ابتسام الكتبي لمجلة الفلق: كل ما فعلته فقط هو أنني أشرت بأصبعي إلى مواطن الخطأ !!

كتب بواسطة خليفة سليمان

المثقفون هم قادة التغيير في المجتمع. بل أن المثقف هو أداة التغيير في المجتمعات. ولكن يحدث في بعض الأحيان شذوذ عن هذه القاعدة، فهناك ما يعرف بالمثقف العضو على حد تعبير المفكر الايطالي “كرامشي” . والمثقف العضو هو المثقف المتماهي مع السلطة .. المطبل للسلطة.. المثقف الذي يحاول أن يبرر فعل السلطة للمجتمع. وهذا النوع من المثقفين يجب أخراجهم من دائرة التغيير أو الفعل الاجتماعي.

Ibtisam

حاورها: خليفة الزيدي – سعيد المسكري –  هيثم المحرمي

الدكتورة ابتسام الكتبي أكاديمية إماراتية. الأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية المتحدة وعضو مؤسس في لجنة حقوق الإنسان بدولة الإمارات العربية المتحدة. باحثة في النظم السياسية والمجتمع المدني والتحول الديمقراطي والتطورات السياسية والاجتماعية، وقضايا المرأة في دول الخليج. عضو في العديد من الهيئات ومنظمات المجتمع المدني على المستويين المحلي والعربي أهمها اللجنة التنفيذية بالجمعية العربية للعلوم السياسية، اللجنة التنفيذية بمنتدى التنمية الخليجي، مجلس الأمناء بالمنظمة العربية للشفافية ومكافحة الفساد، مجلس إدارة الرابطة العربية للديمقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، والمجلس العربي للعلوم الاجتماعية.

التقت مجلة الفلق بالدكتورة ابتسام الكتبي على هامش زيارتها لسلطنة عمان لإلقاء محاضرة ضمن فعاليات مجلس الاثنين بالنادي الثقافي. لقاءنا مع الكتبي دار حول مجموعة من المحاور الرئيسية أهمها علاقة المثقف بالسلطة ، متطلبات التحول الديمقراطي في دول الخليج والمنطقة العربية بشكل عام، والحديث عن منطقة الخليج والتحديات السياسية الراهنة.

تُوصف ابتسام الكتبي بأنها صاحبة صوت ” أكثر جرأة” . إلى أي مدى تصل هذه الجرأة ؟ وهل وصل صوتها فعلا إلى الهدف الذي تنشده ؟

أنا أوصف نفسي بنفسي وفي المقابل احترم ما يقال، فما يراه الآخر جرأة أنا أراه حدا طبيعيا وحقا من حقوقي. الفرد هو من يختار سقفه في الحياة بنفسه. فأن اختار سقفا منخفضا ظل دائما يمشي وهو منحني، وأن اختار سقفا عالي .. ظل دائما يمشي وهو مرفوع الرأس. أنا أزلت الرقيب الداخلي والخوف الداخلي عن نفسي ولذلك أتكلم بكل وضوح وصراحة. هذا الوضوح يعتبره البعض جرأة ولكن بالنسبة لي فهو حق. ثق أن الإنسان عندما يكسر حاجز الرهبة فأنه يتكلم بسلاسة وحرية.

ربما أعتبر البعض صوتي أكثر جرأة لأنه انطلق برؤيته من مجتمعات لم تتعود طرح المسكوت عنه . مجتمعات لم تتعود نقد السلطة وبالتالي فهي تتقبل كل ما يصدر عن السلطة . التعبير عن الرأي بحرية أنا لا أعتبره جرأة.. فهو حق من حقوقي وحق للمجتمع علينا .

ما الذي يجعل المثقف مختلفا عن الآخر؟

المثقف هو صوت المجتمع . المثقف هو ضمير المجتمع الصادق .

