قراءة في النظام العالمي الجديد ج3

لـ

   رغم موافقته ضمنا لإحدى ملاحظاته السياسية، إلا أنه من شبه المؤكد أن كيسنجر لم يقرأ كتاب ” الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي، وذلك ليس من باب التقصير أو عدم اكتراث الأول في ثقافات الشعوب، وهو الشغف بالمطالعة والتدقيق، إلا أنه لم يعرف عن كيسنجر اهتماما خاصا بصور الإمتاع والأنس في الشرق إلا من خلال حالة الانبهار التي أصابته أول مرة، لتتكرر بعدها خمس مرات في القاهرة، وهو يشاهد حلقة رقص شرقي لراقصة معروفة،  وعبر لاحقا عن مدى إعجابه بهذا الإمتاع  الفني الذي استشعره باعتباره أجمل شيء صادفه في الشرق الأوسط طوال  فترة جولاته المكوكية للمنطقة ( 1973-1978).

وبالعودة إلى موافقة كيسنجر غير المباشرة لواحدة من الملاحظات السياسية والاجتماعية لأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، أبو حيان التوحيدي، فإن مجال هذا التوافق خاص بتقييم التجربة التاريخية للفرس في مجال السياسة والحكم. ففي الفصل الرابع من كتاب النظام العالمي الجديد، والذي جاء تحت عنوان عريض ” الولايات المتحدة وإيران: مقاربتان للنظام”، فان مؤلف الكتاب يرى في إيران، ومن بين جميع بلدان المنطقة، الدولة التي يتوفر فيها أعلى درجات فن الحكم القائم على تراث المصلحة القومية – الوطنية اتقانا. وهي ذات النقطة التي توصل إليها أبو حيان التوحيدي قبل ألف عام تقريبا وهو يشخّص أحوال أمم المنطقة بمنتهى الموضوعية والنزعة العقلانية المجردة، وتدوينه مزايا كل جنس وعرق.. فالترك للشجاعة، والروم للعلم والحكمة، والزنج للكد والصبر، والعرب للبيان والخطابة، والفرس للسياسة. هذه السياسة التي يرى فيها كيسنجر واحدة من أبرز وأخطر معالم التراث الفارسي ابتداء من القرن السابع قبل الميلاد إلى القرن السابع الميلادي، حيث تمكن الفرس خلال هذه الحقبة الزمنية الطويلة من إقامة حكمهم على امتداد القسم الأكبر من الشرق الأوسط المعاصر مع أجزاء من آسيا الوسطى، جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا. كان هذا المشروع الإمبراطوري، مثل نظيره الصيني، يمثل صيغة لتنظيم العالم اضطلعت فيها انجازات الثقافة والسياسة، وثقة متماسكة بالنفس، صيغة مضطلعة بإدارة ولايات على مساحات شاسعة، في عرضها الأقصى من ليبيا إلى الهند.

هذا الشعور بالتميز وهذه البراعة في المناورة استمرا في الحقبة الإسلامية واعتناق إيران دين غزاتها العرب، مع استبقاء للغتها والشروع بشحن النظام الجديد بتركات الإمبراطورية التي أطاح بها الإسلام، لتصبح إيران لاحقا المركز الديمغرافي والثقافي للمذهب الشيعي، المعارض ابتداء للحكم العربي، ثم بوصفه مذهب الدولة، اعتبارا من القرن السادس عشر، كأسلوب من أساليب التميز والتحدي للإمبراطورية العثمانية المتنامية. وبذا تكون إيران قد حافظت من خلال ثقافتها وبعدها الديني ونظرتها الجيوسياسية على تميز تراثها وطابعها الخاص لدورها الإقليمي.

