى اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي، بل أن البعض منهم أصبح “خبير” ومرجع لمعرفة أحوال الطقس وعلوم المناخ والتنبؤ بما هو قادم، ناهيك عن الشائعات المجهولة المصدر، في تجاهل متعمد للنشرات الجوية اليومية التي تصدرها المؤسسات الرسمية عن أحول الطقس. وأخيراً وليس آخراً، فقد أصدرت الهيئة العامة للطيران المدني بتاريخ 14 مارس 2017م  تعميما حول حيازة البعض لأجهزة رصد جوي غير مرخصة تقوم بإرسال ونشر بيانات تختلف في دقتها عن الأجهزة المعمول بها في البلد، وقد تستغل هذه الأجهزة (حسب تعميم الهيئة) لأغراض غير المخطط لها، فمن المسؤول عن ذلك؟

هذه الفوضى التي تجتاح شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية، وفي مقدمتها “الواتسب”، أصبحت مستفحلة وتتزايد يوما بعد آخر. فمع اقتراب أي حالة جوية أو حدوث أي تقلبات في أحوال الطقس يظهر خبير جديد من خبراء الطقس الافتراضيين، فيثير البلبلة في الشارع، ويحدث ربكة لدى المتلقي. ويتجاهل الكثير من الناس النشرات الرسمية معتمدين على ما يقوله هؤلاء الخبراء الافتراضيين، بل إن مثل هذه التوقعات تدفع البعض إلى تأجيل بعضاً من أعمالهم “كركوب البحر مثلا”، وتنقلاتهم اليومية أو الأسبوعية أو حتى إلغاء خططهم لإجازة نهاية الأسبوع.

أيضا انتشرت مصطلحات جديدة فيما يخص الظواهر الجوية، وهي مصطلحات بعيدة كل البعد عن الحقائق العلمية لعلم الأرصاد الجوية مما قد يخلق وعياً خاطئاً لدى الناس بحقيقة هذه الظواهر الجوية، فالمزن الركامي أصبح “تكونات” والأمطار الغزيرة أصبحت “أمطار طوفانية” لم تسجل منذ قرون! وغيرها من المصطلحات الغربية والمبالغ فيها. كذلك ظهر حديث جازم بتكون السحب الخارقة أو (super cell) في عمان وهي سحب عملاقة تتكون في المناطق فوق المدارية ويصاحبها أعاصير قمعية منخفضة الضغط مع وابل كثيف من حبات البرد العملاقة وأمطار غزيرة وصواعق مميتة، ويقطع هذا النوع من السحب مسافات كبيرة معتمداً على حجم الجبهة الباردة المصاحبة له، ومسبباً دماراً هائلاً ، فهل حدث هذا في عمان فعلاً!؟

وفي الحقيقة أن ما يحدث في عمان هي ظواهر جوية اعتيادية بسبب وقوع عمان في النطاق المناخي الجاف الحار، والذي يتميز بظاهرة السيول الفجائية أو الومضية (flash floods) والتي تحدث نتيجة سقوط أمطار غزيرة في وقت قصير من العواصف والسحب الركامية الرعدية المصاحبة للمنخفضات الجوية التي تعبر المنطقة، وإن حدث ما هو استثنائي في الطقس فهناك جهات معنية بذلك تمتلك حق الإنذار والتحذير وتوعية الناس والتحرك بما يضمن سلامة المواطن والمقيم.

ومع اقتراب الفترات الانتقالية للطقس بين فصلي الشتاء والصيف السائدين في عمان يظهر إبداع الخبراء في التوقع بتكون الأعاصير المدارية والمنخفضات الجوية الربيعية، والقوة التي سوف تصل إليها، والمناطق التي سوف تضربها، وذلك قبل تكون الحالة الجوية بأسابيع. هذا وتجب الإشارة إلى أن أغلب الدول المتقدمة أصبحت تصدر نشرات جوية كل ست ساعات فقط؛ وذلك لإدراكهم التام بأن المتغيرات الجوية مستمرة، وقد تتغير التوقعات في ظرف ساعات وليس أيام أو أسابيع، فمن يوقف الفزع الذي يثيره هؤلاء الخبراء الافتراضين في الشارع من الأعاصير المدارية والحالات الجوية الأخرى؟!

وأخيرا وفي ظل تنامي هذا النوع من التوقعات يجب أن يتم تنظيم هذه المسألة وإيقاف هذا الدفق من المعلومات غير الموثوقة والمعتمدة على مواقع تجارية أو عامة أو أجهزة رصد غير دقيقة، حتى لو كان ذلك بالقانون ، فإثارة الناس وخلق البلبلة والفزع في الشارع غير مقبول، وتغيير المفاهيم الخاصة بالأحوال الجوية أيضا غير معقول. في المقابل فإن البعض ممن يمتلك هواية في هذا الجانب ولديه الرغبة في سبر أغوار هذا العلم، له الحق في ذلك وهو محل تقدير ولا يستطيع أحد أن يمنعه، ولكن يجب أن لا يكون ذلك على حساب المجتمع. وثمة حلول في هذا الجانب، كإنشاء جمعية معنية بأحول الطقس، تضم جميع هواة الطقس على غرار جمعية البيئة العمانية أو الجمعية العمانية للمياه، بحيث يكون لها دور فعال وبالتعاون مع المؤسسة الرسمية في البلاد في التوعية الصحيحة بالظواهر الجوية، وربما تستطيع الجمعية إيجاد دعم من المختصين في هذ المجال، وأيضا دعم مادي يمكّن الجمعية من الاشتراك والانضمام إلى بعض المراكز العالمية المتخصصة ومن ثم الحصول على المعلومة الصحيحة ومن مصادرها الصحيحة. كما يمكن خلق فرق تطوعية في هذا الجانب باعتراف رسمي وبدعم معلوماتي من المؤسسة الرسمية بحيث تقوم هذه الفرق بدور إيجابي في التوعية وبأنشطة تخدم المجتمع في الحالات الجوية التي تتعرض لها السلطنة.

عمان سميت مزون، وهي أرض خير، والمطر بأنواعه ليس غريباً عن التربة العمانية، بل إن الأعاصير والسحب الخارقة والجفاف هي الاستثناء، ومن ثم وجب البحث في مناخ السلطنة بشكل علمي ودقيق، بما يعطي المعلومة الصحية للناس ويدفع المجتمع للتعامل مع الظواهر الجوية بشكل صحيح بعيداً عن الشائعات والتهويل، مع ضرورة إيجاد وسيلة للحد من الشائعات وفوضى توقعات الطقس.

0 1277 14 مايو, 2017 الرابع والثمانون, ثقافة وفكر مايو 14, 2017
Avatar

عن الكاتب

كاتب وأديب عماني

عرض كل المواضيع التي كتبها خليفة سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.