القتل الخطأ والقتل العمد ج2

لـ

(بين الكتاب والتاريخ)

 

في الحلقة الماضية قلت إن أحكام القتل الخطأ والقتل العمد تنفذ على المؤمن الذي يقتل مؤمنًا، والمؤمن في سياق الآيات هو الذي يشعر بأمنه وأمانه في المجتمع، وليس المؤمن بالله واليوم الآخر، فيدخل فيه كافة من يعيش في المجتمع آمنًا مستقرًا مهما كانت عقيدته وآراؤه. كذلك فإن القتل في القرآن مفهوم واسع يشمل كافة أشكال الضغط المادي/ المعنوي على نقطة ما فتتداعى وتتشكل من جديد، وعلى ذلك فإن القتل طيفٌ متدرجٌ يشمل كافة صنوف الإيذاء المادي والمعنوي الواقع على الإنسان؛ بدءًا من تشويه السمعة وانتهاء بإزهاق النفس.

 

-1-

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) النساء:92

 

من الجزاء المترتب على قتل مؤمن خطأ دية مُسلَّمة إلى أهله، والدية تؤدي وظيفة تعويض وجبر جانب من الأضرار المادية والمعنوية للضرر الذي تسبب فيه فعل القتل بتدرجاته، فمن وقع عليه قتل بأذى مادي أو معنوي خطأ فيستحق الدية.

 

والدية غير محددة بمقدار معين، فهي تؤدي وظيفة تعويض وجبر جانب من الأضرار المادية والمعنوية للمقتول، فلا يوجد في القرآن تحديد سقف معين لها، وتحديد سقف الدية متروك للاجتماع البشري زمانًا ومكانًا بحسب حاجاته.

 

وقد وردت آثار وأخبار نسبها الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام في تحديد الدية في:

– إزهاق النفس

– في الجراحات المختلفة (فقد عضو من الجسم، فقد الأسنان، فقد حاسة من الحواس…الخ)

 

وهذه الأخبار إن صحت بنقلها لا تقوى على معارضة سكوت القرآن وإحالته المسألة برمتها إلى الاجتماع البشري المتجدد زمانًا ومكانًا، فهي أقرب إلى ما عُرِف في أصول الفقه بوقائع الأحوال التي لا تخصص عامًا ولا تقيد مطلقًا، بمعنى أنها معالجة زمنية لإطلاق القرآن الدية بما يعطيها امتدادًا عبر الزمان/المكان ليحدد الناس ما يناسب اجتماعهم.

 

الدية بهذا المفهوم الذي قدمته لها وظيفة في جبر الأضرار المادية والمعنوية التي تحدثها أفعال القتل المتعددة، ومن ثَمَّ لا طائل من نقاشات فقهية معاصرة حول مدى جواز الجمع بين الدية والتعويض، فمصطلح التعويض المعاصر (compensation) يعبر عن مضمون الدية ذاته، بما يعنيه من جبر الضرر المادي والمعنوي الناشئ عن فعل القتل، وليس من الموضوعية التفريق بينهما بافتراض أن الدية من الشريعة والتعويض من القانون.

 

-2-

(وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) القتل الخطأ هو أحد صور القتل التي تحدث بفعل التدافع الاجتماعي، وكما ذكرت سابقًا إن القتل في اللسان العربي طيف متدرج يشمل كافة صنوف الإيذاء المادي والمعنوي الواقع على الإنسان؛ بدءًا من تشويه السمعة وانتهاء بإزهاق النفس.

 

القتل الخطأ يحدث في غير حالة العمد (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الأحزاب:5، كأن يرمي أحدهم شيئًا ظانًا أن لا أحد في المكان فيصيب إنسانًا ويؤذيه (أحد صور القتل).

 

وتحديد طبيعة الخطأ وصوره المتعددة محالة بأكملها إلى دائرة الاجتماع البشري ونظره المتجدد زمنيًا ومكانيًا، مثاله نص المادة (84) من قانون الجزاء العماني: (يكون الخطأ في الجريمة غير المقصودة عندما ينتج الضرر للغير عن إهمال الفاعل أو قلة احترازه أو عدم مراعاته للشرائع أو الأنظمة).

 

(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) القتل العمد أحد صور الإيذاء المادية أو المعنوية، والفارق بين العمد والخطأ هي النية، فما تعمدت قلوبكم بتعبير القرآن تعني أن تتمظهر النية في أفعال محسوسة تعبر عما وقر في النفس من رغبة في إيقاع الأذى المادي أو المعنوي.

 

القتل الخطأ أو العمد بكافة درجاته في الإيذاء؛ واقع على المؤمن الذي يشعر بأمانه في المجتمع مهما كانت آراؤه ومعتقداته، ولا شأن للقتل بإيمان الإنسان بالله أو اليوم الآخر، فالقتل ظاهرة إنسانية قديمة مرتبطة بإيذاء النفس بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى.

 

ومن أمثلة القتل الخطأ ما وقع لموسى عليه السلام عندما كان في مصر القرآنية (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) القصص:15، فموسى وكز الذي من عدوه فقضى عليه، وعند تبين نتيجة الفعل قال موسى (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)، ثم استغفر منه (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) القصص:16.

 

ما قام به موسى هو دخوله في مشاجرة بين شخصين استنصره أحدهما على الآخر، فوكزه موسى فقضى عليه، ثم استغفر موسى منه، مما يدل على عدم مشروعية الفعل من أساسه.

 

3-

الآيتان (92-93) من سورة النساء التي نحن بصددهما تتحدثان عن:

– حقوق مدنية مالية (الدية) تنشأ عن ارتكاب فعل القتل بمختلف درجاته.