غير أن التغيير الأهم في تاريخ إيران المعاصر يكمن في ثورة الخميني عام 1979 ضد شاه إيران، هذه الثورة لم تر في الدولة بوصفها كيانا شرعيا بحد ذاته، بل على أنها سلاح مناسب لنضال ديني أوسع يفضي في النهاية إلى إقامة نظام عالمي قائم على أسس روحية، تستبدل من خلاله جميع الحكومات في العالم الإسلامي بـحكومة دينية. ويستغرق كيسنجر في الشرح لما أسماه “التشدد في النزعة الأيديولوجية” لدى الإيرانيين، إضافة إلى مقاربته في هذا الشرح لعموم القراءات الإيديولوجية التوسعية للقرآن (وخصوصا قراءات سيد قطب). إلا أنه يعود لنقطته الأساسية وفكرته الجوهرية، وهي أن إيران، وطوال عدد غير قليل من القرون أتقنت فن التلاعب بعناصر محيطها وتوظيفها، وعليه فان نصيحته للولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية عموما أن تكون منفتحة على علاقات تعاونية مع إيران، وأنه لا بد للولايات المتحدة من أن تبقى منفتحة على أي مصالحة حقيقية، وأن تبذل جهودا حثيثة لتيسير ذلك. غير أن نجاح مثل تلك الجهود مشروط أساسا بتوفر إحساس واضح بالتوجه، ولا سيما في قضية البرنامج النووي الإيراني.

يستعرض كيسنجر على نحو تفصيلي مسار البرنامج النووي في إيران والموقف الأمريكي والغربي عموما من هذه المسألة، ويستخلص من عرضه هذا، مسألة أن القدرات النووية الإيرانية وبالرغم من كل المراحل والأزمات التي عصفت بهذا الملف، إلا أن هذه القدرات بقيت متقدمة بشكل تصاعدي؛ وبات الموقف الغربي أكثر مرونة مع الزمن وبصورة تدريجية. وبقي كيسنجر طوال هذا الفصل يقارب ويباعد في مسألة الأسلحة النووية في إيران، وبقيت اللغة الدبلوماسية هي الطاغية، كما بقيت ضبابية المفاهيم هي الأساس، وكانت المعاني حول الانفتاح الأميركي والغربي على هذا الملف مبهمة. غير أنه أوضح لاحقا كافة مقاصده بلغة واضحة ومباشرة، باعتبار أن هذا الموضوع التقني، الذي تركزت فيه قضية السلام في الشرق الأوسط، لا يمكن التعامل معه من خلال أي أسلوب مختصر أو التفافي، وأن المطلوب ليس أقل من منع ظهور هذه الأسلحة في المنطقة، وأن الوصول إلى رؤيا واقعية للسياسة في المنطقة تحتم بالضرورة الإجهاز على عقائد التخويف والإرهاب بالعنف التي تتحدى قيام نظام عالمي جديد. كلام في غاية الوضوح.

الفصل الخامس من الكتاب جاء تحت عنوان ” تعددية آسيا”، وفيه يشرح كيف أنه في الطرف المقابل لكتلة أوروبا الأوراسية القارية. وخلافا لما هو عليه الوضع  في الشرق الأوسط، وبعد عقود من الحرب والاضطرابات الثورية العنيفة، تحولت آسيا إلى ما يعرف بصعود ” نمور آسيا ” بدءا من العام 1970 شاملا كلا من: هونغ كونغ، الجمهورية الكورية، سنغافورة، تايوان، وتايلاد. وشهدت هذه الدول ازدهارا وحيوية اقتصادية. أما اليابان فقد بادرت إلى اعتماد المؤسسات الديمقراطية وبناء اقتصاد منافس لنظرائها لدى الشعوب الغربية.  وتكشفت مع هذه التغييرات سياسة خارجية قائمة على أساس المصلحة الوطنية – القومية، معطوفة على المبادئ الوستفالية.

