سارق المنشار

لـ

تنشرُ مجلَّة الفلقِ مقدِّمة كتاب “سارِق المنشارِ”، سيرة شخصيَّة لأربعينَ عامًا في إذاعة سلطنة عُمان للمؤلِّفِ زاهر المحروقي والصَّادر مؤخَّرًا عن دار الانتشارِ ببيروت.

 

قبل قراءة الكتاب

 

بدأت علاقتي بالإذاعة في فترة مبكرة جداً من حياتي، وقد تكون تلك العلاقة هي التي وجَّهتني للاهتمام بالقراءة والكتابة. وصحيحٌ أني لا أعُدًّ نفسي كاتباً بالمعنى الصحيح للكلمة، فما أكتبُه هو مجرد محاولات، إلا أنّ فضل هذه المحاولات يعود إلى تلك الفترة التي كنتُ مدمناً فيها على متابعة الإذاعات، لأنّ

الراديو كان الوسيلة الوحيدة للتثقيف والتوعية والترويح. وممّا ذكرتُه عن علاقتي بالراديو في كتابي “بأعمالهم لا بأعمارهم”[1] أنه كان لدينا في بيتنا عندما عشنا فترة في تنزانيا راديو كبير بحجم التلفزيونات الحالية، وكان يَستخدم بطارية كبيرة أقرب إلى بطارية السيارات الحالية. وعن طريق الراديو – ورغم صغر سني – كنتُ متابعاً للأحداث، وكنتُ أسابق المذيع في نطق أسماء العواصم وأسماء المسؤولين في العالم لأختبر معرفتي، كا أني كنتُ شغوفاً جداً بما تقدِّمه الإذاعات التي يصل إرسالها إلينا.

بدأت قصة عملي في الإذاعة العمانية عام 1977، عندما أخذني قريبي ماجد بن سعيد المحروقي للعمل فيها في فترة الصيف، ولم أكن أدري أنّ فترة عملي ستمتد حتى هذه اللحظة، حيث مرّت أربعون سنة؛ وهي عمر طويل، شهد أحداثاً تاريخية على الصعيديْن العربي والعالمي، ليس أولها زيارة السادات للقدس بعد أشهر قليلة فقط من توظفي، ولا آخرها تولي دونالد ترامب سدة الرئاسة الأمريكية، مثيراً فزع الكثيرين. وخلال هذه السنين الأربعين زاملتُ الكثيرين، منهم من واصل معي إلى اليوم، ومنهم من اختار طريقاً آخر. منهم من أصبح مسؤولاً كبيراً في الدولة، ومنهم من انتقل إلى رحمة الله. كانت الإذاعة بالنسبة لي بيتاً أولاً في بادئ الأمر، ثم ثانياً بعد ذلك. وكانت صورة مصغرة من المجتمع؛ ففيها المثقف والسطحي، الذكي والغبي، الصادق والمدّعي، الطيّب والخبيث، النقي والحاسد وغيرها من الأصناف التي يزخر بها أيُّ مجتمع. أما أنا فلا بد أن أكون قد حملتُ صفة أو أكثر من تلك الصفات، ولأنه لا يصح أن أحكم على نفسي فسأترك الحكم للآخرين. ولطالما رددتُ أمام زميلي سليمان المعمري أنّ أمامك في هذه الإذاعة منجماً من الشخصيات الروائية وعليك أن تستغلها في أعمالك الأدبية، حتى استجاب في روايته “الذي لا يحب جمال عبد الناصر”، واستطاع أن يلتقط عدداً من هذه الشخصيات، بعد أن أجرى لها الصهر اللازم الذي حوّلها من شخصيات واقعية أعايشُها كلَّ يوم إلى شخصيات أدبية بالكاد يستطع المرء القبض فيها على تلك الشعرة الرقيقة بين الواقع والخيال؛ وقد قال لي مرة الزميل المذيع سعيد بن مهنا العميري إنه في قراءته للرواية كان يحاول أن يفك طلاسم الشخصيات ويربطها بالواقع. ولكن ما فعله سليمان في روايته لا أستطيع أن أفعله أنا في هذا الكتاب، فأنا لا أكتب أدباً خياليّاً هنا لأضيف له من خيالي أو أحذف، بل ذكريات واقعية عايشتها لحظة بلحظة. ولذا فعلى القارئ ألا يندهش إن رآني ركَّزت على إيجابيات من عاشرتُهم من الزملاء، دون تناول السلبيات إلا بإشارات بعيدة دون أن تمس الأشخاص. وهذه عموماً طريقة ليست بالجديدة في كتابة المذكرات أو اليوميات، فقد فعلها كثيرون قبلي، منهم المفكر المصري جلال أمين في سيرته الذاتية، إذ سمى الأشخاص بأسمائهم عندما كان الحديث إطراءً على هؤلاء، وذكر الموضوع دون الإشارة إلى الأسماء عندما كان الحديث نقداً أو ذمّاً.

