أزمة الصناعات الموسيقية بعد الجائحة، من رقمنة الاقتصاد الموسيقي إلى تطور سيرورة الإنتاج الذاتي

كتب بواسطة محمد الإدريسي

بصم مطلع الألفية الثالثة على ثورة حقيقية في مجال الصناعات الموسيقية، قامت على الانتقال من نمط “الاقتصاد المادي” نحو “الاقتصاد الرقمي للموسيقا”، استنادا إلى إمكانات الثورة التقنية والصناعية الرابعة (التسجيلات الرقمية، الستريمنج، منصات الاستماع الموسيقي، اليوتيوب، وغيرها). تبددت مخاوف صناع المحتوى، المنتجين والفنانين وتحولت إلى شغف بعصر ذهبي جديد للموسيقا بمختلف أجناسها، أنواعها ولغاتها. لكن، وخلال السنتين الأخيرتين، ستعري صدمة الجائحة عن الواقع الحقيقي لـ”الاقتصاد الرقمي للموسيقا”، حيث فقد الملايين من المشتغلين بالقطاع وظائفهم، أغلقت دور العرض، توقفت عروض الأداء وانخرط جل الفاعلين فيما يشبه “البطالة القصرية” المستمرة إلى حدود اليوم، وستظهر بالملموس هشاشة القطاع وتراجع مقولات “المهننة” لصالح “المهيمنين” أكثر من الفنانين أو العمال بالمجال. في الواقع، وكما هو الحال مع الكتاب والمبدعين، لم يعد بالإمكان العيش بالكلمة والقلم خلال عصر الجائحة. فما هي مظاهر هشاشة قطاع الصناعات الموسيقية خلال زمن الجائحة؟ كيف يقود الفاعلون المهمشون بالقطاع ثورة جديدة في مجال الإنتاج الفردي للصناعات الموسيقية، استنادا إلى إمكانات العصر الرقمي؟ وما هي تأثيرات هذه التحولات العالمية على قطاع الصناعات الموسيقية بالمنطقة العربية؟  

أدى فرض الحجر الصحي إلى شلل تام بقطاع الصناعات الموسيقية بمختلف دول العالم. بأوروبا، حيث فقد أزيد من 12 مليون شخص وظائفهم؛ من فنانين، عمال وصغار المنتجين[1]. بكندا، أغلقت شركات الإنتاج، المسارح، محلات بيع الأجهزة الموسيقية، دور الموسيقا وأفلست العديد من محلات العروض الموسيقية[2]. بأمريكا، انخرط جل الفنانين في بطالة قصرية مع تراجع عائدات الستريمنج الرقمي وضعف إقبال الجمهور على منصات الأداء الرقمي وتوجه الكثير منهم إلى استعطاف “الجمهور” من أجل دعهم ماديا ومعنويا لتجاوز الأزمة. بالوطن العربي، وفي سياق اقتصاد غير مهيكل بالشكل المطلوب، انخرط جل الفاعلين في بطالة قصرية بدورهم لم يخفف من أثرها سوى هشاشة القطاع نفسه، من خلال الاستثمار في منصات الستريمنج الرقمي والإنتاج الذاتي للمحتوى الموسيقي. لكن، وعلى النقيض من كل ذلك، يعد “عام الجائحة” الأفضل خلال العقدين الماضيين فيما يتعلق بإرساء أسس الاقتصاد الرقمي للموسيقا والاستفادة من عائدته! في حقيقة الأمر، أظهرت صدمة الجائحة حجم الهشاشة والتهميش الذي يعيشه صغار الفنانين، العمال وصناع الموسيقا الصغار في سياق سيرورة رسملة وسلعنة وتسويق واسع النطاق للفعاليات الموسيقية لم تعمل الجائحة سوى على ربط مدخلاتها ومخرجاتها بالعصر الرقمي.

إذا كانت الجائحة قد أعلنت عن انتقال فعلي للإنسانية نحو نمط الاقتصاد الرقمي، فإنها قد فتحت المجال كذلك أمام ارتهان الفعاليات الموسيقية بتحولات العصر الرقمي نفسه. لقد شهد القطاع طيلة عام الجائحة شللا تاما في مبيعات التسجيلات المادية، عروض الأداء والأشكال الكلاسيكية لإنتاج نقد ونشر المحتويات الموسيقية (صناعة النجومية كما تحدث عنها إدغار موران[3]). وفي المقابل، تم تعويض ذلك بارتفاع كبير في حجم مبيعات التسجيلات الرقمية، أرقام قياسية في نسب المشاهدات والستريمنج، الاستفادة من “ثقافة الكلاوت” من أجل الدعاية للمنتجات والمحتويات الموسيقية بالاستناد إلى إمكانات العصر الرقمي وفتح المجال أمام موسيقا ولغات الهامش لتهيمن على أرقام معاملات القطاع (الموسيقا الكورية واللاتينية). بالإضافة إلى ذلك، تم تعويض عروض الأداء الحية بعروض أداء رقمية وافتراضية لربط المحتويات الترفيهية بتدبير ظرفية الحجر الصحي. إن هذه المتغيرات تظهر بجلاء أننا إزاء سيرورة انتقال حقيقي نحو الاقتصاد الرقمي للموسيقا بدأت منذ عقدين من الزمن قبل أن تشكل صدمة الجائحة “حقل اختيار” لإمكانات وأفاق هذا القطاع في تفاعله مع الثورة الصناعية الرابعة. لكن، ماذا عن وضع ومستقبل الفنانين أنفسهم، الفاعل الرئيس في القطاع، ضمن هذا الانتقال الحتمي الذي يطال “هوية” الصناعات والإنتاجات الموسيقية؟