ورغم هذه التغيرات الهامة، إلا أن ثمة عنصر تهديد مضمر حاضر أبدا في آسيا، حيث تؤكد الصين صراحة، وكذا سائر الأطراف الفاعلة الأساسية ضمنيا، أن خيار القوة العسكرية في متابعة المصالح الوطنية – القومية الأساسية واجب، وعليه فان الموازنات العسكرية متنامية وآخذة في التصاعد. باختصار يرى كيسنجر أن آسيا هي في الأوج بين الأقاليم كافة على صعيد تبني مفاهيم الدولة السيادية، إلا أنها ما زالت تستحضر مفاهيم نظام بديلة بنوع من الحنين الماضوي، وتزخر بحشد من المنافسات والدعاوى التاريخية التي ابتلي بها نظام أوروبا قبل قرن. ويرى أن جل هذه البلدان ترى نفسها صاعدة دافعة ألوان الاختلاف نحو حافة المجابهة.

وإذا كان الفصل الخامس خصص بالكامل لتشخصي الوضع الآسيوي من الداخل، وعلاقات دول القارة بعضها مع بعض من خلال تأكيد كل منها لهويتها القومية، فان الفصل السادس الذي جاء تحت عنوان ” نحو نظام آسيوي: مجابهة أم شراكة؟ “، كانت نقطته المركزية تبحث في العلاقة المستقبلية لهذه الدول مع النظام العالمي.

يقر كيسنجر بعد شروحات مطولة لتاريخ الصين السياسي والثقافي، أن هذه الإمبراطورية التاريخية – إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية- هما ركيزة لا يمكن الاستغناء عن أي منهما في أي نظام عالمي، رغم حالة التباين في نواح مهمة بين البلدين. وأوجه التباين تكمن في أن سياسة أمريكا براغماتية بالدرجة الأولى، فيما سياسة الصين نظرية بحتة. أميركا لم يسبق لها أن تعايشت مع جيران أقوياء مهددين، أما الصين فلم يسبق لها أن كانت بدون خصم قوي على حدودها. والأهم أن التفكير الصيني مؤطر جزئيا بالشيوعية. أضف إلى ذلك أن شكوك كل من الطرفين تتعزز جراء المناورات العسكرية والبرامج الدفاعية لدى الطرف المقابل. كما أن للصين رأي ثابت حول الفكرة القائلة إن النظام العالمي يتعزز بنشر الديمقراطية الليبرالية، باعتبار أن هذا المبدأ يعمل على تعزيز قوة مجموعة دول من خلال انتهاك سيادة بلدان العالم الثالث الفقيرة الضعيفة. ورغم كل هذه التباينات إلا أن سياسيي وقادة في البلدين أقروا صراحة أن للطرفين مصلحة مشتركة في اجتراح محصلة بناءة، وتشييد صرح شراكة استراتيجية في منطقة الهادي للحفاظ على توازن القوة.

يبث كيسنجر مخاوفه آخر الفصل باعتبار أنه لا يمكن تحقيق الشراكة من خلال الإعلان فقط، فما من اتفاق يستطيع ضمان مكانة دولية للولايات المتحدة. وأنه إذا ما ظهرت الولايات المتحدة كقوة متقهقرة فان الصين وبلدانا أخرى ستخلفها في جزء كبير من قيادة العالم. وعليه يرجع الكاتب لتأكيد فكرته حول النظام المتوازن الذي قوامه: القوة والمشروعية، وأنه لا بد من صياغة هذا المفهوم على نحو واضح في العلاقة بين أمريكا والصين مع نوع من مفهوم الشراكة. وأن أي تحديد عسكري صرف للتوازن سينزلق إلى مجابهة، وأن أي مقاربة سايكولوجية خالصة للشراكة ستؤدي إلى إثارة مخاوف هيمنية. وبذا يتعين على السياسة الحصيفة الاهتداء إلى ذلك التوازن، وبدونه فان الكارثة تبقى عنصر إغراء.