ما هي علاقة المثقف بالسلطة ؟ ولماذا انعزل الكثير من المثقفين عن العمل السياسي ؟ وهل يجب على المثقف أن يقود الحراك المدني؟

المثقفون هم قادة التغيير في المجتمع. بل أن المثقف هو أداة التغيير في المجتمعات. ولكن يحدث في بعض الأحيان شذوذ عن هذه القاعدة، فهناك ما يعرف بالمثقف العضو على حد تعبير المفكر الايطالي “كرامشي” . والمثقف العضو هو المثقف المتماهي مع السلطة .. المطبل للسلطة.. المثقف الذي يحاول أن يبرر فعل السلطة للمجتمع. وهذا النوع من المثقفين يجب أخراجهم من دائرة التغيير أو الفعل الاجتماعي.

إشكالية المثقف في المنطقة العربية هي فكرية سياسية في آن واحد. فالبعض يريد أن يكون مثقف للسلطة وفي نفس الوقت يريد أن يكون مثقف للشعب أو للجماهير. ولهذا أسباب موضوعية يأتي في مقدمتها القمع والصراع مع السلطة.. ومن ثم فالمثقف أحيانا يختار الطريق الأسلم له . كذلك فأن الإطار الضيق الذي يعمل به المثقف يعيق حركته ويقيد من حريته. وهناك من يستخدم الثقافة كطريق للوصول إلى السلطة كأن يبدأ المثقف ثوري ولكن سرعان ما يتنازل عن مطالب المجتمع مقابل إغراءات السلطة.. وهناك المثقف الذي ينعزل عن الحراك السياسي والمجتمعي.. وهناك من يسير في ركاب السلطة… الخ. ولحل هذه الإشكالية تحدث البعض وكتب حول تجسير الهوة بين المثقف والسلطة . وتجسير الهوة من وجهة نظري يجب أن يأتي بمبادرة من السلطة . يجب على السلطة أن تناقش آراء المثقفين ولا تعتبر ما يصدر عنهم هو رأي مخالف يجب أن يقمع أو يقصى !!

هل تؤمن ابتسام الكتبي بالتغيير السياسي؟ وهل تعتقد أنها تستطيع المساهمة في هذا التغيير مع وجود تلك النظرة التقليدية للمرأة في المجتمع الخليجي؟

سأتحدث هنا كمثقف فرد بغض النظر عن النوع الاجتماعي. أحيانا لا يأتي التغيير في حياتك، بل يأتي مع من يحمل اللواء من بعدك.. أحيانا تحدث نوع من الخلخلة في المجتمع ومن ثم ينقسم المجتمع بين مؤيد لك ومعارض. قد تجعل البعض يقتدون بك، وفي المقابل تجد البعض الآخر يعزف عنك ويبتعد عن الطريق الفكري الذي تسلكه خوفا من قمع السلطة.

أنا اعتبر نفسي كأستاذ جامعي فرد مهم وفعّال في المجتمع. إنني أتعامل مع عجينة من الطلاب استطيع تشكيلها، فإن كانت لي بصمة في المجتمع ستكون من خلال هذا المكان . طلاب العلم هم استمرارية للمستقبل.. وربما تصبح لي مدرسة في المجتمع مستقبلا. أيضا ممكن أن أساهم في إحداث التغيير من خلال كتابة مقال أو دراسة أو إطلاق رأي أو نقد لشيء ما.. فمثل هذه الكتابات والحراك الاجتماعي بكل تأكيد تحدث نوع من الوعي أو التنوير في المجتمع.

هل هناك فرق ما بين الشارع العربي اليوم والشارع العربي بالأمس ؟

الشارع العربي يغضب ويتظاهر ويشكل حركات سياسية كحركة “كفاية” ولكن هل هذا يؤدي إلى تغيير سياسي واجتماعي وفكري ؟ هنا السؤال !!
قامت في الجزائر ثورة المليون شهيد ولكن في النهاية الجزائر يحكمها العسكر !!

ذكرتي في أحدى المقابلات بأن أحد مسببات التغيير و التكوين الفكري هو التفاعل مع الماضي ، هل ممكن توضيح هذه العبارة في ظل علاقتك بالجبهة الشعبية لتحرير عمان والبحرين في الماضي؟

في العلوم السياسية هناك ما يعرف بالتنشئة الاجتماعية . وهو مفهوم يُدْرس ويُدَرس في مجال الدراسات السياسية ويعنى بالكيفية التي تتشكل بها الثقافة السياسية للفرد أو منظومة القيم السياسية التي يعتنقها الفرد . مثلا هناك من يعتبر النظام الملكي نظام ديمقراطي، بينما يعتبره آخر في منطقة أخرى من العالم نظام غير شرعي. هذه القيم السياسية يستقيها الفرد من الأسرة، المدرسة، الرفاق، المؤسسة المجتمعية أو المؤسسة الحكومية.