في الواقع، لابد من الإشارة إلى أن كبار الفاعلين في الصناعات الموسيقية الحيوية اليوم هم فنانو الأمس بالضرورة، في مختلف الأجناس والأنواع الموسيقية (البوب، الهيب هوب، الروك، وغيرها). وبالتالي، يشكل هذا الانتقال جزءا من اللعبة أو الصناعة نفسها. مع ذلك، لا يصب هذا الانتقال إلا في مصلحة القلة منهم، في حين أن سيرورة مهننة القطاع وربطه بالعالم الرقمي لم تسهم سوى في تهميش العاملين في القطاع. أمام ضعف [وتوقف] عائدات الستريمنج الموسيقي، شلل المبيعات المادية وعروض الأداء، لم يكن أمام صغار الفنانين [وحتى الكبار منهم] من حل سوى استجداء العموم والحكومات لدعم القطاع. وبالفعل، استجابت العديد من الحكومات لهذه الدعوات، بما فيها حكومات عربية (المغرب)، لكنها ظلت مقتصرة على دعم “المهيمنين” على الصناعات الموسيقية، على حساب المهمشين. فضلا عن ذلك، قادت بعض المنصات الرقمية أيضا (سبوتيفاي) حملات لدعم الفنانين والعاملين بالقطاع أظهرت إلى أي حد شكلت صدمة الجائحة صدمة للفنانين أنفسهم[4]. إن جزءا كبيرا من تهميش الفاعلين في قطاع الموسيقا راجع إلى استمرار إدراج القطاع ضمن خانة المجالات الترفيهية، خاصة بدول الجنوب، في حين أننا أمام صناعة قائمة الذات يتجاوز رقم معاملاتها مليارات الدولات سنويا، وأعادت هندسة القطاع والذوق العام بالاستفادة من إمكانات رأسمالية المراقبة وتحولات عالم الأنفوسفير.

كشفت صدمة الجائحة عن حجم التفاوتات والفوارق بين مختلف الفاعلين في تنظيم الصناعات الموسيقية المعاصرة وإسهام سيرورة لبرلة ورسملة هذا القطاع في ضمان مزيد من التهميش والارتباط الدائم للفنانين والعمال بالشركات الكبرى. على سبيل المثال لا الحصر، تشتغل نسبة كبيرة من العاملين بقطاع الموسيقا بدوام جزئي، مشاريع خاصة واقتران كلي بالشركات الصغرى. لهذا، وبعد فرض الحجر الصحي وتوقف القطاع، وجد جل المشتغلين به أنفسهم في “بطالة قصرية”. وفي نفس السياق، لا يستفيد الفنانون والموسيقيون، في الغالب، سوى من عائدات بسيطة (لا تتعدى %10 إلى %20) نظير حجم المبيعات، التحميلات والستريمنج الموسيقي؛ هذا في حال وجود عقد ووزن للفنان بالقطاع، وتظل عروض الأداء السبيل الوحيد لتحقيق مداخيل إضافية (من %70 إلى %85) والتي توقفت خلال فترة الحجر الصحي. وبهذا المعنى، ارتبط ارتفاع نسب المشاهدات، والستريمنج الموسيقي، عروض الأداء الرقمي بارتفاع رقم معاملات الشركات المحتضنة أكثر من الفنانين أنفسهم. إضافة إلى ذلك، ضمنت الشركات هذا الارتفاع من خلال الاستثمار في ثقافة الكلاوت في سياق الجائحة واحتكارها لخط زمني للمحتويات الموسيقية يتراوح بين سنة وسنتين أو أكثر (ألبومات ومقاطع موسيقية تم تسجيلها قبل الجائحة). نتيجة لكل هذا، لم يجد المشتغلون بدا من الدعوة إلى التخلص من هيمنة الشركات “الكبرى” والاتجاه نحو نمط “الصناعة أو الإنتاج الذاتي للموسيقا”، على غرار النشر الذاتي في عالم الأدب والكتابة، بهدف تخليص المحتويات الموسيقية من الطابع التجاري والاستهلاكي، الحفاظ على البعد الإنساني والفني للموسيقا وحماية العاملين بالقطاع من سيرورة الهشاشة الكونية.