بعد إفاضته في استعراض القوى السياسية التي تساهم في صياغة النظام العالمي المعاصر، وتفصيل المسار التاريخي لكل نظام ومواطن قوته وضعفه، وفقا لتقييمه الذاتي، يأخذ كيسنجر اعتبارا من الفصل السابع يتدخل مباشرة من خلال إبراز النظام العالمي الأجدر في التطبيق على المستوى العالمي. والمسألة لا تحتاج إلى كثير عناء في القراءة للوصول لهذه النتيجة، فعنوان هذا الفصل هو الترجمان المكثف لمضمونه، حيث جاء على صيغة “خدمة للبشرية كلها…الولايات المتحدة وتصورها للنظام”. فلدى هذه القوة العالمية إيمان يبلغ درجة الإشباع باعتبار أن مسار هذه القوة يوحي بالقدرة على تأطير مصير البشرية. أما مصدر الإلهام الحقيقي لهذه القوة فهي المبادئ الأمريكية باعتبارها مبادئ كونية، وأهم بند في منظومة هذه المبادئ هو الديمقراطية، والتعامل من ثم مع الحكومات التي لا تمارس الديمقراطية باعتبارها ناقصة المشروعية.

كانت بدايات التعامل الأمريكي مع السياسة الخارجية من خلال تفهم الآباء المؤسسين وتعاملهم مع مسألة توازن القوة الأوروبي، التي وظفوها في خدمة البلد الجديد، فكان هناك تعايش مضمر مع كل من فرنسا وبريطانيا. وذلك لا لشيء، سوى لأن أمريكا كانت آنئذ تلتمس التحرر لا السيطرة، وبالتالي كانت تتجنب التورط في جميع الصراعات الأوروبية. وبعد فترة من تحقق الوحدة أخذ مشروع التوسع الجغرافي في التشكل. آنئذ لم تزعم أن مشروعها يأتي في سياق توسع جغرافي، بل بهدف نشر مبادئ التحرر وفقا للتعاليم الإلهية. كما كتب جون أو سيلفان أواسط القرن التاسع عشر ” نحن أمة التقدم الإنساني… إرادة الله معنا، وما من قوة أرضية تقوى على ذلك”. وبذا غدت أمريكا خطة الاله وخلاص النظام العالمي.

أما الاشتباك المنهجي الأول لمضاعفات الدور الأمريكي فتحقق مطلع القرن العشرين على يدي تيودور روزفلت، هذه الشخصية التي أسهب كيسنجر بذكر مناقبها، باعتبارها شخصية كوزموبوليتية “أممية” واسعة الاطلاع، محمومة الطموح، قوية الشكيمة، الأكثر حصافة بما لا يقاس مع معاصريها، وبفضله وحده دمغت الولايات المتحدة بطبعة عالمية للدور الذي كانت بريطانيا تؤديه على امتداد القرن التاسع عشر. كان روزفلت يرى المجتمع الدولي شبيها بمستوطنة حدودية مفتقرة إلى قوة بوليسية/أمنية، فعالة. وكان يرى أن أميركا لو تبرأت من المصالح الإستراتيجية فان معنى ذلك شيئا مسارعة قوى أكثر عدوانية للامساك بزمام العالم. كانت كلمات الحكمة المفضلة لديه أن” تتكلم بنعومة، وتحمل عصا غليظة”. لذا كان شكاكا حول كافة محاولات استحضار حسن النية على الصعيد الدولي. المأخذ الوحيد الذي يأخذه عليه كيسنجر، أن روزفلت قضى نحبه من دون أن يؤسس لمدرسة سياسية في ميدان السياسة الخارجية.

الشخصية السياسية الثانية التي شكلت السياسة الأمريكية بصورتها “العتيقة” كان الرئيس وودرو ولسن، الذي تختصر سياسته بمقولة “أمريكا ضمير العالم”، وهو الذي طرح رؤية للسلام العلمي”مبادرة ولسن” التي شجبت مبدأ توازن القوة الذي كان حلفاؤه الأوروبيين دخلوا الحرب العالمية الأولى من خلاله، لا لشيء إلا للحفاظ على هذا المبدأ قبل كل شيء. وبناء على تصوره طرح مفهوما جديدا للسلم الدولي، تلعب فيه الولايات المتحدة دور الوسيط النزيه وعنصر تعزيز منظومة تحكيم دولية هادفة إلى قطع الطريق على الحرب.