– بالإضافة إلى تحرير رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين إن لم يجد، وهو جزاء متعلق بخدمة تقدم إلى المجتمع في حالة تحرير رقبة مؤمنة، أو تهذيب سلوكي بصيام شهرين متتابعين.

 

هذه الجزاءات في الآيتين متعلقة فقط بالشقين: المالي والاجتماعي، بدليل أن العقوبة البدنية للقتل العمد لم تذكر في الآية، وبما أن القتل درجات متعددة منها إزهاق النفس فيحكم الجزاءَ البدني على القتل العمد والخطأ قاعدةُ القصاص، والقِصاص جزاء مقرر في القتلى بمختلف تدرجاتهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) البقرة:178 .

 

القصاص من الجذر (ق-ص) يتكون من:

ق: قوة ضاغطة من كل الاتجاهات على نقطة بعينها

ص: تلاقي صدًا وممانعة.

 

في الاستعمال المعاصر للتعاقب (قص) نقول: قصصت الورقة وقصصت الحديد. وقص الحديد بالمقص يكون بقوة ضاغطة تسلط عليه من كل الاتجاهات، وتواجه القوة بصد وممانعة طبيعية ناشئة من خواص المادة.

وعلى ذلك يكون (الْقِصَاص) هو:

قوة ضاغطة بإيقاع العقوبة على مرتكب الفعل، مع وجود صد وممانعة الواقع الاجتماعي من أمثال:

– صعوبة إثبات السلوك الجرمي.

– الدفوع التي تقدم في مواجهته.

– الضغوط الاجتماعية.

– التدخلات في عمل القضاء.

– قصور التشريع.

 

والتعبير بـ(كُتِب) عن القصاص يدل على أنه مستند إلى المعرفة الكونية المرتبطة بالكتاب؛ وعليه فإن تشريعات القصاص يجب أن تكون مستندة إلى المعرفة الكونية. والقصاص بناء على ما سبق؛ هو إيقاع جزاء ملائم على مرتكب القتل بمختلف تدرجاته، مع وجود حالة ممانعة اجتماعية في مواجهته.

وقد قُسمت مجموعات القصاص إلى ثلاث فئات:

– الفئة الأولى: الحر.

– الفئة الثانية: العبد.

– الفئة الثالثة: الأنثى.

 

وبما أن القتل متدرج بحسب درجات الإيذاء؛ فكذلك القصاص هو الآخر متدرج يدور مع الملائمة والمناسبة الاجتماعية، فإن هذه الفئات نماذج من المجتمع بحسب الظروف والملابسات التي تحيط بها.

(الحُر) صاحب إرادة حرة مستقلة، والحركة العامة للتعاقب (حر) هو اتساع وتعاظم يتكرر، وهذا الاتساع يتسم بالتقدم البطيء الثابت، وهذا واضح في ظاهرة (الحَر) الطبيعية، ومن ثَم فإن (الحُر) هو إنسانٌ متزنٌ راجح العقل بخلاف (العبد) الذي لا يلوي على شيء، ويرجع ذلك إلى أن (الحُر) يتميز بإرادته المستقلة واتزانه النفسي، فارتكابه جريمة القتل ينبع من إرادة متزنة هادئة؛ ففئة (الحر) تتمتع باتزان نفسي مسؤوليتها أكبر عندما يقع منها فعل القتل.

أما التعاقب (عبد)؛ المكون من العين لإيضاح الحركة، والباء للانبثاق، والدال للاندفاع المقصود، الحركة العامة تفيد في وصف الحركة الواضحة المتتابعة ذات الهدف، فالحركة سائرة في طريقها لا تلوي على شيء.

الآية قررت مبدأ التناسب في القصاص بهذه الأوصاف (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى)، وقد قابلت الآية بين الحر والعبد، في الآية لم يُربط لفظ (العبد) بالله ولا بالمعية الاجتماعية التي تؤثر عليه إيجابًا ولا بالملكية لغيره من البشر، وكلمة (العبد) في الآية لا شأن لها بأعراف الرق السائدة في الاجتماع البشري القديم، وطالما أن معنى (عبد) هو المنطلق الذي لا يلوي على شيء، فهو في هذا السياق تحديدًا يدل على الانطلاق والانفلات من القيم والمعايير الإنسانية بارتكابه إحدى صور القتل.

أما الحُر فهو صاحب إرادة حرة مستقلة، والحركة العامة للتعاقب (حر) هو اتساع وتعاظم يتكرر، وهذا الاتساع يتسم بالتقدم البطيء الثابت، ومن ثمَّ فإن (الحُر) هو إنسان متزن راجح العقل بخلاف (العبد) الذي لا يلوي على شيء؛ ولذلك فإن ارتكابه جريمة القتل ينبع من إرادة هادئة متزنة؛ بخلاف (العبد) الذي يتميز باندفاعه وانطلاقه وتفلته.

وأما فئة الإناث فهي تحتاج إلى الحماية القانونية والاجتماعية؛ لا يمكن مساواتها بظروف الذكور وانفعالاتهم وتركيبتهم النفسية، لاسيما وأن الأنثى تتعرض إلى تحرش بعض الذكور ومحاولات بعضهم النيل من شرفها وعفتها باستعمال العنف الجسدي، وكذلك ما قد تتعرض له من ضغوط في الحياة الزوجية نتيجة استعمال العنف ضدها، وهذه الأمثلة من الواقع الاجتماعي بحلوه ومره، يستفيد منها العقل القارئ للكتاب العزيز في كيفية تطبيق الملاءمة المطلوبة في سن الجزاء وتطبيقه، فالقصاص يجب أن يراعي كل هذه الظروف والاعتبارات النفسية والاجتماعية.

0 1793 15 أكتوبر, 2017 الثامن والثمانون, ثقافة وفكر أكتوبر 15, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.