جزء من تكوين وعي ابتسام الكتبي السياسي هم الرفاق في مرحلة الدراسة . أنا لم انظم للجبهة الشعبية لتحرير عمان والبحرين ولكن كُنت على علاقة مع الرفاق أنصار تلك الجبهة ومن ثم فأن الجذور السياسية بدأت من هناك.

لماذا الديمقراطية والتحول الديمقراطي يلامس الشرق ويلامس الغرب ، ويقف عاجزا عند أعتاب المناطق العربية؟

هذا السؤال يحتاج إلى دراسة وتفكير عميق. فشل الديمقراطية في المناطق العربية ليس بسبب النظم القمعية، فلم يكن هناك أعتا من النظم البوليسية القمعية في أوروبا الشرقية ومع ذلك عرفت الديمقراطية. ولم يكن السبب هو حداثة النظم السياسية، وإلا لفشلت الديمقراطية في الدول الأفريقية !!. في الحقيقة لا يمكن حصر فشل الديمقراطية في الدول العربية في سبب واحد ، فهناك مجموعة من الأسباب منها العقلية القبلية.. المال النفطي الذي عوق المسيرة الديمقراطية . لو كان المال أتى بالمسار المتدرج الطبيعي، لربما حدث نوع من التطور السياسي ولكن الطفرة المالية السريعة أحدثت نوعا من الخلل.

أيضا علاقة الدول العربية بالعالم والتدخلات الخارجية وموقع الوطن العربي بالنسبة للعالم وما يشكله هذا الموقع من أهمية اقتصادية، كل ذلك أدى بطريقة أو بأخرى إلى فشل المساعي لإحلال الديمقراطية.

gulf countries

ما هي إمكانية تحول الأنظمة الملكية البحتة إلى ملكيات دستورية ؟ في منطقة الخليج تحديدا .

كان هناك أمل في تجربة البحرين ولكن للأسف تم الارتداد عن ذلك. كان شعب البحرين يعتقد أنه سينتقل إلى الملكية الدستورية ولكن ما حدث هو أنهم انتقلوا إلى الملكية ولكنهم لم يصلوا إلى الدستورية وبالتالي كان التجربة ناقصة !! أن وضعية التغيير أو الإصلاح في المنطقة تسير من الأعلى إلى الأسفل وليس العكس . ففي ظل عجز المجتمعات عن فرض الإصلاح سيظل التغيير مرهون بإرادة النخب الحاكمة . ومن ثم سيظل الوضع كما هو عليه إلى أن يأتي حاكم مستنير ينادي بالإصلاح ويعطي الحقوق للشعب.

حدثت تجربة متميزة في دولة الكويت وذلك في عهد عبدالله الثاني . لقد كان حاكما مستنيرا .. قَبِل أن يسلم جزءً من السلطة للجمهور وعمل بمبدأ مشاركة الشعب في العملية السياسية وصنع القرار .. ولذلك فأن التجربة الكويتية استمرت متميزة إلى يوما هذا وذلك بالمقارنة مع بقية دول الخليج الأخرى !

في منطقة الخليج لن يأتي التغيير من أسفل إلى أعلى أي من الشعب إلى القيادات الحاكمة .. لا على المستوى القريب ولا على المستوى المتوسط . وأيضا يصعب أن نضع سيناريوهات لمستقبل العملية السياسية في المنطقة بعيدا عن الواقع… فالواقع يقول أن التغيير مازال في يد النخب الحاكمة والإصلاح لن يحدث إلا بمنحة أو هبة من تلك النخب .