أما الروائي البرازيلي جورج أمادو فقد خشي أن يفقد أصدقاءه إنْ هو تناولهم في مذكراته، لذا فإنه اكتفى بأن يتناول طفولته فقط، وذكرياته في الأراضي الموحشة التي تستوطنها الحمى والأفاعى وقطاع الطرق، في كتاب سماه “طفلٌ من حقول الكاكاو”، وشرح ذلك قائلاً: “إذا كتبتُ مذكراتي سأفقد أصدقائي لبقية عمري. لديّ أصدقاء لا يفكِّرون بطريقتي، والأمرُ نفسه في الأدب. فهناك كتبٌ أحبُّها، وهناك كتبٌ أنا معجبٌ بها. يمكن أن أعجب بكتاب ولا أحبه، ويحدث أن أحبَّ صديقاً دون أن أشاطره طريقة تفكيره.”

جاءت فكرة هذا الكتاب صدفة؛ فعندما كتبتُ مقالاً لمجلة “التكوين” – عدد شهر فبراير 2017، تحت عنوان “أنا من ضيّع في الإعلام عمره”، اقترح علي الصديق محمد بن سيف الرحبي رئيس تحرير المجلة، أن أكتب سلسلة من المقالات عن ذكرياتي في الإذاعة، وعرضتُ المقترح على الصديق سليمان المعمري الذي شجّعني كثيراً على ذلك، وكنتُ متهيِّباً الموقف، فمن ناحية أنا من المؤمنين جداً بأهمية التوثيق، وأعلم أنّ ما ضاع منا – على المستوى الشخصي أو العائلي أو الوطني – هو كثير، ومن ناحية رأيتُ أنّ مسألة التوثيق تحتاج إلى جهد قد لا أستطيعه؛ إلا أنّ رأي سليمان كان هو أن أركِّز على فترتِي ومشاهداتي، فأنا هنا لستُ باحثاً وإنما أتحدث عما رأيتُه وعشتُه شخصيّاً، ولا أستطيع أن أقول إنّ هذا الكتاب هو سيرة يومية أو مذكرات؛ وإنما هو بعض مشاهداتي للأحداث وشهادتي عليها؛ والأمل أن يقوم بمهمة التوثيق الرواد الأوائل الذين شهدوا ميلاد الإذاعة من أيامها الأولى. وقد عرضتُ على سليمان الكتاب فصلاً فصلاً، فكانت الملاحظات التي أبداها هي التي أخرجته بشكله الحالي، وبأمانة، فأنا شخصيّاً لم أكن أعتقد أنني قادر على إخراج هذا الكتاب بحجمه الحالي، إلا أنّ المناقشات اليومية التي تمت بيننا – أنا وسليمان – كان لها الفضل في ظهور فصوله بهذا الشكل. فلا بد من توجيه شكر خاص له سليمان المعمري، على الجهد والوقت اللذين بذلهما، والشكر أيضاً لكلِّ من أمدَّني بالمعلومات وذكَّرني ببعض المواقف والحكايات، وأخصُّ منهم أخي سيف بن سعود المحروقي رئيس تحرير جريدة عُمان الذي عايش معي كثيراً من فصول وأحداث هذا الكتاب؛ كما أني أشكر الزملاء الدكتور محمد بن ناصر المنذري، وأحمد بن مهنا الكندي، ومحمود بن عبيد الحسني، ويعقوب بن سعيد الجابري، والفنان بخيت الشحري، على ما قدَّموه من معلومات.

بقي أن أشير إلى أن عنوان “سارق المنشار” استللتُه من قصة تراثية قديمة ذكرتُها خلال هذا الكتاب، بل إنني عنونتُ به فصلا من الفصول التي أعتبرها مهمة في هذا الكتاب. ستجدون القصة كاملة في فصل “الغلام الذي لم يسرق المنشار”، وسيكون لكلٍّ منكم رأيه فيّ، وحكمه عليّ، ما إذا كنتُ سارقاً للمنشار أم أن غيري هو من سرقه. لكنني فضّلتُ هذا العنوان لحمولته الدلالية البليغة التي تتجاوز المعنى الظاهر في تلك القصة التراثية، ولذا لن أستاء البتة إذا ما ناداني قارئٌ لهذا الكتاب بعد نشره : :”يا سارق المنشار”.

وبعد؛ فإنّ أربعين عاماً من الحياة في إذاعة سلطنة عُمان – رقم قلة الزاد – هي مُغرية بالكتابة عنها، والشهادة عليها.. أربعون عاماً قدَّمتْ لي حُلْوها ومُرّها، وأتاحت لي العيش مع أصناف مختلفة من البشر، وأن أفرح مراتٍ وأحزن مرات، وأن أشاهد – وأنا في مكتبي أولاً، عندما كان عندي مكتب، ثم في مكتب الزميل عبدالله العزري، ثم في مكتب الزميلة زينة الحارثي، ثم تحت سُلّم دائرة الأخبار في الشتاء لأنّ الجو يسمح، ثم في مسجد الهيئة الذي كان مقراَ لدوامي لعدة شهور – أن أشاهد العالم يتغيَّر من أمامي، العالم الكبير، وعالمي الصغير، مردداً بيت الشاعر: “وتحسب أنك جُرمٌ صغيرٌ / وفيك انطوى العالم الأكبرُ”.

 

 

                                                                     10 يونيو2017

______________

[1]  صدر عن دار الانتشار العربي ببيروت سنة 2015

0 1983 14 سبتمبر, 2017 السابع والثمانون, ثقافة وفكر سبتمبر 14, 2017
Avatar

عن الكاتب

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com

عرض كل المواضيع التي كتبها زاهر بن حارث المحروقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.