أما الشخصية الثالثة فكانت فرانكلن روزفلت، التي راهنت في صياغة نظام عالمي مستقر على قاعدة إدارة الشخصيات، بمعنى أن النظام الدولي يمكن أن يبنى على “الثقة الشخصية، على التسامح، على الإخلاص والإرادة الطيبة والإيمان الحسن”.

أما صيغة الانتقاد الأكبر الذي يوجهها عادة كيسجر للدبلوماسية الأمريكية، فقد جاء معبرا عنه في عنوان الفصل الثامن ” الولايات المتحدة…قوة مترددة”. وانطلاقا من فكرة أن جميع الرؤساء الأمريكيين ما بعد الحرب الكونية الثانية ظلوا يؤكدون بشغف دورا استثنائيا لأمريكا في العالم، فان هذا يعني بالضرورة أن تتحلى أمريكا بغيرية السعي لحل النزاعات العالمية.

وفي طريقها لصياغة هذه الرؤيا، برزت وجهات نظر تاريخية لها فلسفتها حول النظام العالمي، كالشيوعية التي باتت أكثر تعقيدا، وحكومات وعقائد رافضة للمفاهيم الأمريكية، عند هذه اللحظة برزت أسئلة لم تكن قد طرحت من قبل: هل السياسة الأمريكية قصة ذات بداية ونهاية أم أنها سيرورة إدارة وصقل سلسلة من التحديات المتكررة؟ هل هناك محطة أخيرة أم أن هذه السياسة عملية انجاز أبدية؟

في هذا السياق تولت الولايات المتحدة قيادة المحاولة العالمية لاحتواء التوسع السوفيتي، ضمن ما عرف بـ “الحرب الباردة”، وفي هذا المسعى كانت السياسات والخطط الأمريكية تقدم بوصفها محاولات نزيهة محايدة، رامية إلى خدمة المصالح العامة للإنسانية. وعليه جرى بناء ما أطلق عليه اسم” حالات قوة” عبر الناتو، والتي من خلالها تشكلت معالم الدبلوماسية الشرقية – الغربية المتأثرة جدا بحالة توازن القوة، هذا التأثر كان آليا إلى هذا الحد أو ذاك. فتوسعت منظومة التحالفات عبر   “السياتو” لجنوب شرق آسيا، و”حلف بغداد” للشرق الأوسط، لقد بات الاحتواء مساويا لبناء تحالفات عسكرية على التخوم مع الاتحاد السوفيتي. وفي ذات الفترة جرى تصوير الأمم الأخرى باعتبارها ذات “مصالح أنانية”، في حين أن أمريكا ذات “مبادئ” و”قدر”. ووفقا لهذا المنظور يعالج كيسنجر أهم حربين خاضت غمارهما الولايات المتحدة في تلك الفترة: الكورية والفيتنامية. غير أن هاتين الحربين أثبتتا أن مبادئ الاحتواء التي استخدمت في أوروبا أقل قابلية للتطبيق في آسيا بكثير.

أما الفترة الحاسمة في تاريخ الحرب الباردة فكانت في عهد الرئيس رونالد ريغان، الذي تمكن من مواجهة الاتحاد السوفيتي وانهاء هذه الحرب من خلال التسابق في مجال التسلح والتكولوجيا، ضمن استراتيجية عرفت بـ” مبادرة الدفاع الاستراتيجية”، ثم أتبع هذه الخطة بوضع الخصم السوفيتي في خانة “امبراطورية الشر”، والسعي الحثيث بهدف سد جميع الآفاق أمام أي دبلوماسية بين الشرق والغرب. واذا كان انهيار الاتحاد السوفيتي من نصيب ريغان، فان معالجة ركام الحرب الباردة بمجملها والحيلولة دون توفر إمكانيات  بناء صرح نظام دولي جديد، كانت من نصيب جورج دبليو بوش. وذلك من خلال حربين كبيرتين: أفغانستان والعراق.

