تأملات علمية في ذكرى جونو

لـ

phet

تأملات علمية في ذكرى جونو

محمد بن عبدالله العليان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعد الأعاصير المدارية من أقوى ظواهر الطقس .وينشأ ما بين ثمانين إلى مئة فوق المحيطات الاستوائية كل سنة يصل بعضها إلى اليابسة مسببا أضرارا  مادية وبشرية. من بينها إعصار جونو الذي ضرب الساحل الشرقي  للسلطنة يونيو 2007. فقد بلغ عدد الضحايا 77  في حين بلغت الأضرار المادية زهاء  4200 مليون دولار

بحسب Middle East North Africa Financial Network أي زهاء 1600 مليون ريال عماني . و هي اكبر كارثة طبيعية تمنى بها البلاد منذ إعصار الشلي عام 1959.

لذلك فان قول جريدة القبس الكويتية إن إعصار جونو هو ” أول حادثة مناخية تشهدها المنطقة ” (عدد 5/6/2007) قول يجافي الحقيقة. فالسلطنة شهدت في تاريخها المعاصر إعصارا بقوة جونو عام 1948 (إعصار اللحيمر ) الذي ضرب الساحل الشرقي أيضا و هلك فيه من أهل الشرقية وحدها 75 صيادا كانوا حينها في عرض البحر و لم يتمكنوا من بلوغ البر . فإعصار الشلي عام 1959 الذي ضرب السواحل الجنوبية و اغرق أربع سفن عمانية و أخرى من خور فكان كان على متنها زهاء 470 راكب . فإعصار مصيرة عام 1977.

و الحق أن السلطنة تتعرض لنظام طقس متحرك كل 5-10 سنوات : منخفض جوي أو عاصفة استوائية أو إعصار استوائي (تصنيف سافر- سمبسون). وتحدث هذه الأنظمة المتحركة في شمال المحيط الهندي بين أوائل مايو و أوائل نوفمبر .

و يرمي تصنيف سافر- سمبسون ، الذي يلائم طريقة العمارة الأمريكية، إلى تقدير الأضرار المتوقع أن تلحق بالأملاك  و تقدير الفيضانات في المناطق الساحلية جراء الإعصار. فأعاصير الفئات العليا تسبب أضرارا كارثية بسبب سرعة الريح. في حين تسبب الأعاصير الأضعف و العواصف المدارية أضرارا واسعة بسبب السيول والفيضانات. كما يعد المد المصاحب للأعاصير مدمرا جدا للأراضي المتاخمة للبحر. و الحمد لله فان إعصار جونو الذي وصل إلى إعصار من الفئة الخامسة على بعد 500 كيلومتر من راس الحد  هبط إلى إعصار من الفئة الثانية /الأولى  عندما بلغ اليابسة. و إلا لكانت الأضرار مخيفة جدا.

ثانيا : ماذا في الاسم ؟

هناك عدة سلطات في العالم تطلق أسماء الأعاصير و العواصف المدارية و هو تقليد بدأته البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. و فيما يتعلق بهذه الأنظمة في شمال المحيط الهندي تتقدم  ثمان دول مطلة عليه بقائمة من الأسماء يتم استعمالها بالتعاقب عند وقوع إعصار أو اكثر في الوقت نفسه في هذه المنطقة ( انظر الجدول المرفق و لاحظ الاسم جونو بالخط الأحمر و هو من بين الأسماء التي قدمتها سلطات الطقس في المالديف ). و يرمي استعمال الاسم التمييز بين أنظمة طقس متحركة تحدث في الوقت نفسه في المنطقة نفسها ، أي شمال المحيط الهندي. و يتم إحالة اسم الإعصار و العاصفة التي التقاعد إذا نجم عنهما خسائر بشرية و مادية. أي لا يستعمل الاسم نفسه مرة أخرى أبدا . و إذا نظرت إلى الأسماء المقدمة من السلطنة نجد أن جلها أسماء نباتات و طيور و حيوانات: باز، سدر، ورد، هدهد، مها. وكذلك الحال مع معظم الأسماء الأخرى . فقليل بينها أسماء علم. و إذا طال بنا العمر قد نسمع بإعصار في موضع ما في شمال المحيط الهندي يحمل احد هذه الأسماء العربية ( قد لا يصل الإعصار بالضرورة إلى أي يابسة في هذه الدول الثمان).

ثالثا : تغير مناخي ؟

عزى البعض في الصحافة المحلية إعصار جونو إلى ظاهرة التغير المناخي التي كثر الحديث عنها مؤخرا. و الحق أن سواحل الجزيرة العربية الشرقية و الجنوبية، كما أسلفت، تتعرض لنظام طقس متحرك كل 5-10 سنوات من بينها أعاصير. فإعصار اللحيمر (1948) على سبيل المثال كان بقوة إعصار جونو و دام مدة أطول منه و كان مداه أوسع .

بيد انه من المؤكد ، إذا صحت تقديرات التغير المناخي،  أن تصبح أنظمة الطقس هذه اشد فتكا خلال هذا القرن فما بعده إذا لم يتم خفض انبعاث الغازات المسببة لهذه التغير خفضا كبيرا.

و من المتوقع أن يؤدي استمرار هذا الاحتباس إلى ارتفاع في حرارة الغلاف يتراوح بين  1-5 درجات مئوية . و هو ارتفاع كاف لرفع مستوى البحار جراء ذوبان جليد القطبين و إغراق مناطق ساحلية واسعة و زيادة موجات الجفاف و زيادة قوة العواصف و الأعاصير.