كيف تقيمين حجم الديمقراطية في منطقة الخليج ؟

التجربة الديمقراطية محدودة جدا في المنطقة. نعم حدث الإصلاح في بعض الجوانب ولكنه أصلاح شكلي ولم يمس المضمون. هناك العديد من القضايا الحساسة التي لم تمس مثل قضية فصل السلطات، قضية تداول السلطة و قضية المسائلة الشعبية . نعم وجدت انتخابات ولكننا لم نصل إلى مستوى البرلمانات العالمية أو السلطات التشريعية بالمعنى المعروف. وحتى نكون منصفين نقول أن التجربة الكويتية متميزة في هذا الجانب ولكن مجالس الشورى والنواب والوطني في بقية دول الخليج لا توجد لديهم أي صلاحيات في صنع القرار .. وقراراتهم مربوطة بالسلطات العليا.

هل التجربة الديمقراطية في دولة الكويت فعلا ناجحة ، وخصوصا مع تصريح أمير الكويت مؤخرا بأن “البرلمان خيب آمال الشعب وقراراته لا ترضي المنطق” ؟

ما يحدث في الكويت هو تجربة تعكس فعلا أن هناك عملية ديمقراطية ناجحة. المشكلة هي في عدم التجانس بين الكتلة البرلمانية الفائزة والحكومة المشكلة من قبل النخبة الحاكمة. نظام البرلمانات يقوم على أن الكتلة أو الحزب الفائز هو من يشكل الحكومة ولكن هذا لا يتحقق في التجربة الكويتية مما يخلق صراعا بين البرلمان الفائز والحكومة المشكلة. لكن هذا لا يعني فشل التجربة … بل هي تجربة متميزة ، فهناك انتخابات حرة وحرية رأي عالية وهناك قدرة عالية أيضا على المسائلة لا تتوفر في بقية دول الخليج .

هناك مجموعة من المثقفين العمانيين طرحوا فكرة الدستور التعاقدي ، ولكن المجتمع استقبل الفكرة بين الرفض المطلق والقبول الحذر ، بل أن البعض شكك في قدرة الشعب حاليا على تطبيق الفكرة .. فما رأيك ؟

حجة أن الشعوب لم تصل إلى مرحلة النضج السياسي حجة حاضرة ولكنها واهية . من قال أن من يملك سلطة القرار الآن هو صاحب قرار رشيد ؟ لقد حدثت كوارث في المنطقة نتيجة اتخاذ قرارات خاطئة !! وقد آن الأوان لمشاركة الشعب في صنع القرار. ما يريده المثقف هو الاشتراك المنظم في العملية السياسية وفي عملية صنع القرار، ومن ثم يجب أن تكون الرؤية جماعية .

مثل هذه الأفكار لن تمر مرور الكرام، فهناك العديد من الأصوات التي سوف تبرر عدم قدرة الشعب على المشاركة في العملية السياسية. باختصار السلطة عزيزة على من يملكها ولن يفرط فيها بسهولة … ولكنه للأسف لا يعي أن السلطة المطلقة مفسدة !!

يقال بأن ابتسام الكتبي رغم ما تطلقه من تصريحات جريئة تثير الرأي العام ضد السلطة إلا أنها بعيدة عن قبضة الجهات الأمنية . هل هناك علاقة بين ابتسام والجهات الأمنية؟

علاقتي بالأجهزة الأمنية هي علاقة احترام متبادل. نعم واجهت المسؤولين بنقد للسياسات التي يقومون بها ولكن بحكمة. الناقد يجب أن يكون حصيف . يجب أن لا ننتقد الشخوص ولكن ننتقد السياسات، فالناقد يسير في منطقة ملغومة ولذلك وجب عليه الحذر وتوسيع دائرة الرؤى والنقد حتى لا يؤخذ عليه أي مأخذ يوظف ضده بشكل أو بآخر.

الأجهزة الأمنية لم تعد كسابق عهدها . ربما تضيق الخناق على دعاة الإصلاح والتغيير ، ربما تراقب تحركاتهم واتصالاتهم أو تقصيهم على أبعد الحدود ولكنها لا تعتقل !. ابتسام ليست مثقفه من النوع الذي عينه على الشعب وعلى السلطة والمصلحة الشخصية في نفس الوقت .. ولا يمكن أن تشترى. وفي النهاية ابتسام لم تقل شيئا من فراغ .. كل ما فعلته فقط هو أنها أشارت بأصبعها إلى مواطن الخطأ !!

العدد الرابع ثقافة وفكر

عن الكاتب

خليفة سليمان

كاتب وأديب عماني