أفكار قابلة للنقد

في حال أردنا تناول مضامين هذا الكتاب الهام على نحو تفصيلي والتعليق عليها، فإن هذا يتطلب بالتأكيد مساحة نصية واسعة، قد تتجاوز لدى اكتمالها حجم الكتاب نفسه. وعليه فان التعليق سيكون بحدوده الضيقة، ومن خلال ومضات خاطفة:

– امتلاك إيران سلاحا نوويا حاجة ملحة وضرورة سياسية وأمنية، وهي ضرورات لا تخص إيران وحدها، إنما هي ضرورات ستنعكس آثارها عند اكتمال المشروع على المنطقة بأسرها. فهذا المشروع هو التعبير العملي والواقعي لصيغة التوازن وصولا إلى مرحلة الاستقرار التي طالما بشّر بها هذا الكتاب في بعده النظري على الأقل. ناهيك بالطبع أن اكتمال هذا المشروع يعبر بالمطلق عن المصلحة الوطنية – القومية لدولة تتبنى المفاهيم السياسية العالمية وتحديدا في البعد المرتبط بالدولة بالسيادة. بدون اكتمال هذا المشروع ستحل الكارثة بالمنطقة لتبقى مجالا مفتوحا للفوضى، كما هي عليه اليوم، إلا إذا كانت قوى دولية تتعامل مع الكوارث باعتبارها عنصر إغراء، كما لمح كيسنجر في كتابه.

– يبشر كيسنجر في خاتمة كتابه بأن المبادئ الأمريكية هي التي ستنتصر باعتبارها مبادئ كونية سامية، وهذه المبادئ منظومة متكاملة، أهم بنودها على الإطلاق التأكيد على مفهوم الديمقراطية، والحق الإنساني في ممارسة هذا الحق. وهنا لن نجادل كثيرا في مدى الانسجام والتوافق بين هذا الشعار الأمريكي وتطبيقاته على مدى عقود، وإنما يكفي هنا التذكير بموقف صاحب هذه البشارة وتدخلاته التي لم تكن تنقطع في سبيل إفشال أكثر من تجربة ديمقراطية حقيقية في العالم. وتجربته الأشهر في هذا المجال تورطه في الانقلاب وقتل الرئيس التشيلي، سيلفادور الليندي، بعد فوز الأخير في انتخابات أجمع على صدقيتها كافة دول العالم، غير أن نتيجة هذه الانتخابات لم تلق قبولا وترحيبا في واشنطن. كان كيسنجر هو المحرك الحقيقي لهذا الانقلاب واستبدال الحكومة المنتخبة بأخرى عسكرية يمينية. واعتبر في مذكراته أن المسألة كانت أكثر أهمية من أن تترك ليقرر سكان تشيلي مصيرهم. الممارسة الديمقراطية الحقيقية، والشرعية، اضافة الى السيادة، مقومات أساسية في النظام الذي طالما دعا اليه كيسنجر، هذه المكونات الثلاث خرقها دفعة واحدة في احدى تجاربه التاريخية.

– مسألة تجدد العهد الأمريكي ألا يمكن ربطها وعلى نحو مباشر بأحداث 11 سبتمبر، وهذه مسألة تستدعي البحث ليس في دلالات هذا الحدث الكوني المرعب ونتائجه، بل في الغوص عميقا لاستكشاف حيثياته التفصيلية والوقوف على غاياته الختامية ومعرفة المخططين الحقيقيين له.

* معلومات حول الكتاب:

اسم الكتاب: النظام العالمي الجديد ” تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ”

المؤلف: هنري كيسنجر

ترجمة: د. فاضل جتكر

الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت

لقراءة الجزء الثاني من القراءة

http://www.alfalq.com/?p=9308

 

لقراءة الجزء الأول من القراءة

http://www.alfalq.com/?p=9238

0 1840 21 مايو, 2017 الرابع والثمانون, سياسة مايو 21, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.