و لم توافق اكبر دول ملوثة لغلاف الأرض الجوي على اتفاقية ملزمة للحد من انبعاث الغازات الصناعية بحجة أن من شأن ذلك الإضرار بالصناعة و النمو الاقتصادي . و هذه الدول هي: الولايات المتحدة و الصين و الهند و البرازيل و استراليا. بيد أن هناك حركة عالمية متصاعدة رسميا و شعبيا للحد من الاحتباس الحراري و بالتالي الحد من إرهاصاته المناخية الحادة.

إذا إعصار جونو لم ينجم عن ظاهرة تغير المناخ . بل هو جزء من دورة المناخ المعروفة في شمال المحيط الهندي. و يمكن التحقق من ذلك بالرجوع إلى السجلات المناخية. غير أن استمرار ارتفاع حرارة الغلاف الجوي سيجعل أنظمة الطقس المتحركة في المنطقة اشد فتكا و اكثر تكررا. لذا لزم في عمان حساب ذلك من الآن خاصة بالنسبة للمنشآت و المساكن المتاخمة للساحل و تلك الواقعة في مدى الفيضانات.

بيد أن جونو لم يكن شرا محضا. و كذلك الحال مع غيره من أنظمة الطقس المتحركة. فهذه الأنظمة تتسبب في عدة أثار نافعة. منها تغذية خزائن المياه الجوفية و إعادة دورة الحياة في الأخوار و إمداد الشواطئ و مياه البحر المتاخمة لها  بالمغذيات ( التي تحملها تربة السيول ) ، على سبيل المثال لا الحصر.

ثالثا : هل من مدكر ؟

لعل أهم درس قد نستفيده من إعصار جونو هو فيما يتعلق بالتخطيط الحضري . لأننا تجاهلنا حتى الآن مدى الفيضانات و هو مدى معروف في الذاكرة التقليدية وكذلك في الذاكرة الجيولوجية: علامات السيول في الأودية. فعلى سبيل المثال فان المناطق السكنية التي تضررت في منطقة العامرات هي مناطق فيضان معروفه . وكذلك القرم . وفي صلاله تم توزيع أراضي سكنية في مناطق فيضان رغم انه تتوفر خرائط لنطاق الفيضانات في سهل الجربيب أعدها لحساب الحكومة هيدرولوجي عالمي معروف  (توفي لاحقا أثناء استكشافه نظاما كهفيا في ماليزيا ) وقد ألتقي به هذا الكاتب شخصيا فترة قيامه بدراسته . و قد تم إعداد هذه الخرائط حتى لا يتم البناء في المناطق المعرضة للفيضانات حتى لو كانت تلك التي تحدث كل خمسين سنة مرة ! و إذا كانت أنظمة الطقس المتحركة خلال العقود القادمة  ستصبح أقوى و متكررة ــ جراء ظاهرة التغير المناخي ـــ فعلينا كما أسلفت أن نعمل حساب ذلك من الآن.

الدرس الآخر هو إعادة الاعتبار للمعرفة التقليدية .فلدينا مخزون معرفي عن دورات المناخ تم تجاهله حتى الآن . و يقوم هذا الكاتب حاليا بوضع كتاب عن هذه المعرفة وذلك قبل أن يتوفى “الشيبان” الذين يملكونها . و تتجلى هذه المعرفة في التقويم الذي يسمى حساب البحر و هو تقويم للتنبؤ بالطقس قائم على ملاحظة دورته عبر مئات السنين.


جدول أسماء الأعاصير في شمال المحيط الهندي


اسماء متوفرة للاستعمال من عام 2004 فما بعد
I II III IV
مقدم من الاسم الاسم الاسم الاسم
بنجلادش اونيل اوجني  (2006) نيشا نيشا
الهند آجني  (2004) اكاش بجلي جال
المالديف هيبارو جونو (2007) ايلا كيلا
ميانمار بايار ييمن فايان ثين
عمان باز سدر ورد مجان
باكستان فانوس  (2005) نرجس ليلى نيلام
سريلانكا مالا ابي باندو مهاسن
تايلاند مكدا كايا مك فت فيلن
V VI VII VIII
مقدم من الاسم الاسم الاسم الاسم
بنجلادش هيلين تشابالا اوكهي فاني
الهند ليهار ميج ساجار فايو
المالديف مادي فالا بازو هيكا
ميانمار نا نوك كايانت دايي كايار
عمان هدهد ندى لبان مها
باكستان نيلوفار فرده تتلي بلبل
سريلانكا برايا سما داس سوبا
تايلاند كومن مورا فيتاي امبفان


مقياس سافر-سمبسون للأعاصير

الفئة

سرعة الريح

الموج

ميل/الساعة
(كلم/الساعة)

قدم
(متر)

5

≥156
(≥250)

>18 (>5.5)

4

131–155
(210–249)

13–18
(4.0–5.5)

3

111–130
(178–209)

9–12
(2.7–3.7)

2

96–110
(154–177)

6–8
(1.8–2.4)

1

74–95
(119–153)

4–5
(1.2–1.5)

تصنيفات اضافية

عاصفة استوائية

39–73
(63–117)

0–3
(0–0.9)

منخفض جوي

0–38
(0–62)

0
(0)

0 2977 08 يونيو, 2010 العدد الرابع, سياسة يونيو 8, 2010
Avatar

عن الكاتب

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد عبدالله العليان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.