بما أن الفنانين الشباب وصغار العاملين بالقطاع هم الأكثر تضررا من صدمة الجائحة، فقد قاد الكثير منهم حملات واسعة النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الانفصال عن هيمنة الشركات المحتضنة وتبني نمط الإنتاج الذاتي للموسيقا بالاستفادة من إمكانات العصر الرقمي. يقوم هذا النمط من الاقتصاد الرقمي على تحكم كامل للفنان في مختلف مراحل صناعة المحتوى الموسيقي، بدءا بكتابة الكلمات ووصولا إلى التوزيع والنشر، واستثمار جودة العمل، القاعدة الجماهيرية، رأي النقاد ومنصات الستريمنج في الترويج للعمل والاستفادة الكلية من العائدات المادية. بهذا المعنى، يتم فصل العمل الفني عن الرهانات الاستهلاكية الخالصة وتحقيق تقارب أكثر بين الفاعلين في الإنتاج الموسيقي والمتلقي. وفي الآن نفسه، تجاوز هشاشة قطاع التسجيلات المادية وعروض الأداء الحية، والذي أظهرت الجائحة محدوديته في قادم السنوات، والبدائل المهنية المقترحة والتي لا ترقى لتطلعات الفاعلين في القطاع (عروض الأداء الرقمية، مساعدات الحكومات والجمهور، وغيرها). لقد بدأت مقولات الإنتاج الذاتي للموسيقا بصناع المحتوى على المنصات الرقمية وصغار الفنانين والمهمشين (خاصة في حقلي البوب والهيب هوب والموسيقا الشبابية بدول العالم الثالث) قبل أن يتم دعهما من طرف كبار الفنانين في الصناعة وتظهر فعاليتها في مهنة القطاع في اتجاه يضمن التركيز على الفاعل الرئيس في اللعبة: الفنان والموسيقي.

ختاما، أظهرت الجائحة هشاشة النماذج الكلاسيكية للاقتصاد الإنساني. وفي نفس الوقت، شكلت “لحظة” تجريب حقيقي لإمكانات الاقتصاد الرقمي والاستفادة من تحولات عصر الأنفوسفير من أجل ربط مستقبل الإنسانية بالحياة دائمة الاتصال. وفي مجال الصناعات الموسيقية، تبين بالملموس هشاشة القطاع باسم سيرورة لبرلة ورسملة الصناعة بالضرورة، وتعالت الأصوات لرفع التهميش عن العاملين والفنانين. في السياق العربي، ونظرا لضعف مأسسة الشروط الموضوعية للاقتصاد الرقمي للموسيقا وارتهان الفاعلين بنمط الإنتاج الذاتي للمحتويات، لم تسهم صدمة الجائحة سوى في التأكيد على الحاجة إلى مهنة القطاع وربطه بالمشاريع التنموية المحلية. لهذا، وعلى خلاف الدول الغربية، لم يتضرر الفاعلون بالقطاع، خاصة الفنانين الشباب، الذين حافظوا على تحكمهم الكامل في إنتاج المحتويات الموسيقية، بقدر ما استمرت سيرورة تهميش القطاع في ارتباطها بوضع الفن والفنانين ككل بسياق دول العالم الثالث. في الواقع، لازالت منصات الستريمنج الرقمي هي التي تنظم سيرورة تطور الصناعة، في انفصال تام عن النقاد، الجمهور وحتى الشروط الفنية لإنتاج المحتويات الموسيقية نفسها. مع ذلك، وفي سياق انتقال المركزيات الموسيقية نحو الهوامش، انتبهت شركات الإنتاج بعد الجائحة إلى الإمكانات الاقتصادية التي توفرها بعض الأسواق العربية (دول شمال إفريقيا) وسارعت إلى احتضان العديد من الفاعلين في إنتاج الموسيقا الشبابية المحلية، الأمر الذي لن يسهم سوى في تحكمها في الصناعة المحلية ومهنتها في اتجاه أكثر استهلاكية واقترانا بقوانين السوق المفتوح، عبر الارتهان بثقافة الستريمنج وعروض الأداء الرقمية. فضلا عن ذلك، لن ينعكس هذا التحول بالضرورة على ربط الموسيقا بالتنمية المحلية كما هو عليه الحال بالكثير من الدول النامية نفسها (بورتوريكو، أمريكا اللاتينية، كوريا الجنوبية، وغيرها)… إن سيرورة مهنة قطاع الصناعات الموسيقية تنطلق من الفنان والعاملين بالقطاع والاستثمار في المقومات الثقافية واللغوية المحلية قبل ربطها بالكونية بالضرورة.


الهوامش:

[1] – https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/E-9-2020-002226_EN.html

[2] – https://www.toronto.ca/wp-content/uploads/2020/10/9846-Re-Venues-FINAL-REPORT.pdf

[3] – Edgar Morin, Les stars, Paris Ed du Seuil, 1957.

[4] – Ben Beaumont-Thomas, Spotify’s ‘tip jar’ is a slap in the face for musicians. It should pay them better, Thu 23 Apr 2020,  https://www.theguardian.com/music/2020/apr/23/spotify-tip-jar-musicians-pay-fans-donate-artists

العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

محمد الإدريسي